منتديات العلم والعلماء والمخترعين والمبتكرين ....

الفساد فى مصر المفاهيم .. الآليات .. النتائج

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الفساد فى مصر المفاهيم .. الآليات .. النتائج

مُساهمة من طرف المدير العام في الجمعة أبريل 09, 2010 12:56 am


الفساد فى مصر المفاهيم .. الآليات .. النتائج
دكتور / عبد الخالق فاروق
الفساد فى مصر
المفاهيم .. الآليات .. النتائج
عندما تثار قضية الفساد فى مصر _ أو غيرها من بلاد الدنيا – ينقسم الرأي العام عادة بين تيارين أساسيين ، يعبر كل منهما عن رؤية أحيانا ، أو عن مصالح مختلفة أحيانا أخرى .
فأغلبية الرأي العام الساحقة التى تعانى من تدهور مستويات معيشتها تشكل مظاهر الفساد المتفشية تحديا لمشاعرها ، واستفزازا لوجدانها ، وهى بهذا تنظر إلى هذه الممارسات الفاسدة باعتبارها جرائم اقتصادية وأخلاقية قبل أن تتوقف عند مضامينها السياسية والثقافية .
أما التيار الثاني – والذي يمثله رجال المال والأعمال ودوائر رسم وصنع السياسات والقرارات وبعض الدوائر الإعلامية والصحفية المرتبطة بهم – فتروج لمفهوم مختلف ينطلق من مقولة أن ” الفساد موجود فى كل الدنيا ” ، وأن هذه الممارسات الفاسدة هى جزء من اقتصاد الدول الحديثة ، أو أن هذه الممارسات ذات طبيعة فردية وشخصية ، وإنها الاستثناء الذى لا يلغى القاعدة العامة التي هى سليمة وصحيحة وأن ” كل شيء تمام “.
والآن .. علينا أن نتساءل ما هو وجه الصحة فى موقف هؤلاء أو أولئك ؟
المبحث الأول : المفاهيم .. الآليات .. النتائج
دعونا أذن نبدأ من البداية بطرح عدد من الأسئلة الضرورية ومحاولة الإجابة عنها :
أولا : ما هو الفساد ؟
عندما زادت ممارسات الفساد فى كثير من دول العالم ، خاصة منذ منتصف السبعينات فى الدول النامية ، تجمع عدد من الخبراء الاقتصاديين ورجال القانون الدوليين ، وفى طليعتهم المحامى النيوزيلاندى ” جيرمى بوب ” والألمانى ” بيتر إيغين ” وقاموا – وبتمويل من مؤسسة فورد الأمريكية – بتأسيس ما سمي ” منظمة الشفافية الدولية ” عام 1994 .
وحاول هؤلاء على مدار خمسة سنوات صياغة موقف دولى صادر من منظمات المجتمع المدني الدولي ، تجاه هذه الظاهرة التى باتت تدمر أسس التنافس الحر المبنى على وضع المعايير وشفافيتها(1) .
فالفساد علاوة عن كونه ممارسة من جانب الأثرياء عادة ، والمتنفذين فى الأجهزة الحكومية والشركات الكبرى محلية كانت أو دولية ، فهو أيضا ترسيخ لواقع الظلم الاجتماعي ، وأداة من أدوات الاستقطاب الاجتماعي والطبقي ، ليس على أسس الجدارة الاقتصادية والمهنية ، وإنما على أسس أخرى مثل استغلال النفوذ والتعسف فى استخدام السلطة التنفيذية ، أو حتى سلطة التشريع أو استخدام منصات القضاء فى غير محلها المرسوم فى القوانين والدساتير المختلفة للدول ، ومع استمرار وتزايد أنماط الفساد دون مقاومة حقيقية مؤثرة من الشرفاء ومنظمات المجتمع المدنى ، سيؤدى لا محالة إلى تحوله إلى نمط عام وسلوك واسع الانتشار ، ليس بين الطبقات العليا فحسب ، وإنما إلى ما دون ذلك من فئات اجتماعية مما يهدد مجمل فكرة ” حكم القانون ” ليتحول المجتمع إلى ما يشبه الغابة دون قواعد تحكم السلوك ، ودون أخلاق تنظم العلاقات ، وبتفشي ” ثقافة الفساد ” نصبح أمام كارثة مجتمعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى .
وقد عرفت منظمة الشفافية الدولية فى بداية عهدها الفساد بأنه ( سوء استخدام السلطة الممنوحة من أجل تحقيق منفعة خاصة ) . بيد أن هذا التعريف لم يكن شاملا أو جامعا ، لذا فقد عادت المنظمة فى وقت متأخر ، وتحت تأثير اجتهادات عدد من الباحثين – مثل ” سوزان روز أكرمان ” Suzan rose-Ackerman – لتعرفه بأنه ( السلوك الذى يمارسه المسئولون فى القطاع العام أو القطاع الحكومي ، سواء كانوا سياسيين أو موظفين مدنيين بهدف إثراء أنفسهم أو أقربائهم بصورة غير قانونية ومن خلال إساءة استخدام السلطة الممنوحة لهم ) (2) .
أما قانون العقوبات الفرنسي فقد ميز بين ما أسماه ” الفساد النشط ” و ” الفساد السلبي ” فعرف الأول بأنه ( سعى الموظف الحكومي بنشاط من أجل الحصول على هدية أو منفعة أو رشوة قبل تقديمه الخدمة أو منح العقد ) أما الفساد السلبي فقد عرفه بأنه ( قبول المسئول لهدية أو مكافأة أخرى بعد منح العقد أو تقديم الخدمة ) .
وفى قانون العقوبات المصري نصت المادة ( 103 مكرر) على تعريف المرتشي بأنه ( كل موظف عمومي يطلب لنفسه أو لغيرة أو قبل أو أخذ وعدا أو عطية لأداء عمل يعتقد خطأ أو يزعم أنه من أعمال وظيفته أو الامتناع عنه ) (3) . لكن تطور الحياة الاقتصادية فى مصر ، وفى غيرها من الدول والمجتمعات منذ منتصف السبعينات ، قد أوجد أشكالا جديدة وعديدة للفساد ، فلم تعد الرشوة أو الاختلاس هما مظاهرها الوحيدة ، بل هناك عشرات السلوكيات والممارسات التى تندرج فى توصيف الفساد بالمعنى القانوني والأخلاقي للكلمة (4)
وعلى صعيد النظرية الاقتصادية ، انشغل العقل الاقتصادي بقضية الفساد ، واحتلت جانبا من النظرية الاقتصادية الحديثة ، وكذا فى الدراسات الاقتصادية التطبيقية ، وبرز بنتائج هذا الاهتمام ما يسمى فى النظرية الاقتصادية ” بالاقتصاد الخفي ” hidden economy أو الاقتصاد الأسود black economy ، وتعنى تلك الأنشطة المالية أو الاقتصادية التى تجرى فى الخفاء وتخالف القوانين المعمول بها ، وعادة ما لا تجد طريقة ما لتسجيلها فى سجلات الحسابات القومية national accounts ، ومن ثم فهى لا تتضمن داخل مصفوفة الدخل القومي الرسمي national income matrix برغم أهميتها وثقلها فى صيرورة التدفقات المالية والنقدية فى البلاد (5) .
كما برزت على ضفاف هذا الإطار النظرى الجديد مفاهيم إضافية مثل دخول الظل shadow income والتى تتمثل فى الدخول النقدية التى يحصل عليها بعض الأفراد أو الجماعات – وغالبيتهم من الموظفين فى المصالح الحكومية – بصورة غير قانونية مثل الدروس الخصوصية أو الأعمال الموازية أثناء وقت العمل الرسمي – مثل قيادة سيارات التاكسي أو أنشطة تجارية أو غيرها – ويندرج بها أيضا الحصول على الإكراميات والرشاوى نظير أداء أعمالهم أو التبرع للقيام بهذه الأعمال .. الخ (6) .
وقد أدت السياسات الحكومية فى مجال الأجور والمرتبات ، إلى انتشار هذه الممارسات بحيث أصبح لدينا ما يمكن أن نسميه ” المرافق الموازية ” أو غير الرسمية مقابل الأجهزة الحكومية الرسمية ، مثل خدمات التعليم والصحة والشرطة والأمن والمحاكم ومكاتب التوثيق والشهر العقاري والمرور وغيرها (7) .
وقد دفعت هذه الظواهر المتنامية ، بعض المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، إلى دراسة هذه الظاهرة الاقتصادية والمالية ، ففى عام 1998 أعد مجموعة خبراء بصندوق النقد الدولي I.M.F حول موضوع الاقتصاد الخفى على مستوى العالم ، وقدرتها الدراسة بنحو 9 تريليون دولار أى ما يعادل 23% من الناتج المحلى العالمي الذي بلغ ذلك العام 39 تريليون دولار (Cool .
ثم توالى الاهتمام من الباحثين المرموقين فى هذا الحقل المعرفي الجديد ، وكان من أبرز هؤلاء عالم الاقتصاد النمساوي البارز ” فردريك شنيدر ” Frederick Schneider الأستاذ بجامعة ” هانز كبلر” ، الذى قام بدراسة اقتصاد 76 دولة على مستوى العالم ، وتبين فيها أن نسبة ممارسة الاقتصاد الخفي تتراوح بين 15% إلى 35% من الناتج المحلى الإجمالي لهذه الدول ، والمدهش أن هناك ثلاث دول تجاوزت هذا المعدل الوسطي ، وهى تايلاند (73% ) ونيجيريا (70%) ومصر (65%) وذلك عام 1998 ، بينما بلغت النسبة 8% فى الولايات المتحدة و19% فى كندا و35% فى البرازيل و20% فى الدنمرك (9) .
ثانيا : أشكال الفساد وأنواعه :
الحالة المصرية تكاد تكون نموذجية فى دراسة كيفية تحول الفساد فى مجتمع ما من حالات انحرافات فردية معزولة – مهما أتسع وأزداد عدد المنخرطين فيها فى قمة هرم السلطة – إلى ممارسة مجتمعية شاملة بالمعنى الحقيقي لا المجازى للكلمة .
وهنا نستطيع أن نميز فى تحليل ظاهرة الفساد وحقائقه فى مصر بين نوعين :
الأول : ما نسميه ” فساد الكبار ” المنفذين على قمة الهرم الإجتماعى والسياسي ، سواء فى الفرع التنفيذي ( الحكومة ) أو التشريعي ( مجلس الشعب ) أو الأمني ، حيث شكلوا شبكات مصالح تتنازع فيما بينها أحيانا ، وتتناغم فى توزيع المزايا والغنائم أحيانا أخرى .
الثاني : ما نطلق عليه ” فساد الصغار والفقراء ” حيث لم تعد ممارسات الفساد والرشوة والوساطة والمحسوبية تقتصر أو تنحصر فى ” الكبار ” وحدهم ، بل إنها وعبر سياسات الإفقار واتساع الفجوة فى الدخول INCOME وارتفاع الأسعار المستمر وغياب ” القدوة ” فى قمة هرم السلطة والمجتمع ، وتآكل دور أجهزة الرقابة قد تسربت إلى ممارسات الناس العادية فى قطاعات الخدمات الحكومية وغير الحكومية .
وتختلف الدول المتقدمة والمتحضرة عن كثير من دول العالم الثالث فى طريقة تعاملها مع ظواهر الفساد ورموزه ومدى سطوة القانون فى إخضاع ممارسات الفساد إلى قصاصه العادل ، فبينما يطبق القانون فى أقصى أشكاله على رموز الفساد ووقائعه فى الدول المتقدمة ( اليابان ، أمريكا ، أوربا .. الخ ) ، فإننا على العكس فى بلادنا نجد أن المفسدين والفاسدين هم الذين يصوغون القواعد القانونية عبر سيطرتهم المباشرة على أجهزة التشريع والتنفيذ ، وأحيانا بعض أفرع الهيئات القضائية .
ثالثا : مجالات وقطاعات الفساد :
تشير دراسة منظمة الشفافية الدولية المنشورة عام 2001 ، إلى حقيقة كون أكثر المجالات الحكومية عرضة للفساد فى الدول النامية هى :
- المشتريات الحكومية .
- تقسيم وبيع الأراضي والعقارات .
- نظم الجباية الضريبية والجمركية .
- التعيينات الحكومية .
- إدارات الحكم المحلى بالمحافظات (10) .
بيد أن الحالة المصرية قد ضربت الأرقام القياسية ، فاتسع نطاق ومجالات الفساد التى انغمس فيها – بصورة شبة دائمة – كبار رجالات الدولة وأبنائهم – مثل :
1- قطاع المقاولات وتخصيص الأراضي وشقق المدن الجديدة والطرق والكباري والبنية الأساسية .
2- عمولات التسلح ووسائل نقلها .
3- قطاع الاتصالات والهواتف المحمولة والثابتة .
4- خصخصة وبيع الشركات العامة ونظم تقييم الأصول والممتلكات والأراضي المملوكة لهذه الشركات .
5- البنوك ونظم الائتمان وتهريب الأموال الى الخارج عبر القنوات المصرفية الرسمية .
6- شركات توظيف الأموال وما جرى فيها .
7- تجارة المخدرات واختراق قيادات الأجهزة الأمنية والمؤسسة السياسية .
8- تجارة العملات الأجنبية والمضاربة على سعر صرف الجنية المصري .
9- تجارة الدعارة وشبكات البغاء ذات الصلة أحيانا بكبار رجال الدولة وأجهزتها .
10-نظم الاستيراد وأذون الاستيراد وبرامج الاستيراد السلعي .
11-طرق توزيع مشروعات المعونة الأمريكية .
12- الصحافة ومؤسساتها وإفساد الصحفيين عبر وسائل شتى والإعفاء غير القانوني للمؤسسات الصحفية ( القومية ) من أداء الضرائب العامة وتسهيل سبل الارتزاق السري وغير القانوني لبعض الصحفيين .
13- ما يسمى ” علاوة الولاء ” التى تمنح بصورة سرية وبالمخالفة لقواعد المشروعية المالية لكبار قيادات الجيش والأمن .
14- إفساد النظام التعليمي الرسمي والصمت على جريمة الدروس الخصوصية بل وخلق الظروف الملائمة لتفشيها .
15- الإبقاء على فساد النظام الصحي الحكومي من أجل إتاحة الفرص لتوسع المستشفيات الاستثمارية .
16- البورصة وسوق الأوراق المالية وسوق التأمين .
هذه هى عينة من بعض القطاعات التى أفسدتها السياسات العامة ، وسوف نتعرض إليها تفصيلا بعد قليل .
أما مجالات الفساد لدى صغار المواطنين ومحدودي الدخل فهى تتنوع بدورها ، بحيث أصبحت تشكل تيارا عريضا من الممارسات وجزءا أساسيا مما يسمى ” الاقتصاد الخفى ” hidden economy أو دخول الظل shadow income أو الاقتصاد الموازى ، بحيث باتت تشمل الأنشطة التالية :
1- العمل على إبقاء النظام التعليمي الحكومى غير فعال لصالح نظام تعليمي غير رسمى أو السوق التعليمية السوداء black educational market ، سواء فى صورة الدروس الخصوصية أو انتشار المدارس الخاصة والاستثمارية والأجنبية وأخيرا ما يسمى ” مدارس التميز ” ، ولقد بلغ حجم الأموال المنفقة على الدروس الخصوصية وحدها – وفقا لتقرير مجلس الشورى المصرى عام 1994 – وحده حوالي 10 مليارات جنية تحملتها الأسر المصرية الفقيرة (11) وقد بلغت عام ( 2004 ) حوالى 18 مليار جنية خاصة بعد تقسيم مرحلة الثانوية العامة إلى سنتين دراسيتين بدلا من عام دراسي واحد (12).
2- عدم فاعلية نظام الأمن الرسمي لصالح نمو وتفشى نظام الأمن الرسمي لصالح نمو وتفشى نظام ” أمن غير رسمي ” أو مواز ، حيث لا تحرر أقسام الشرطة محاضر للمواطنين إلا بالوساطة ، ولا تجرى عمليات التحرى لكشف السرقات وضبط المتهمين إلا من خلال المحسوبية والرشاوى والإكراميات ، كل ذلك يتم على مرأى ومسمع من الجميع وداخل كل إدارات ومديريات الأمن .
3- يقاس نفس الأمر فى دوائر التقاضي والقضاء ، حيث تمثل ” الإكراميات ” أو الرشاوى الوسيلة الأساسية لتحريك إعلانات القضايا بالمحاكم ( قلم المحضرين ) وغيرها من تسلسل أعمال التقاضي ووسط أكثر من ثلاثة ملايين قضية يجرى النظر فيها سنويا أمام المحاكم المختلفة .
4- وفى المستشفيات العامة والحكومية والتي يتردد عليها حوالي 19 مليون مريض – وفقا لتقرير وزارة الصحة عام 2003 – فان تقديم الخدمة لهؤلاء لا تتم إلا من خلال الإكراميات والوساطة ، وبحسب الحالة الصحية وخطورة المرض .
5- موظفي الخدمات الحكومية الأخرى، خاصة المصالح الجمركية والضرائبية والخدمات الجماهيرية الأخرى ، حيث تقدم الإدارات الحكومية حوالي 627 خدمة متنوعة للجمهور ، فان تعاطى بعضهم ” للإكرامية ” أو العمولات ، خاصة فى المحليات – إجراءات منح تراخيص البناء أو رخص النشاط أو تعلية الأدوار فى المساكن .. الخ – كلها تتم بسبب تدنى الأجور والمرتبات لهؤلاء الموظفين ، مما أدى الى تركيز ” جبري للخطيئة ” وإجبار عشرات الآلاف منهم إلى قبول الرشوة والإكراميات ، حماية لأبنائهم وأسرهم من العوز والجوع .
وإذا كان أحد أقطاب الحزب الوطني الحاكم – زكريا عزمي – وعضو مجلس الشعب قد أعترف علنا وداخل جلسة مصورة لمجلس الشعب بأن الفساد ” للركب ” فى المحليات ، فان الحقيقة هى أن الفساد قد وصل الى العنق ، وليس فقط فى المحليات بل فى مصر كلها بسبب سياسات هذا النظام ، الذي ترك نظم الأجور والمرتبات بهذا المستوى اللا إنساني وكأنه يرغب فى إفساد غالبية أبناء الشعب حتى لا يتحدث أحد منهم عن فساد الحكام ورجال المال والأعمال .
رابعا : آليات الإفساد
برغم أن الفساد كان موجودا فى مصر قبل ثورة 23 يوليو عام 1952 وبعدها ، فأن الجديد منذ عام 1974 ، وفى عهد الرئيس حسنى مبارك تحديدا هو تحول الفساد من مجرد انحرافات شخصية آخذة فى الاتساع الى بنية مؤسسية متكاملة من خلال مجموعة من الآليات هى :
الآلية الأولى :
وجود سياسات ممنهجة لإفساد المؤسسات الأساسية فى المجتمع وأفرادها ( مثل مجلس الشعب ومجلس الشورى ، والمؤسسات الصحفية والإعلامية ، وأجهزة الأمن والمؤسسة القضائية وقيادات الجيش والنقابات العمالية والمهنية .. الخ .
الآلية الثانية :
وجود قواعد عرفية بين ” جماعات الفساد ” والمنخرطين فيها تلزم أعضاءها بالتزامات متبادلة ومناطق النفوذ .
الآلية الثالثة :
وجود خطوط اتصالات دائمة وواضحة بين هذه الجماعات وشاغلي قمة الهرم السياسي والتنفيذي سواء بصورة مباشرة أو عبر أقربائهم وأبنائهم ، وجميعه يجرى تحت يافطة ” تشجيع الاستثمار ” .
الآلية الرابعة :
استمرار سياسات الإفقار للطبقات المحدودة الدخل ، خاصة الموظفين (5.5 مليون إنسان ) والعمال وغيرهم ، بما يدفع الجميع الى تعاطى ” الإكراميات ” وهى النظير القانوني لمفهوم ” الرشوة ” .
الآلية الخامسة :
إفساد أجهزة الرقابة سواء كانت رقابة شعبية ( مثل الصحافة ) عبر توريط قياداتها وكوادرها الوسيطة فى ممارسات فساد ، أو أجهزة الرقابة الرسمية ( مثل الرقابة الإدارية ، ومباحث الأموال العامة .. الخ ) عبر صلات القرابة ونظم اختيار قياداتها وأعضاءها العاملين من خلال الوساطة والمحسوبية .
الآلية السادسة :
وسائل صياغة القوانين والقرارات الإدارية ( ما يسمى فى الفقه القانونى القوانين المشرعة والقوانين غير المشرعة ) بحيث تفتح ثغرة واسعة للفساد المحمى من الدولة خاصة فى القوانين الاقتصادية والضريبية وغيرها .
فكيف حدث هذا ؟
( 1 ) فلنبدأ بما جرى من محاولات إفساد المؤسسة التشريعية طوال العقود الثلاثة الأخيرة :
فتبدأ عمليات الإفساد هنا فى مرحلة مبكرة ، ربما قبل ” الانتخاب ” الصوري لهؤلاء الأعضاء وهى تتم على ثلاثة مراحل :
المرحلة الأولى :
تتمثل فى طريقة اختيار قوائم حزب السلطة ” الحزب الوطني ومن قبله حزب مصر العربي .. الخ ” حيث تتحدد معايير الاختيار بصورة يمتزج فيها كل السيئات مثل :
1- أن يكون المرشح للقائمة الرسمية للحزب من المقربين إلى قيادات الحكم أو الحزب ، أى غلبة الطابع الشخصي لا الكفاءة الموضوعية فى الاختيار .
2- أو أن يكون من كبار ” المتبرعين ” للحزب أو بعض قياداته المؤثرة ، بصرف النظر عن ماضيه غير المشرف أو الإجرامي أو حتى المشبوه مثل تجار المخدرات والمتهربين من الخدمة العسكرية أو البلطجة .. الخ .
3- أو أن يكون من قيادات أجهزة الأمن أو المخابرات العامة السابقين ، أو من المتعاملين معها ( أى جاسوس فى مجاله وقطاعه ) سواء كان فى تاريخه الطلابي أو العمالي أو الصحفي .. الخ .
المرحلة الثانية :
التدخل الإداري والبوليسي المباشر فى عملية التصويت والفرز ، سواء عبر التلاعب فى الجداول الانتخابية – وأنا شخصيا شاهد على قيام الحزب الوطني الحاكم فى دائرة مدينة نصر بالقاهرة بعمل آلاف البطاقات الانتخابية لكل موظفي المصالح الحكومية القاطنة فى هذه الدائرة حتى لو كانوا من غير سكانها وحدث مثلها فى كل الدوائر الموجود فيها مصالح حكومية وشركات القطاع العام - أو أثناء التصويت بما يؤكد مفهوما واحدا أمام الجميع وهو أن النجاح ودخول هذه المؤسسة التشريعية مرهونا برضاء الحكومة والنظام وقياداته ، ومن ثم فان ” ولاء ” العضو ينبغى أن يكون لرئيس النظام ثم إلى أمين عام الحزب ثم إلى أمين التنظيم وطباخ السم كله ، وليس هناك ولاء لأخر أو لقضايا عامة بل لأشخاص ، ومؤخرا دخل على خط الولاء شخص نجل رئيس الجمهورية .
المرحلة الثالثة :
بعد دخول الشخص إلى نادى ” عضوية مجلس الشعب ” أو الشورى ، تتم المرحلة الثالثة التي تطال أحيانا بعض أعضاء الأحزاب الأخرى سواء كانوا من المعارضة أو المستقلين ، وتتمثل فى ” إغداق ” الخدمات على العضو ورعاية طلباته الشخصية ووساطته وشمولها بعين العطف والقبول ، وفى حال تمرد هذا العضو على الحكومة والرئيس – كما هو حال عدد محدود جدا من شرفاء هذه المجالس – تبدأ عمليات الإنكار والعزل وتجاهل طلباته ، أى خنقه سياسيا .
وتبدأ عمليات الترغيب وشراء الولاء بوسائل شتى منها الحصص التموينية فى السلع الأساسية ( كالدقيق مثلا ) أو الموافقة على طلبات التعيين فى الوظائف الهامة لأبنائهم وأقربائهم أو بعض أبناء دوائرهم فى حدود معينة ، وتمر عبر أذونا من الحديد والأسمنت بأسعار ” مريحة ” يجرى بيعها بأسعار السوق وحصول العضو على عدة آلاف من الجنيهات عن كل أذن أو تصاريح الحج أو السفر والرحلات الى الخارج فى الوفود البرلمانية ، وكذا الحصول على قطع الأراضي فى المناطق الساحلية وغيرها بأسعار رمزية أو شقق سكنية أو فيلات فاخرة بأسعار زهيدة فى بعض القرى السياحية أو الشواطىء .. الخ .
وقد روى لى عضو مجلس الشعب عن دائرة الفيوم – السيد مصطفى عوض الله – أنه قد فوجىء بعد أن نجح فى الحصول على موافقة وزير التموين على زيادة حصة التموين لأحد المخابز بقدر خمسة جوالات ، بصاحب هذا المخبز يقدم إليه مبلغ خمسة آلاف جنية كهدية (رشوة ) مؤكدا له أن هناك عرفا سائدا منذ سنوات طويلة بين أصحاب المخابز وأعضاء مجلس الشعب تقضى بحصول العضو على ألف جنية مقابل حصوله على موافقة وزير التموين بزيادة الحصة ( جوال ) واحد من الدقي يوميا ..!! ونظرا لإصرار هذا العضو على رفض هذه الرشوة المقنعة ، وإصرار صاحب المخبز بدوره على دفع المبلغ العرفى _ الرشوة _ فقد طلب عضو مجلس الشعب من الرجل التوجه بها للتبرع إلى أحد المساجد بالمحافظة ..!!
إفساد أعضاء مجلس الشعب بقرار جمهوري ..!!
تنص المادة (95) من الدستور المصري الراهن على أنه ( لا يجوز لعضو مجلس الشعب أثناء مدة عضويته أن يشترى أو يستأجر شيئا من أموال الدولة أو أن يؤجرها أو يبيعها شيئا من أمواله أو أن يقاضيها عليه أو أن يبرم مع الدولة عقدا بوصفه ملتزما أو موردا أو مقاولا ).
والسؤال هل احترمت الحكومة والنظام الحاكم هذا النص الدستوري ؟ بالقطع كلا .
فقد بدأت بتحايل الرئيس السابق – أنور السادات – على هذا النص وعلى نصوص كثيرة مماثلة واردة فى قانون مجلس الشعب رقم (38) لسنة 1972 ، من خلال إصدار القرار الجمهوري بقانون رقم (109) لسنة 1976 ، وأدخل فيه تعديلات عديدة على المواد (28) و (30) و(34 مكرر1و2و3 ) ألتف بها على هذا النص حيث نصت المادة (28) من القرار الجمهوري المذكور بأنه ( لا يجوز أن يعين عضو مجلس الشعب فى وظائف الحكومة أو القطاع العام وما فى حكمها أو الشركات الأجنبية أثناء مدة عضويته ، ويبطل أى تعيين على خلاف ذلك ، إلا إذا كان التعيين نتيجة ترقية أو نقل من جهة إلى أخرى أو كان بحكم قضائي أو بناء على قانون )
لقد فتح تعبير ( إلا إذا ) عمل الشيطان كما يقولون ، وهى الصيغة التى استغلتها الحكومة – وعاطف عبيد تحديدا – من أجل إفساد العشرات من أعضاء مجلس الشعب وذلك بتعيينهم أعضاء مجال إدارة منتدبين فى شركات قطاع الأعمال العام الذي كان يجرى تفتته وبيعه ومشاركتهم فى مأدبة البيع والتصفية ؟!
أما المادة (30) المضافة بالقرار الجمهوري فقد نصت على ( يستخرج لكل عضو من أعضاء مجلس الشعب اشتراك للسفر بالدرجة الأولى الممتازة بسكك حديد جمهورية مصر العربية أو أحدى وسائل المواصلات العامة الأخرى أو الطائرات من الجهة التى يختارها فى دائرته الانتخابية الى القاهرة . وتبين لائحة المجلس التسهيلات الأخرى التى يقدمها المجلس لأعضائه لتمكينهم من مباشرة مسئولياتهم .. الخ ) .
وبهذه الفقرة البسيطة والبريئة فى شكلها أدخلت ثغرة إبليس إلى المجلس وأعضائه وتسابق رؤساء مجلس الشعب المتعاقبين على توسيع نطاق المزايا والتسهيلات حتى تحولت إلى فساد فى فساد ..!!
أما المادة (34 مكررو مكرر 1 ومكرر 2 ومكرر3 ومكرر4 ) فقد شملت طيفا واسعا من الفساد والإفساد ورسخت من هيمنة رئيس الجمهورية على أعضاء مجلس الشعب فتحولوا الى مجرد موظفين فى رئاسة الجمهورية !!
أنظروا مثلا نص المادة (34 مكرر) التي تقول ( يجوز إنشاء وظائف وكلاء وزارات لشئون مجلس الشعب ، ويعين وكيل الوزارة لشئون مجلس الشعب من بين أعضاء هذا المجلس بقرار من رئيس الجمهورية ، ويتضمن قرار التعيين إلحاقه بمجلس الوزراء أو بأحد القطاعات الوزارية أو بوزارة معينة أو أكثر .. الخ ) .
أى أن رئيس الجمهورية قد أمتلك منذ تلك اللحظة ميزة منح العطايا لهذا العضو أو ذاك ، أو منعها عن هذا العضو أو ذاك ، والمدهش فى الأمر أن أعضاء المجلس قد فرحوا بهذه الغنيمة ، دون أن يفكروا للحظة واحدة فى مضامينها السياسية وهيمنة السلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية تحديدا على أعمالهم ونشاطهم الرقابي !!
والأخطر من ذلك ما نصت عليه الفقرة الثالثة من هذه المادة حيث جاء فيها ( كما لا يجوز لوكيل الوزارة لشئون مجلس الشعب أثناء توليه منصبه أن يزاول مهنة حرة أو عملا تجاريا أو ماليا أو صناعيا أو أن يشغل أية وظيفة أخرى أو أن يشترى أو يستأجر شيئا من أموال الدولة أو أن يؤجرها أو يبيعها شيئا من أمواله أو أن يقايضها عليه ) .
وهكذا – وطبقا للقاعدة القانونية الشهيرة بأن الخاص يقيد العام – فقد حصر المشرع عملية حظر مزاولة مهنة حرة أو أن يشترى أو يستأجر شيئا من أموال الدولة ..الخ فى وكيل الوزارة لشئون مجلس الشعب وتركها طليقة من كل قيد لبقية الأعضاء ؟!
قد يرد البعض بأن هذا لا يسرى فى حال اختلاف المراتب القانونية للنص ( نص دستوري مقابل قرارا جمهوري بقانون ) بيد أن الواقع الفعلي وممارسة النظام والحكم وغالبية أعضاء المجلس المهللين لمثل هذه الثغرة الشيطانية قد وجدت غطاءا قانونيا للممارسة المخالفة والخرق للحظر الدستوري المطلق الوارد فى المادة (95) السابق الإشارة إليها ، وهو النموذج الذى تأسست عليها كل عمليات تحويل الفساد من مجرد انحرافات شخصية إلى مفهوم ” المأسسة institutionalism أى إيجاد غطاء من نص ” قانوني ” سواء فى لائحة أو قرار جمهوري وقع بليل ليغطى كل الجرائم اللاحقة .
وتحت هذا التحول انتقل عشرات من أعضاء مجلس الشعب من نجارين وعمال وفلاحين وموظفين ومهنيين إلى ديناصورات وذئاب فى عالم المال والأعمال ، كما قضت السياسات الحكومية بإغداق المزايا والإمتيازات على الكثيرين منهم – وليس أقلها الائتمان المصرفي وقروض البنوك – إلى ” كسر عينهم ” بالمعنى الحرفي لا المجازى للكلمة .
وهكذا تخلقت شبكة مصالح فاسدة بين قمة النظام والحكم ( رئيس الجمهورية ، رئيس الوزراء ، الوزراء ، المحافظين ..الخ ) من جهة وأعضاء هذا المجلس أو مجلس الشورى من جهة أخرى ، وعماد هذه الشبكة المصالح المتبادلة والصمت على أخطاء وخطايا هذا النظام سواء فى مجال السياسة الخارجية أو الداخلية ، ومن لم يساير هذا التيار الجارف من الفساد والإفساد – وهم قلة قليلة على أية حال – وجد نفسه معزولا بين أعضاء المجلس ، ومتهما من جماهير دائرته بأنه ( شريف ) فلم يحقق لأبناء الدائرة مصالحهم فى التعيينات بالوظائف أو إقامة مستشفى أو محطة مياه أو حتى رصف طريق ..الخ .
نحن فعلا إزاء جريمة عصر .. أضرت ضررا بليغا بمصر .
( 2 ) آليات إفساد أعضاء المؤسسة القضائية :
ظلت الهيئة القضائية المصرية عصية على الكسر أو الاحتواء لسنوات طويلة ، سواء قبل ثورة 23 يوليو عام 1952 أو بعدها .
وفى ظل الحديث حول ” الشرعية الدستورية ” بديلا عن ” الشرعية الثورية ” ، ارتدى السادات وشاح القضاء فى حركة مسرحية لا تخلو من العبث واللا معقول . وقد حاول الرئيس السادات الحفاظ على علاقة ودية مع السلطة القضائية المصرية فى سنوات حكمه الأولى ، حتى وقعت أحداث انتفاضة 18 و19 يناير عام 1977 ، وأكتشف الرجل بحاسته السياسية أن الهيئة القضائية المصرية لا تساير النظام والحكم فى توجهاته نحو توقيع أقصى العقوبات على المتهمين فى هذه القضية ، وجاءت أحكام محكمة أمن الدولة العليا فى القضية رقم 100 لسنة 1977 بمثابة لطمة قاسية وجهت الى النظام ، حيث جاءت حيثيات الحكم مؤكدة على مسئولية الحكومة وقراراتها الاقتصادية فى اندلاع أحداث الانتفاضة .
وبعدها اتبعت رئاسة الجمهورية والحكومة مجموعة من السياسات الجديدة بهدف اختراق المؤسسة القضائية واحتوائها ، وإذا أمكن الذهاب إلى حد الإفساد الصدى للهيئة القضائية ، وقد تمثلت هذه السياسات الحكومية فى أربعة أساليب متكاملة وهى :
الأسلوب الأول :
بدءا من عام 1979 جرى السماح – لأول مرة فى تاريخ القضاء – بالتحاق ضباط الشرطة بمختلف درجاتهم ورتبهم – دون رتبة المقدم – بسلك النيابة العامة وهى كما هو معروف أولى مراحل السلك القضائي ، وقد أدت هذه السياسة المستمرة طوال ربع قرن إلى انضمام نحو ثلاثة آلاف ضابط شرطة ومباحث الى سلك القضاء بما أصبح عددهم يعادل ربع العاملين فى هذه المؤسسة العريقة التى تميزت بالعقل القانوني المدنى ، فإذا بها الآن تطعم أو تخترق بعقل قانونى ذو طابع عسكري وشرطي – مارس الكثيرون منهم إن لم يكن جميعهم – وسائل الضرب وامتهان كرامة المواطنين .. فكيف لهؤلاء أن يعتدل ميزان العدل بين أيديهم ؟
الأسلوب الثانى :
مع تزايد أعداد خريجي كليات الحقوق سنويا ، ورغبة الكثيرين منهم فى الالتحاق بسلك القضاء ( النيابة العامة ) ، أو حتى الهيئات القضائية الأخرى – مثل مجلس الدولة أو النيابة الإدارية – فان إغراق المؤسسة القضائية وتوريط بعض أعضاءها فى ممارسات غير قانونية وغير أخلاقية من نوع الوساطة والمحسوبية فى تعيين أبنائهم وأقربائهم فى سلك النيابة العامة ، وبالمقابل إهدار حقوق بعض المتقدمين فى المسابقات الذين هم أكثر جدارة وكفاءة ، بل ولجوء بعض أعضاء الهيئات القضائية إلى دفع ” تبرعات ” – دون أن نقول رشي – لذوى النفوذ فى الحكومة والحزب الحاكم أو التنازل والقبول بعلاقة من نوع ما مع الحكومة وبعض قياداتها ، كل هذا كان بمثابة تدمير كامل لهيبة القضاة وأخلاقية هذه المؤسسة العريقة ، كما أن تورط بعض رجال القضاء فى ممارسات الوساطة والمحسوبية والتمييز بين المتقدمين فى المسابقات على أساس القرابة أو صلات الدم ، هو تلويث مباشر لهؤلاء بما يسمح فى المستقبل بابتزازهم من قبل رئاسة الجمهورية أو أعضاء الحكومة سواء فى قضايا تمس تلك القيادات ، أو رغبة الحكومة فى توجيه بعض الأحكام القضائية بما يخدم مصالحها السياسية ، ولعلنا نتذكر مواقف بعض القضاة من مصادرة جريدة “الأهالي “فى نهاية عهد الرئيس السادات ، أو فى إصدار أحكام بالحبس على الصحفيين فى عهد الرئيس حسنى مبارك.
الأسلوب الثالث :
يتمثل فى تهرب حكومات الرئيس مبارك من إصدار قانون بتعديلات السلطة القضائية التى أعدها القضاة منذ مؤتمر العدالة الأول عام 1986 ، بما يحفظ للقضاء المصري استقلاله ويصون كرامته .
وهذا التهرب الحكومي الذي أستمر زهاء ربع قرن كامل ، هو موقف سياسي تمليه رغبة نظام الرئيس مبارك فى الاستحواذ على أوراق التأثير المباشر أو غير المباشر على أعضاء الهيئة القضائية المصرية .
الأسلوب الرابع :
والتى تتمثل فى سياسات إعارة و ندب القضاة كمستشارين إلى الوزارات والهيئات والمصالح الحكومية ، والتى جعلتهم مجرد خبراء تحت طلب السلطة التنفيذية ، خاصة الوزراء ، مع إغداق مكافآت كبيرة شهريا على القضاة المنتدبين مما جعل من الصعب تخليهم عن هذه الوظائف الثانوية التى تحولت رويدا رويدا إلى ركيزة لضمان مستوى معيشة القاضى ، وكذلك سياسات الإعارة الخارجية أو الداخلية .
والحقيقة أنه برغم كل تلك الجهود والمحاولات والسياسات الحكومية التى أتبعت من أجل احتواء السلطة القضائية والسيطرة على أعضائها ، فإن الميراث العريق لهذه الهيئة وطبيعة التركيبة القانونية لعقلها المهني قد حال دون نجاح مجمل هذه السياسات الحكومية ، فظل التيار الرئيسي للهيئة القضائية المصرية نظيفا ومستقلا ، وهو ما يظهر جليا فى الأسابيع الحافلة والساخنة طوال شهور ( مايو – سبتمبر ) عام 2005 فيما سمي ” انتفاضة القضاة ” أو حركة 14 مارس التى قادها قضاة نادى قضاة الإسكندرية ، ثم نادى قضاة مصر بالقاهرة ، واستجمعت حولها أكثر من أربعة آلاف قاضى من أجل المطالبة بإصدار قانون ” استقلال القضاء “وتمكين القضاة من الأشراف الحقيقي والكامل على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة وغيرها من مطالب الإصلاح القانوني التى تصب فى مجرى المطالب الشعبية الواسعة للإصلاح السياسي والديموقراطي فى البلاد (13) .
والآن ما هو الحجم التقديري للاقتصاد الخفي والأموال السوداء فى الاقتصاد المصري خلال الربع قرن الماضي ؟




ثورة أم لا ؟




المدير العام
عضو ممتاز
عضو ممتاز



.....
الباحث عن الحقيقة

.....


****************************


---------------------------------------


----------------------------------------
عدد الرسائل : 4202
العمر : 57
العمل : باحث وكاتب في العلوم ومقارنة الآديان
تاريخ التسجيل : 13/08/2008

http://science.creaforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى