منتديات العلم والعلماء والمخترعين والمبتكرين ....

ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر.. تبديد أرصدة القوة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر.. تبديد أرصدة القوة

مُساهمة من طرف المدير العام في الأحد فبراير 13, 2011 1:44 pm

مركز الجزيرة للدراسات - قسم البحوث والدراسات

محرر الملف: محمد عبد العاطي

فاتحة

رفيق عبد السلام، رئيس قسم البحوث والدراسات




يقدم مركز الجزيرة للدراسات هذا الملف البحثي حول مصر، ليغطي حقولا بحثية متنوعة تتراوح بين الاجتماع والسياسة والثقافة والاقتصاد والعلاقات الخارجية، فيتيح للقارئ العربي عامة، والمصري خاصة، مادة متميزة تساعد على فهم ما يجري اليوم في عموم مصر من فوران ثوري في القاهرة وغيرها من المدن والقرى المصرية الأخرى.

إن عملية التغيير التي انطلقت شرارتها الأولى في الجناح الغربي للعالم العربي من تونس الصغيرة، تتحرك اليوم باتجاه المركز الأكبر في العالم العربي. ولا شك أن ما يجري في هذا القطر العربي الكبير لا بد أن يترك بصماته القادمة في عموم الرقعة العربية، وما هو أبعد من ذلك. فمصر تظل في قلب السياسة والإستراتيجيات الكبرى التي تتصارع على المنطقة، وكما أن جمود مصر وتراجع دورها قد أصاب عموم الجسم العربي بالشلل وفقدان الوزن، فكذلك سيكون لإطلاق عوامل التغيير في هذا البلد العربي الكبير ارتدادات واضحة في عموم الجسم العربي مشرقا ومغربا.

وقد أشرف على الملف الزميل الباحث محمد عبد العاطي، وشارك فيه نخبة من الباحثين والخبراء المصريين.

مقدمة

لماذا ثار ملايين المصريين في عموم المدن المصرية على نظام حكم الرئيس حسني مبارك؟ ولماذا تراكم كل هذا الغضب حتى انفجر يوم الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011؟

يحاول هذا الملف الإجابة عن هذا التساؤل من خلال القراءة المعمقة للسياسات التي اتبعها نظام حكم الرئيس مبارك (1981-2011) وانعكاس هذه السياسات على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المصري وكذلك تداعياتها على قوة الدولة ودورها في المحيط الإقليمي والفضاء الدولي.

وكان مركز الجزيرة للدراسات قد توقع قبل أكثر من ستة أشهر أن "حدثا جللا ما" ينتظر مصر، وأن البلاد مقبلة على "تغيير"، فقرر آنذاك البدء في إعداد ملف بحثي خاص يقرأ الواقع المصري بعمق، ويتنبأ بمآلات الأمور، فاستكتب لهذا الغرض 20 باحثا من أبرز الخبراء المصريين في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبعد الانتهاء من هذه الدراسات وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2010 نشر المركز سبعا فقط منها، ووعد القراء بنشر البقية عقب صدور الملف في كتاب، لكن نظرا لتطورات الأحداث في مصر حاليا فإن المركز ينشر كل دراسات الملف تباعا حتى تعظم الفائدة.

وقبل نحو شهرين من اندلاع هذه الثورة الشعبية وفي معرض تقديم الخلاصة التي توصلت إليها دراسات الملف كُتب آنذاك أن الأمور في مصر وصلت إلى درجة باتت معها الحاجة ماسة إلى "تغيير جذري وشامل في بنية نظام الحكم"، وأنه لم يعد مجديا حل المشكلات الخطيرة التي تعصف بمصر، الدولة والمجتمع، بمنهج "الترقيع"، وأن نظام حكم الرئيس مبارك، سواء بقي هو في السلطة أو خلفه أحد من داخل النظام، سوف يشهد "عدم استقرار"، نظرا لعدم قدرة المجتمع على تحمل تداعيات العلاقة الشوهاء بين الثالوث الذي ميز نظام الرئيس حسني مبارك والمتمثل في (الأمن والسلطة والثروة)، مع الاستمرار بإقصاء كل القوى والتيارات السياسية الأخرى. وقد جاءت المظاهرات المليونية التي تشهدها مصر حاليا وتطالب بإسقاط النظام مؤيدة لهذه النتيجة.

ملخص

يقدم هذا الملخص نبذة سريعة عن دراسات الملف، فيستعرض في كل واحدة منها الفكرة الرئيسة التي تعالجها وأبرز ما خلصت إليه. وهو ملخص لا يغني بحال عن الاطلاع على الأصل.


عدل سابقا من قبل المدير العام في الأحد فبراير 13, 2011 2:02 pm عدل 1 مرات




ثورة أم لا ؟




المدير العام
عضو ممتاز
عضو ممتاز



.....
الباحث عن الحقيقة

.....


****************************


---------------------------------------


----------------------------------------
عدد الرسائل: 4201
العمر: 55
العمل: باحث وكاتب في العلوم ومقارنة الآديان
تاريخ التسجيل: 12/08/2008

http://science.creaforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر.. تبديد أرصدة القوة

مُساهمة من طرف المدير العام في الأحد فبراير 13, 2011 1:45 pm


محمد عبد العاطي

اجتهدت الدراسات التي حواها هذا الملف في تقديم قراءة معمقة للواقع المصري في أهم مناحيه السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ وذلك بغية تكوين رؤية تعين على الإجابة على التساؤل التالي: أين تقف مصر الآن؟ وإلى أين تسير؟

وترجع أهمية هذا التساؤل إلى الاهتمام الذي يوليه القارئ العربي لهذا البلد الكبير، ورغبته المعرفية في إيجاد تفسير جاد لأسباب تراجع الدور المصري وتداعياته على المحيط العربي والإقليمي.

وقد خلص الملف إلى أن حالة الضعف التي تعيشها مصر الآن مقارنة بما كانت عليه في فترات كثيرة من تاريخها، لعل آخرها إبان عهد محمد علي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وخلال فترة حكم جمال عبد الناصر في العقدين الخامس والسادس من القرن العشرين، ترجع إلى مجموعة من العوامل، بعضها متعلق بطبيعة النظام السياسي وإفرازاته السياسية والاقتصادية، وبعضها الآخر متعلق بالبيئة الثقافية ومنظومة القيم السائدة حاليا في المجتمع وتأثيرها على شخصية الإنسان المصري وسلوكياته وعلاقاته الاجتماعية.

ويخرج القارئ لهذه المجموعة من العوامل والأسباب التي استعرضتها دراسات الملف بتصور عام مفاده أن مصر هي في أمسِّ الحاجة حاليا إلى "تغيير جذري" يعيد تأسيس نظام سياسي جديد على أسس وقواعد مختلفة عن تلك التي قامت عليها طيلة الستين عاما الماضية، وبغير ذلك فإن الأمور مرشحة لمزيد من التدهور؛ مما سيكون له تداعيات أشد خطورة على المستوى الداخلي والخارجي.

وقد حرص هذا الملف على أن يشارك بالكتابة فيه نخبة من الكتاب والباحثين المصريين من مختلف التوجهات الفكرية، وكان المعيار الأساسي الحاكم في اختيار هؤلاء هو جدية الطرح ورصانة العرض والالتزام قدر المستطاع بأسس وقواعد البحث المتعارف عليها.

وفيما يلي تلخيص مكثف لبعض ما ورد في هذه الدراسات، وهو تلخيص لا يغني عن قراءة الأصل حتى تكتمل الفكرة التي أراد الكاتب إيصالها.

مدخل تمهيدي: مصر.. الدولة والمجتمع
عاطف معتمد عبد الحميد، أستاذ مساعد الجغرافيا السياسية بجامعة القاهرة

يستهل الملف أوراقه البحثية بمدخل تمهيدي، كان الهدف منه إعطاء القارئ -خاصة غير المصري- خلفية معرفية مكثفة تساعده على الإلمام العام بهذا البلد، من ناحية التاريخ والجغرافيا والسكان. وتخلص هذه الدراسة إلى أن مصر تمتلك مقومات القوة الإقليمية الصاعدة لو أُحسن استغلالها، سواء من ناحية عدد السكان أو الإرث التاريخي والإسهام الحضاري، أو الموارد والإمكانات والقدرات. لكن الأمر –كما تشير الدراسة- منوط بعاملين، الأول: أن "يصح العزم، وتمتلك مصر إرادتها، وتنتقل من عصر التوريث والبرجوازية الصدئة والرأسمالية الزائفة إلى عصر تنعم فيه بحكومة وطنية ذات مشروع قومي. والثاني: حين يتخلص المصريون أنفسهم من ثلاثية الهلاك المتمثلة في التناقض وهوان النفس وضعف المبادرة".1

أزمة النظام السياسي المصري: العلاقة بين السلطات ومعضلة الشرعية السياسية
حسنين توفيق إبراهيم، أستاذ العلوم السياسية بجامعتي القاهرة وزايد

تحاول هذه الدراسة التعمق في فهم طبيعة النظام السياسي المصري، وتتساءل عما إذا كان هناك تداخل بين السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، وأثر ذلك –إن وُجد- على الحياة السياسية المصرية. وتخلص إلى أن النظام السياسي المصري يعيش أزمة بنيوية تتمثل تجلياتها في غياب التوازن بين هذه السلطات، وذلك بسبب هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية وتغولها على السلطة القضائية. هذه الحالة التي وصفَّتها الدراسة أفرزت العديد من الأزمات في المجالات الاجتماعية والاقتصادية وذلك للمكانة المركزية التي يمثلها النظام السياسي في مصر باعتباره المحدد للسياسات العامة التي تنتهجها الدولة، والمُرتِّب للأولويات والاختيارات، والمعبئ للموارد والطاقات. وقد تسببت هذه الأزمة البنوية أيضا –كما تشير الدراسة- في انتشار الفساد السياسي والإداري على نطاق واسع، وتراجع هيبة الدولة، وتآكل سيادة القانون.2

الجهاز الإداري للدولة المصرية.. عرض مقتضى الحال وتصور للمآل
عطيه حسين أفندي، أستاذ الإدارة العامة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة

تستعرض هذه الدراسة أسباب ما وصفته بترهل الجهاز الإداري للدولة المصرية، وتبحث في العوامل التي أضعفت كفاءته وقللت فعاليته خاصة فيما يتعلق -كما يقول الكاتب- بقدرته على تلبية احتياجات المواطنين لا سيما في الوزارات والهيئات والمصالح المرتبطة بالخدمات كأمن المجتمع والتعليم والصحة والإسكان. وتؤكد الدراسة على أن من أسباب ذلك "الترهل" إحساس القائمين على الجهاز الإداري –نظرا لغياب العمل السياسي المعبر عن الجماهير- بأنهم ليسوا في حاجة إلى الحصول على الرضاء العام من هذا الجمهور.3 وتشير الدراسة إلى أهمية العمل لرفع كفاءة هذا الجهاز بطريقة تشمل كل عناصر المنظومة الإدارية وليس"بأسلوب ترقيعي" يجعل من الحديث عن أهمية "هز الجهاز الحكومي" وتحقيق "الثورة الإدارية" كلاما ينقصه الفعل.4

السلطة والثروة والعلاقة الشوهاء.. كيف تحول الفساد إلى بنية مؤسسية في مصر؟
عبد الخالق فاروق، خبير اقتصادي وباحث في قضايا الفساد

تتبع هذه الدراسة جذور العلاقة بين السلطة والثروة، وهي علاقة وسمت نظام حكم الرئيس حسني مبارك خاصة في العشرية الأخيرة. والمقصود بها أن كبار رجال المال والأعمال في مصر امتد نشاطهم واتسع تأثيرهم ونفوذهم حتى وصلوا إلى صلب النظام السياسي، وبات بمقدورهم التحكم في السياسات وتوجيه القرارات، وهو أمر كانت له تداعيات كثيرة، أبرزها تمثل في شيوع الفساد حتى أصبح ظاهرة مجتمعية خطيرة. وهنا تقدر الدراسة حجم ما تخسره مصر بسبب الفساد بـ 35% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو ما جلعها تحتل المرتبة 98 في تقرير منظمة الشفافية الدولية الصادر في أكتوبر 2010. وتؤكد الدراسة على أن الفساد الحالي في مصر تحول من مجرد انحرافات فردية كما كان يحدث قبل ثورة 1952 وطوال عهدي عبد الناصر والسادات، إلى "بنية مؤسسية متكاملة تتحرك من خلال مجموعة من الآليات تسببت في شيوع الفساد في العديد من المؤسسات الأساسية في المجتمع".5

المعارضة الحزبية في مصر: اختلالات البناء وضعف الأداء
وحيد عبد المجيد، مستشار في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

تخلص هذه الدراسة إلى أن أحزاب المعارضة المصرية ضعيفة وهشة وقليلة الفاعلية والتأثير، وترجع أسباب ذلك إلى القيود السياسية والأمنية التي فُرِضت عليها من قبل النظام، وإلى "الاختلالات الجوهرية في بناء هذه الأحزاب وطريقة تسييرها".6 وتفسر الدراسة ذلك بقولها: إن مصر بعد ثورة 1952 شهدت تدميرا لمقومات التعددية؛ وهو ما أدى إلى ضعف تكوين النخبة السياسية والثقافية، وقد كان لهذه الحالة بالغ الأثر حينما انتقلت مصر إلى التعددية الحزبية المقيدة في منتصف السبعينيات من القرن العشرين؛ حيث تبين أن هذه النخب أضعف من أن تحمل على كاهلها أعباء بناء نظام تعددي قادر على النمو والتطور؛ ولذلك-تضيف الدراسة- فإن بعض هذه النخب ذهب بعيدا في مساومات غير مجدية مع نظام الحكم، وتخبط بعضها الآخر بين المواجهة والمهادنة، وقنعت كلها في النهاية بدور "كومبارس"-على حد وصف الباحث-، وبدت هذه النخب عاجزة عن المبادرة والفعل المؤثر، وأسيرة ردود فعل غلب عليها الطابع العشوائي.7

قوى الحراك السياسي الجديد في مصر.. وليد في طور النمو
عمرو الشوبكي، خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

تتبع هذه الدراسة نشأة قوى الحراك السياسي الجديدة في مصر مثل حركة كفاية والجمعية الوطنية للتغيير وشباب 6 أبريل...، توحاول تقييم أدائها ومعرفة الأسباب التي جعلتها غير مؤثرة في المشهد السياسي بالقدر المنشود حتى الآن. وترجع الدارسة بعض أسباب ذلك التعثر إلى القيود السياسية والأمنية المفروضة عليها في ظل حالة الطوارئ التي تعيشها مصر منذ بدايات حكم الرئيس حسني مبارك والتي ألجأتها إلى الاعتماد كثيرا على الفضاء الإلكتروني عوضا عن التواجد الجماهيري، كما ترجعها إلى بعض الخلافات بين قيادات هذه الحركات، وإلى ما أسمته حالة التصحر السياسي والثقافي التي أصابت المجتمع المصري.8

مبارك والإخوان.. خبرة الثلاثين عاما

خليل العناني، باحث في سوسيولوجيا الإسلام والحركات الدينية، ومحاضر في جامعة "دورهام" البريطانية

تخلص هذه الدراسة إلى أن حال جماعة الإخوان المسلمين من حيث قدرتها على إجبار النظام على إحداث الإصلاح أو التغيير السياسي المطلوب لا يختلف كثيرا عن مثيلاتها من قوى المعارضة الأخرى. وتُرجِع الدراسة أسباب ذلك إلى أن نظام الرئيس حسني مبارك قد نجح فى "تهذيب السلوك السياسي للجماعة، وتحديد سقفها وطموحها ودفعها للتعايش مع الأمر الواقع والرضا بما هو قائم حتى أصبح الهدف الأساسي لهذه الجماعة هو البقاء (فقط) كتنظيم اجتماعي تعبوي متماسك يلبي احتياجات أعضائه ويمتص حماستهم".9 وتشير الدراسة إلى أن العلاقة بين النظام والجماعة في مصر وصلت فى النهاية إلى حد "التوظيف المتبادل"، بمعنى أن النظام "يوّظف الإخوان من أجل تحقيق مكاسب عديدة ليس أقلها الإبقاء على حالة الجمود السياسي داخليًا، وتخويف القوى الدولية من صعود الإخوان خارجيًا. في حين تبدو الجماعة مستفيدة من بقاء الأوضاع على ما هي عليه ما دامت قواعدها موجودة ومكاتبها الإدارية تعمل.10

وعن مآلات الإخوان كقوة سياسية فاعلة تؤكد الدراسة أن ذلك يظل مرتبطًا بقدرة الجماعة على تطوير خطابها السياسي كي يصبح أكثر انفتاحًا وديمقراطية. لكن الدراسة تؤكد أن ذلك أمر صعب لأنه يتطلب أن تعيد الجماعة النظر فى مشروعها الفكري برمته وهو ما يصعب التنبؤ به -كما يقول الكاتب- فى ظل عملية الإقصاء المستمرة للعناصر الإصلاحية داخل الجماعة، وتخلص إلى أنه ربما لن تضمُر حركة "الإخوان المسلمين" تنظيميًا أو حركيًا، على الأقل فى المدى المنظور، بيد أنها "بلا شك فقدت زمام المبادرة السياسية، ولم تعد قادرة على فرض نفسها كبديل مقنع للنظام المصري، وهو ما قد يمثل خطرًا وجوديًا على المشروع الإخواني ذاته ما لم يتم الالتفات للنقاط السابقة".11

العلاقة بين نظام حكم الرئيس مبارك والأقباط.. أسباب التوتر وبواعث القلق
كمال زاخر موسى، باحث متخصص في الشؤون القبطية

تناقش هذه الدراسة العلاقة المتوترة بين نظام حكم الرئيس مبارك والأقباط منذ السبعينيات حتى الآن، وترصد أسباب هذا التوتر، وتعتبر أن هذا التوتر أدى إلى تعاظم دور الكنيسة، وتخلص إلى أن هذه العلاقة المتوترة لم تجد في المقابل من يتعامل معها بالجدية التي تستحق، وأن المشكلة القبطية مرشحة لمزيد من التصعيد نظرا لدخول لاعبين جدد فى ملعب الأحداث لتحقيق أجندات خاصة بهم إن محليًا أو إقليميًا أو دوليًا، ويساعد أيضا على هذا التصعيد ثورة الاتصالات والانفتاح الإعلامي، والإصرار على التناول السطحي للأزمات المزمنة والمستحدثة بين الطرفين، وغياب الرؤية الإستراتيجية عن الساحة، والافتقار لفكر موضوعي لإدارة الأزمات.12

المتغيرات المسؤولة عن ضعف بناء الثقافة ومنظومات القيم في مصر عبر العقود الثلاثة الأخيرة
علي ليلة، أستاذ النظرية الإجتماعية بكلية الآداب، جامعة عين شمس

تسلط هذه الدراسة الضوء على عامل آخر من العوامل التي أوهنت مصر في العقود الثلاثة الأخيرة، وهو ضعف منظومة القيم في المجتمع المصري، وهو أمر أدى إلى أن يفقد هذا المجتمع شيئا من حصانته الداخلية ومناعته الذاتية. وتستعرض الدراسة مظاهر ذلك الضعف وتنقب في أسبابه وتخلص إلى أن "الإنهيار الثقافي الذى أصاب المجتمع المصري، قد أصاب أخلاقه (أيضا) فى مقتل".13 وترجع ذلك إلى مجموعة من العوامل، منها: الفساد، وزيادة الضغوط الاقتصادية، وتردي الخدمات الذي ساعد على توليد حالة من العدوانية الطافية في فضاء المجتمع، و"استرخاء القانون"، وزيادة نسب تعاطي وإدمان المخدرات، إضافة إلى فاعلية العوامل الخارجية التي صدرت عن قوى العولمة بالأساس، كتأثير الفضائيات وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات على الأخلاق العامة للمجتمع، بحيث ساعد كل ذلك –كما تخلص الدراسة- فى اتساع مساحات الثقافات الفرعية المنحرفة التي لعبت دورها فى تآكل الأخلاق العامة للمجتمع.14

الاقتصاد المصري ومعضلة الفقر والتهميش كمحصلة للسياسات الاقتصادية العامة
أحمد السيد النجار، خبير اقتصادي، ورئيس الوحدة الاقتصادية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام

تشخص هذه الدراسة الملامح الرئيسة للسياسات الاقتصادية لنظام الرئيس حسني مبارك، وتشير إلى أن هذه السياسات تأسست على رؤية قوامها تقليص دور الدولة؛ مما أدى إلى خروجها من عمليات الاستثمار المباشر فى الصناعة والزراعة، والاكتفاء بتطوير البنية الأساسية وتحرير سعر وسوق الصرف وخصخصة القطاع العام. وتؤكد الدراسة على أن المستشف من سلوك النظام، خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة، هو أن السياسات الاقتصادية التي تبناها موجهة لخدمة الطبقة الرأسمالية الكبيرة، المحلية والأجنبية، على حساب الطبقتين الوسطى والفقيرة، وهو ما يمكن إدراكه -كما تسهب فيه الدراسة- من قراءة تحليلية ونقدية لقوانين الضرائب وحماية المنافسة ومنع الاحتكار وسياسات التشغيل والأجور وتوزيع الدخل والخصخصة.15


القوة الناعمة: أزمة النظام القوي والدولة الضعيفة في مصر
هبة رؤوف، مدرس العلوم السياسية بجامعة القاهرة

تستعرض هذه الدراسة حالة القوة الناعمة لمصر وما لحق بها من تغيرات خلال السنوات الثلاثين الماضية، وتخلص إلى أن قوة مصر الناعمة قد تآكلت إلى حد كبير لأن هذه القوة يفترض أن ترتكز على قوة مدنية تشترط مساحة من الحرية والديمقراطية والمشاركة في صنع القرار الإستراتيجي، وتستند لخيارات في تخصيص الموارد بما يحفظ للقطاعات المختلفة في الدولة قوة تستطيع أن تستثمر بعضها في المجال الخارجي – الإقليمي والدولي، وتشترط حنكة سياسية تميز بين الخصومة السياسية والإمكانية والمكانة الوطنية للخصوم، وكلها عناصر تؤكد الدراسة أن مصر "فقدتها عبر العقود، وتحتاج لأن تعيد ترتيب أوراقها وتشحذ همتها من أجل استعادة ما تم إهداره واسترداد ما تم تبديده".16

أسس ومرتكزات السياسية الخارجية المصرية في عهد مبارك.. معطيات التاريخ وحقائق الجغرافيا
حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

بعد تحليل الواقع المصري بأبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومعرفة كيف أضحت مصر -نتيجة لتراكمات عوامل الضعف السابق ذكرها- بلدا مأزوما، تقعده مشكلاته الداخلية وتفت في عضده، ينتقل الملف إلى التنقيب عن تداعيات ذلك على دور مصر العربي ومكانتها الإقليمية والدولية.

تستعرض دراسة أسس ومرتكزات السياسة الخارجية المصرية مدى كفاءة وفعالية الدبلوماسية المصرية في تمتين العلاقات والروابط الخارجية لمواجهة التحديات التي تواجه مصر وعلى رأسها تحدي الأمن المائي مع دول حوض النيل، والتهديد النووي القادم من إسرائيل، وتحدي التنمية وما يتطلبه من تحسين العلاقات مع الدول العربية، وتنتهي الدراسة إلى أن هذه الكفاءة لم تكن بالقدر المطلوب. وتخلص إلى أن استمرار سياسة مصر الخارجية على ما هي عليه لن يؤدي إلا إلى زيادة التحديات خطورة وتعقيدا, وتلمح إلى أنه "ما لم تتوافر لقيادتها السياسية إرادة حقيقية لمواجهة هذه التحديات، والخروج عن الطوق الأميركي فسوف يستمر تدهور دور ووضع ومكانة مصر في النظامين الإقليمي والعربي".17

كما تؤكد الدراسة على أنه حين تتوفر للقيادة المصرية الإرادة السياسية فسوف تظهر الحاجة الماسة لتغيير بوصلة سياسة مصر الخارجية انطلاقا من الأسس التالية:

التعامل مع إسرائيل باعتبارها مصدر التهديد الرئيسي على أمن مصر وأمن العالم.
إعادة ترتيب البيت العربي على أسس جديدة، والسعي لبناء توافق عربي حول صيغة للتكامل تحقق منافع متبادلة لكافة الدول العربية ويكسب منها الجميع.
فتح صفحة جديدة في العلافات مع إيران تبدأ بإعادة العلاقات على مستوى السفراء, ودعم علاقات التعاون مع تركيا, وتمهيد الطريق لحوار عربي-تركي-إيراني يستهدف البحث عن حلول إقليمية متوازنة لمشكلات الأمن في المنطقة.18
العلاقات المصرية السودانية بين التوجهات السياسية والمصالح الإستراتيجية
"
مصر هي في أمسِّ الحاجة حاليا إلى "تغيير جذري" يعيد تأسيس نظام سياسي جديد على أسس وقواعد مختلفة عن تلك التي قامت عليها طيلة الستين عاما الماضية، وبغير ذلك فإن الأمور مرشحة لمزيد من التدهور؛ مما سيكون له تداعيات أشد خطورة على المستوى الداخلي والخارجي

"
هانئ رسلان، رئيس وحدة دراسات السودان ودول حوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

تشير هذه الدراسة إلى أن انفصال جنوب السودان-وهو الأمر الأرجح-، سوف يؤدي بالضرورة إلى إعادة صياغة التوازنات الإستراتيجية في المنطقة الممتدة من الحدود الشمالية للسودان مع مصر وليبيا وصولا الى منطقتي البحيرات العظمى من ناحية ومنطقة القرن الأفريقي من الناحية الأخرى، وهي مناطق مهمة بالنسبة لمصر وارتباطها الوثيق بقضايا مياه النيل وأمن البحر الاحمر وتأمين قناة السويس. كما سيؤثر انفصال الجنوب السوداني أيضا بشكل سلبى على الأمن المباشر لمصر على حدودها الجنوبية ودورها ومكانتها فى الإقليم، وسوف ينقل قضية حاجة مصر إلى المياه إلى مرحلة جديدة تحتاج إلى إستراتيجيات مختلفة للتكيف مع الأوضاع المستجدة. وتوضح الدراسة أنه "في ظل الأوضاع الحالية فإن عملية إعادة صياغة الخريطة السياسية في تلك المنطقة قد تتم خصما من مكانة مصر وقدرتها على التأثير والتدخل لحماية مصالحها الحيوية، لصالح قوى وأطراف إقليمية ودولية أخرى ذات تواجد فعلي فى هذه المناطق وتسعى بقوة لتوسيع نفوذها".19

وتخلص الدراسة إلى أن السياسة المصرية الحالية نحو السودان تبدو غير متناسبة مع الثقل المفترض لمصر وضخامة مصالحها من ناحية، والظروف والتعقيدات التى يواجهها السودان من ناحية أخرى، وتستدل على هذه النتيجة بعدة دلائل منها أن "المواقف المصرية تراوح في تحركاتها بطريقة قد تصلح للتعامل مع أوضاع مستقرة وليس مع مثل هذه التفاعلات الهائلة التي تهدف إلى الفك والتركيب؛ حيث تظهر الحاجة الماسة إلى رؤية جديدة متكاملة تنظر إلى ما يجري، وتعيد تعريف المصالح المصرية في السودان، وتسعى إلى تحقيقها بالوسائل والسياسات المطلوبة".20

مصر ودول حوض النيل.. الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات
نادر نور الدين، أستاذ المياه والتربة بكلية الزراعة جامعة القاهرة

تستعرض هذه الدراسة الصعوبات التي تواجه مصر في موضوع مياه نهر النيل وبخاصة في ما يتعلق بمطالبة دول المنابع بإعادة توزيع حصص مياه النهر وفقا لما تعتقده بأنه التوزيع العادل للمياه بعيدا عن الاتفاقيات التي وُقِّعت في عهود سابقة لا تعترف بها النظم الحالية، والتي ترى أن سيطرة دولتي المصب، مصر والسودان، على 90% من المياه الجارية بالنهر مقابل 10% فقط لدول المنابع السبع فيه ظلم كبير يحتاج إلى إعادة نظر. ولم تكتف الدراسة باستعراض مهددات مياه النيل في أبعادها الخارجية فقط وإنما ألقت كذلك الضوء عى ما يشهده هذا النهر داخل الأراضي المصرية من تلوث ناجم عن مخلفات الصرف الصحي والصناعي والزراعي والذي أدى إلى انتشار العديد من الأمراض. وتدعوا الدراسة في النهاية إلى أن يكون تعامل النظام المصري مع تلك المشكلات والتحديات على قدر ما تمثله من تهديد.

العلاقات المصرية – الإيرانية بعد ثلاثة عقود من حكم مبارك.. البحث عن مسار مختلف
محمد السعيد إدريس، رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية، رئيس تحرير مجلة "مختارات إيرانية"، بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

تشير هذه الدراسة إلى أن إدارة مصر للعلاقات مع إيران على مدى الأعوام الثلاثين الماضية كانت محصلة لنوعين من العوامل، الأول: ما يمكن اعتباره عوامل خارجية إقليمية ودولية مفروضة، والثاني: عوامل ذاتية خاصة بنظامي الحكم فى القاهرة وطهران، ومن ثَمَّ فإن أي تغير يمكن أن يحدث فى أي من هذين النوعين من العوامل سوف ينعكس حتمًا على العلاقات بينهما سواء في شكل تراجع التوتر والاتجاه نحو تحسين العلاقات أو في شكل الاستمرار في التوتر وربما التصعيد إلى درجة الصراع، وإن كان مثل هذا التصعيد يبدو مستبعدًا كما تؤكد الدراسة.21

وبعد استعراض الدراسة المحطات المهمة في العلاقات الثنائية بين البلدين تخلص إلى أن ابتعاد القاهرة عن الدور القيادي للنظام الإقليمي العربي جعل "نظام الرئيس حسني مبارك يتعامل مع إيران من منظور مصالحه الضيقة وتحالفاته وقضاياه الأساسية، وهي: التحالف مع أميركا للحصول على الدعم الاقتصادي. السلام مع إسرائيل لتأمين مصر من أي انجرار نحو حرب جديدة، والأمن الداخلي للنظام ضد كل القوى الطامحة في الوصول إلى السلطة وخاصة التيارات الإسلامية".22

وتؤكد الدراسة أن النظام المصري لو تعامل مع إيران من منظور كونه قيادة قومية عربية لأمكنه الوعي بقواعد معادلة أخرى جديدة تفرض عليه أن يتعامل مع طهران كقوة حليفة في ظل معادلات توازن القوى الإقليمية وخاصة مع بروز الدورين الإيراني والتركي، والوجود القوي للكيان الصهيوني، وتشتت القوة العربية بين العديد من الدول العربية المتنافسة في ظل غياب المشروع القومي الموحد للأمة العربية وغياب القيادة القومية.23

العلاقات المصرية – الأميركية.. كيف يصحح الخلل ويتحقق التوازن؟
منار الشوربجي، أستاذ مساعد العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة

تخلص هذه الدراسة إلى أن العلاقات المصرية الأميركية انطوت على تناقض داخلي دائم؛ إذ يُفترض نظريا أن يكون من مصلحة واشنطن ألا تكون مصر ضعيفة حتى تستفيد من دورها ونفوذها الإقليمي، لكن وجود إسرائيل في صلب معادلة العلاقات المصرية الأميركية معناه في أحيان كثيرة أن تكون المصلحة هى تحجيم دور مصر وليس العكس، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى الإضرار بمصالح مصر بل وأحيانا بمصالح أميركا نفسها كما بدأت الأخيرة تدرك ذلك مؤخرا. من هنا –كما تستطرد الدراسة- فإن كل مسارات العلاقات المصرية الأميركية لم تكن أبدا ملك الطرفين الأميركي والمصري، وإنما ظلت دوما رهنا لرغبات إسرائيل ومصالحها، بل صارت إسرائيل قادرة على توتير علاقة أميركا بمصر أو تقويتها حسب مصلحتها في كل فترة زمنية. بعبارة أخرى، فإن تحسن العلاقة مع أميركا ليس فى الحقيقة في يد مصر وأميركا وإنما فى يد مصر في جانب وأميركا وإسرائيل معا في الجانب الآخر.24 وتُختتم الدراسة بالقول: إن "المشكلة ليست فى العلاقة مع أميركا في ذاتها ولا هي في الضغوط الأميركية التى تستجيب لها مصر وإنما مكمن الخلل هو في رؤية مصر الحالية لذاتها ودورها، وتعريف النخبة الحاكمة القاصر لمصالح مصر وأمنها القومي ودورها الإقليمي".25

العلاقات المصرية-الإسرائيلية.. تكلفة السلام
الدكتور عبد العليم محمد، مستشار بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام

تُلقي هذه الدراسة الضوء على طبيعة علاقة القاهرة بتل أبيب على مدى الثلاثين عاما الماضية، وتتساءل: إذا ما كانت المحصلة النهائية تصب في مصلحة أمن مصر القومي؟ وتشير الدراسة إلى أن العلاقات المصرية الإسرائيلية قد خضعت منذ بدايتها لأحكام معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في عام 1979، وأن هذه المعاهدة "قد فكَّت الارتباط -إلى حين- بين مصر وبوابتها الشرقية؛ حيث قبلت مصر بالخروج من الصراع العربى الإسرائيلي بثقلها الإستراتيجي والعسكري والتاريخي -حتى لو لم تكن في البداية تريد ذلك تمامًا- ولكن هذا ما انتهى إليه الأمر فعليًا".26 وتخلص الدراسة إلى أن "دور مصر الإقليمي وتأثير النموذج الذى تمكنت من صنعه وصياغته إبان حقبة الخمسينيات والستينيات، قد أصابه قدر كبير من التراجع على الصعيد العربي والأفريقي، وأن السياسة المصرية الخارجية فقدت الكثير من قدرتها ومصداقيتها في مجال ضبط التفاعلات الواقعة والناجمة عن خروج مصر كفاعل إستراتيجي في مواجهة إسرائيل".27

مستقبل نظام الحكم في مصر
معتز بالله عبد الفتاح، أستاذ مساعد العلوم السياسية بجامعتي القاهرة وميتشيجان بالولايات المتحدة

وأخير يختتم الملف دراساته باستشراف مستقبل نظام الحكم في مصر، وتتوقع هذه الدراسة أن تكون السمة المميزة لنظام حكم الرئيس مبارك سواء بقي في السلطة أو خلفه آخر من داخل النظام "عدم الاستقرار"، وأن مظاهر عدم الاستقرار هذه سوف تزداد كلما زادت المطالب السياسية وضعفت قدرة المؤسسات السياسية على الاستجابة الفاعلة لها إما بتلبيتها عن طريق المؤسسات الخدمية، أو التعبير عنها من خلال المؤسسات التمثيلية أو بقمعها على يد المؤسسات الأمنية. 29

_______________

مركز الجزيرة للدراسات، محرر الملف.

الهوامش:

1. عاطف معتمد عبد الحميد، مصر.. الدولة والمجتمع، ص 20
2. حسنين توفيق إبراهيم، أزمة النظام السياسي المصري:التوازن بين السلطات ومعضلة الشرعية، ص 2
3. الجهاز الإداري للدولة المصرية.. عرض مقتضى الحال وتصور للمآل، عطيه حسين أفندي، ص 2
4. المرجع السابق، ص 9
5. عبد الخالق فاروق، السلطة والثروة والعلاقة الشوهاء.. كيف تحول الفساد إلى بنية مؤسسية متكاملة في مصر؟، ص 8
6. وحيد عبد المجيد، "المعارضة الحزبية في مصر: اختلالات البناء وضعف الأداء" ص1
7. المرجع السابق، ص 5
8. عمرو الشوبكي، قوى الحراك السياسي الجديد في مصر.. هل من جديد؟، ص 7
9. خليل العناني، مبارك والإخوان.. من المواجهة إلى التوظيف المتبادل، ص 1
10. المرجع السابق، ص 13 المرجع السابق، ص13
11. كمال زاخر موسى، العلاقة بين الدولة والأقباط.. أسباب التوتر وبواعث القلق، ص 8
12. علي ليلة، المتغيرات المسؤولة عن ضعف بناء الثقافة ومنظومات القيم فى مصر عبر العقود الثلاثة الأخيرة، ص 12
13. المرجع السابق، ص 6
14. أحمد السيد النجار، الاقتصاد المصري ومعضلة الفقر والتهميش كمحصلة للسياسات الاقتصادية العامة، ص 2
15. هبة رؤوف عزت، القوة الناعمة: أزمة النظام القوي والدولة الضعيفة في مصر، ص 21
16. حسن نافعة، أسس ومرتكزات السياسة الخارجية المصرية في عهد مبارك.. معطيات التاريخ وحقائق الجغرافيا، ص 16
17. المرجع السابق، ص 17
18. هانئ رسلان، العلاقات المصرية السودانية بين التوجهات السياسية والمصالح الإستراتيجية، ص 4
19. المرجع السابق، ص 8
20. المرجع السابق، ص8
21. محمد السعيد إدرايس، العلاقات المصرية-الإيرانية بعد ثلاثة عقود من حكم مبارك.. البحث عن مسار مختلف، ص 9
22. المرجع السابق، ص 10
23. المرجع السابق، ص 10
24. منار الشوربجي، العلاقات المصرية – الأميركية.. كيف يصحح الخل ويتحقق التوازن؟، ص 1
25. المرجع السابق، ص 12
26. عبد العليم محمد، العلاقات المصرية – الإسرائيلية.. تكلفة السلام، ص 16
27. المرجع السابق، ص 17
28. معتز بالله عبد الفتاح، مستقبل نظام الحكم في مصر.. عدم استقرار لا يصل إلى درجة الثورة، ص 6
29. المرجع السابق، ص 6

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




ثورة أم لا ؟




المدير العام
عضو ممتاز
عضو ممتاز



.....
الباحث عن الحقيقة

.....


****************************


---------------------------------------


----------------------------------------
عدد الرسائل: 4201
العمر: 55
العمل: باحث وكاتب في العلوم ومقارنة الآديان
تاريخ التسجيل: 12/08/2008

http://science.creaforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر.. تبديد أرصدة القوة

مُساهمة من طرف المدير العام في الأحد فبراير 13, 2011 1:46 pm

المشهد الداخلي

مدخل تمهيدي

الدولة والمجتمع
الدولة والمجتمع
مصر.. ملامح دولة صنعت التاريخ


عاطف معتمد عبد الحميد

ثمة عدد قليل من الدول والأقاليم يجمع من التباين والتناقض ما يجعله بلدا لألف وجه، ومصر واحدة من أولئك. منذ فجر التاريخ، رصد فيها المسافرون والرحالة ذلك التقابل الحاد بين الرمل والطين، الثراء والفاقة، التأله والعبودية، عشق الذات إلى درجة الاكتفاء عن كل الآخرين، وجلد الذات إلى حافة الكفر بالوطن.

استبداد التاريخ
النهر والأرض السوداء
سكان مصر
الموارد والإمكانات
السياسة والإدارة
خاتمة: المحروسة إلى متى؟

تارة تقتحم مصر الآفاق فتبني إمبراطورية عظمى يمتد نفوذها من آسيا الصغرى وجزر البحر المتوسط إلى غياهب الغابات الإفريقية، وتارة تنسحق دون مقدمات أمام ثلة تافهة من الغزاة والمغامرين. وإذا كانت مصر قد نسجت من الإبداع ما جعلها "مهد الحضارة" و"فجر التاريخ" و"أم الدنيا" فإن المرء يقف اليوم حائرا في سر سكرتها وخيبة رجائها.

استبداد التاريخ

لا يمكن لطالب علم في أي رقعة من كوكب الأرض أن يبدأ درس التاريخ والحضارة دون أن يستهل بمصر، لكنه حين يمضي قدما سيكتشف أنها وإن حققت السبق في بناء الوحدة السياسية والسيادة الذاتية والحكم الوطني وبناء الإمبراطورية إلا أنها كانت بالمثل واحدة من أكثر الدول التي سقطت مرات أمام الغزاة من كل لون وعرق، فخارت قواها عبر قرون مديدة أمام مطامح ومطامع غير أبنائها، بدءا من الهكسوس والفرس والرومان مرورا بالعرب ثم الترك والأوربيين. بعض من أولئك، كالإسكندر وصلاح الدين ومحمد علي، تركوا بصمات جلية في البناء والحضارة، والبعض الآخر ـ وما أكثرهم مثلا في الأمس واليوم ـ تركوا جراحا غائرة في التسلط والقهر وتهميش المحرومين وإغراق البلاد في غياهب التخلف والرجعية.

تم تعمير مصر قبل ما يقرب من مليون سنة، حين جاءت طلائع الإنسان الأول الذي هاجر إليها من شرق إفريقيا وآسيا الغربية. وينقسم تاريخ مصر إلى ثلاث فترات كبرى: مصر القديمة، ومصر العصور الوسطى، ومصر الحديثة والمعاصرة.

تبدأ مصر قصتها في الحياة بزمن ما قبل التاريخ (العصر الحجري) الذي يشمل مرحلة واسعة تضم حياة الإنسان المصري منذ الألف الخامس قبل الميلاد. وفيما بين عام 3100 قبل الميلاد، حين ظهرت أول دولة مصرية موحدة على يد مينا موحد القطرين، وعام 332 قبل الميلاد، حين غزا الإسكندر الأكبر مصر، عاشت مصر مرحلة الدولة القديمة عبر 30 أسرة حاكمة شهدت فترات مد قومي وسياسي وإنجازات حضارية مبهرة.

لم تكن هذه الفترة حكما "طوباويا" سلسا، فقد شهدت ثورات اجتماعية كتلك التي اندلعت عام 2200 قبل الميلاد حين انتفض الشعب المصري على حكامه وتمرد على دفع الضرائب وأضرب عن حرث الحقول ودمر الصروح والمعابد وهاجم مخازن الحكومة ونبش مقابر الملوك وممتلكاتهم. وانتهت الثورة الاجتماعية بحالة من الفوضى تمزقت فيها البلاد بين المتنازعين على الحكم في وسط البلاد وجنوبها.

بعد اضطرابات مؤقتة تعلم المصريون الدرس وتماسكت دولتهم مرة أخرى وبلغت أوج مجدها السياسي والثقافي حتى عام 1800 قبل الميلاد. وعلى مدار 400 سنة من تضميد جراح الثورة الشعبية وتحقيق أمجاد قومية بالغة تداعت الدولة من جديد وسقطت أمام الغزاة من قبائل الهكسوس المغيرين من أواسط آسيا والذين يسجل لهم التاريخ أنهم أول قوة مستعمرة احتلت مصر وعاثت فيها فسادا لنحو مائة سنة ( من 1800 إلى 1700 قبل الميلاد).

ما إن طرد المصريون الهكسوس وحاصروهم في شاروهين (غزة) حتى تفتحت أعينهم على حقيقة جديدة مفادها أن صحاري وجبال سيناء هي بوابة الأمن القومي المصري، وسيتبنى ملوك مصر منذ ذلك التاريخ العقيدة الاستراتيجية على هذه الحقيقة، وستبدأ مع هذه العقيدة حملات مصرية تأديبية للمغيرين خارج التخوم في كل من بلاد الشام والنوبة، فضلا عن الاحتلال المصري الدائم لأجزاء من هذه الأراضي واتخاذها مخافر دفاعية أمامية. وبعد أن كانت "أفاريس" في شرق الدلتا المصرية هى ساحة الحرب بين الغزاة والجيش المصري، صارت "مجدو" في فلسطين هي ساحة الحرب التي بات الجيش المصري يخرج إليها مهاجما متربصا بالمغيرين. وبينما كان الجيش المصري يخرج لملاقاة اعدائه على الجبهة الآسيوية والنوبية خارج التخوم عبر احتلال الأقاليم فإنه في المقابل كان يترك الهجوم الليبي يقطع مسافات بعيدة في صحراء مصر الغربية وينتظر لقاءه في غرب الدلتا ويدحر هجومه واحدا تلو الآخر.

هكذا لم يكن غزو الهكسوس شرا حتى النهاية، فقد ألهمت جبهة سيناء خيال العقيدة العسكرية المصرية وشرع حكامها في بناء الإمبراطورية التي استمرت خمسة قرون (بين عامي 1600 و 1100) وضمت تحت لوائها المناطق الاستراتيجية على الضفاف الغربية للفرات وسوريا والليفانت (لبنان) وفلسطين والنوبة وكوش (شمال السودان) فضلا عن التخوم الليبية، بل مدت هذه الإمبراطورية ذراعها التجاري في حملات بحرية بالأسطول المصري إلى بلاد بونت (اليمن وإريتريا والصومال).

في تلك الفترة أمر الفرعون المصري تحتمس الثالث (الأسرة 18) كافة أقاليم الشام والنوبة بإرسال أبناء شيوخ القبائل والأمراء الشبان إلى طيبة لينشأوا نشأة مصرية ويشبوا على حب البلاد والولاء لها والتفاني في خدمتها. بهذا الشكل من "القوة الناعمة" كان تحتمس أول من سعى إلى "التمصير" الثقافي للأقاليم الخاضعة، في وقت امتلأت فيه خزائن طيبة بثروات الدنيا.

ورغم الفتوحات العظيمة على يد تحتمس الثالث ورمسيس الثاني لم تسلم الإمبراطورية من بعض كبوات، كتلك التي صعد فيها إخناتون إلى الحكم فتراجعت قوة مصر العسكرية وتمردت الأقاليم استغلالا للانشغال الديني لإخناتون وما أنفقه من جهد كبير في توحيد مئات الآلهة المصرية ليعبد الجميع إلها واحدا (آتون أو قرص الشمس). لكن في المقابل كان التراث الديني رائعا خاصة في تلك الابتهالات الورعة التي يوجهها إخناتون وما أثارته من شهية الباحثين باعتبارها أول ابتهالات توحيدية، بل وجد البعض تشابها بين بعض مزامير نبي الله داود وبين هذه الابتهالات، رغم أن إخناتون صاغ نشيده في القرن 14 ق. م بينما ظهر النبي داود بعده بأربعة قرون.

تنتهي هذه الفترة من دورة الثراء والعظمة بتراخي عزيمة مصر واستسلام حكامها للدعة وحياة الترف وتسلط الكهنة وحاشية الملك فضلا عن توظيف الأجانب في بلاط الدولة وإغراق الجيش بالجنود المرتزقة من الأقاليم الخاضعة لمصر. هكذا عم الفساد وتباين الفقر والثراء وألمت بالبلاد ضائقة اقتصادية ودب الضعف في أوصالها فانتفض الناس يضربون عن العمل ويغيريون على صوامع ومخازن الحكومة. النتيجة المتوقعة جاءت سريعا حين انزلقت الدولة إلى دورة جديدة من الاضمحلال أوقعت مصر في صراع بين الشمال والجنوب فتفسخت أواصر الحكم بين الأقاليم وسقطت مصر لحكام من أصول ليبية (من 818 حتى 712 قبل الميلاد) ثم لحكام من النوبة، بل إن القرن الرابع قبل الميلاد لم يكن يحل على مصر إلا وقد فقدت قدرتها على حماية نفسها من السقوط أمام الغزو الأشوري ثم الفارسي.

المذابح التي ارتكبها الفرس في مصر والتخريب والإذلال الذي أذاقوه للمصريين جعل مهمة الإسكندر الأكبر في فتح مصر أكثر من سهلة حين رحبت به المقاومة المصرية وساعدته على طرد الفرس.

مهد الإسكندر السبيل لثلاثة قرون من حكم البطالمة الذين انتهوا إلى دعة واستبداد عبّدا الطريق لسقوط مصر أمام غزو جديد، روماني ثم بيزنطي، في أطول محنة تعرضت لها مصر حين خضعت للاستعمار الأجنبي المتتالي من القرن الرابع قبل الميلاد إلى القرن السابع الميلادي. صحيح أن الثورات وحركات المقاومة لم تنقطع خلال تلك الألفية الاستعمارية، وصحيح أيضا أن المصري تمتع بقدر من الاستقلال الديني والروحي، إلا أن هذه المحنة الطويلة تركت تأثيرا بالغا على العقل الجمعي للمصريين وجعلت عددا من المستشرقين يتهمونهم بالاستسلام والخنوع.

وخلال العهد الروماني من هذه الحقبة ستعتنق مصر المسيحية في القرن الأول الميلادي وستنصرف بالتدريج عن عبادة الآلهة الفرعونية المتعددة لصالح الدين السماوي المنساب إليها برشاقة من فلسطين وبوابة سيناء قبل أن تفسح المسيحية بدورها الطريق، عبر سيناء أيضا، للإسلام الوافد بقوة وفتوة في القرن السابع الميلادي (640 م – 21 هجرية).

لم يكن الإسلام ليجد طريقا إلى القارة السمراء إلا عبر بوابة مصر. كل فتوحات الشمال الإفريقي، والسودان، والساحل والصحراء كانت مصر محطة انطلاقها. وحين ولى مسلمو أفريقيا وجوههم شطر البقاع المقدسة في مكة والمدينة قاصدين الحج والعمرة كل عام كانت مصر أيضا محطة العبور، منها تزود الحجاج، وفيها أنس المسافرون من طول الرحيل. على هذا النحو تشكلت نظرية دوائر مصر الثلاث، فهي قلب العالم العربي، وركن أركان أفريقيا، وواسطة عقد العالم الإسلامي.

بقيت مصر خلال عهد الخلفاء الراشدين والخلافة الأموية والعباسية جزءا تابعا خاضعا عبر أربعة قرون لولاة مفوضين من المركز الديني والسياسي في كل من المدينة ثم دمشق فبغداد. لكن بدايات القرن العاشر الميلادي (منتصف القرن الثالث الهجري) ستجلب على مصر محاولات الاستقلال وستنجح الدولة الطولونية (868-905 م) في الانفصال بمصر عن الخلافة العباسية قبل أن تستعيد الأخيرة هيمنتها من جديد وترجع الولاية المارقة. سيمارس العباسيون بعدها سياسة الأمر الواقع فيمنحون الأخشيدين (ذوي الأصول الوافدة من بلاد ما وراء النهر) حكم مصر بشكل شبه مستقل مع تبعية اسمية لبغداد (935-969 م).

ولنحو قرنين من الزمن (358 – 567 هـ / 969 - 1171م ) سيُخضع الفاطميون الوافدون من المغرب مصر. أما الأيوبيون فلم يدم حكمهم، رغم شهرة إنجازهم وعظيم تصديهم للحملات الصليبية وأمجاد حطين، سوى نحو 80 سنة (569-648 هـ / 1174 ـ 1250 م) . ويواصل المماليك جهود الأيوبيين بصد الصليبيين وتطهير بلاد الشام منهم، ويبقى حكمهم ثلاثة قرون ( 648 – 923 هـ - 1250 – 1517 م) ولن تسقط دولتهم إلا بالغزو العثماني الذي سيخضع مصر لسيطرته من 1517م إلى 1798، بعدها سيكتسح جيش نابليون شواطئ مصر وواديها.

ثلاث سنوات فقط بقيت فيها فرنسا في مصر لكنها تركت تأثيرا ثقافيا وعلميا ملموسا سيكون سببا في توجيه أنظار محمد على، الحاكم الألباني الأصل المنتخب من أعيان مصر، لتحديث مصر اقتصاديا وعسكريا، وسيصل الجيش المصري في عهده (1805- 1848) إلى أوج مجده بانتصاراته المدوية في كل من اليونان والأناضول وقبرص وكريت وشبه الجزيرة العربية والسودان. كما سحق الجيش المصري والمقاومة الشعبية غزوا إنجليزيا على سواحلها الشمالية عرف باسم حملة فريز (1807 م). وفي خضم الإنجاز والنجاح، لم يعدم محمد علي كافة الوسائل الشرعية وغير الشرعية لإزاحة المنافسين وذبح المناوئين من المماليك فهيمن بقبضة حديدية على البلاد.

ستبقى مصر أسيرة الحكم الملكي في أسرة محمد علي حتى الاحتلال الإنجليزي عام 1882 ومعها تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ مصر تدخل بها القرن العشرين حبلى بالمفآجات كان أبرزها ثورتي 1919 و1952، وقد تمكنت الأخيرة من إرساء نظام جمهوري سيمر في مخاض عسر لمصارعة الاستعمار الأجنبي والاحتلال الصهيوني لفلسطين وسيناء (حروب 1956، 1967، 1973) وستعيش مصر من نهاية سبعينات القرن العشرين وحتى اليوم في سلام "بارد" على المستوى الدبلوماسي مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وتتقلب النخبة الفكرية فيها بين أيدولوجيات متباينة: قومية وماركسية وإسلامية وعلمانية وتغريبية وفوضوية.

النهر والأرض السوداء

نهر النيل أهم ظاهرة جغرافية في مصر ماضيا وحاضرا، يقطع هذا النهر رحلته في مصر عبر ما يزيد عن 1000 كم. قبل شق بحيرة ناصر وبناء السد العالي في ستينيات القرن العشرين كان النيل في صعيد مصر نهرا جامحا ضيقا خانقيا يزداد اتساعا وفيضانا كلما اتجه شمالا. وبينما لم يكن اتساع الوادي في جنوب أسوان يزيد عن 100 متر كان الوادى يطرد اتساعا بالاتجاه شمالا فيبلغ 15 كم في قلب الصعيد، حتى إذا بلغ القاهرة وتشعب إلى شعب الدلتا فرش ماءه وتربته على أرض واسعة زادت عن 200 كم عرضا عند الساحل المتوسطي.

صنع النيل أرض مصر على شكل نخلة باسقة، الوادي من أسوان إلى القاهرة جذعها، والدلتا من القاهرة إلى المتوسط جريدها المتشابك كمروحة خصبة. وهذه النخلة هي واحة في الصحراء يحيط بها الرمل والصخر من كل حدب وصوب.

لم تكن صدفة إذن أن يتخذ المصريون القدماء من النيل إلها أسموه "حابي" يتضرعون إليه طلبا للحياة، بمثل ما جعلوا من الشمس الإله "رع". ولم يكن هناك من إله ثالث قادر على المنافسة سوى الفرعون الملك. على هذا النحو تبزغ نظرية "الطغيان الفيضي" مفسرة التسلط والاستبداد في نظم الحكم في مصر بإرجاعها إلى نهر النيل.

ببناء السد العالي نزع المهندس المصري، بدعم سوفيتي، مخالب النهر وأسنانه وروضه واستأنسه، وحول الإنسان المصري النيل من نهر هائج إلى قناة رى عريضة طويلة من أسوان إلى البحر المتوسط. الجيل الحالي من المصريين يعرف من النيل روعته كممشى للتنزه والتأمل، بينما الأجداد فقط يتذكرون النيل الغاضب الغامر الذي يكتسح البيوت والحقول حاملا الخصب والحياة قبل أن تخمد ثورته وينكمش راقدا في مجراه إلى العام التالي.

طوال تاريخها الاقتصادي، من الفرعوني إلى الجمهوري، بزغت في مصر طبقة من كهنة المعابد وكبار رجال الدولة ـ أولئك الذين تملكوا مساحات هائلة من الأراضي ـ مثلت شريحة علوية في الترتيب الهرمي من المنتفعين. وفي ظل هذا النظام البرجوازي العتيد كانت هناك تلك الثنائية المجتمعية القائمة على قلة تملك كل شيئ ولا تنتج شيئا وأغلبية من الفقراء تلفح ظهورهم الشمس ممن ينتجون كل شيئ ولا يملكون شيئا.

لكن هذه الرؤية الماركسية لترتيب الطبقات في المجتمع المصري عبر العصور لا تتعارض مع حقيقة أن أرض النيل قدمت لشعبها من الخيرات الكثيرة ما أقعد شعبها عن التمرد أو على الأقل لم تتكرر كثيرا ثورة الجياع أو المحرومين. وتبدو العلاقة بين الوفرة والعطاء في البيئة المصرية جد ظاهرة من تلك المقولة الشهيرة التي يذكرنا بها المقريزي في "المواعظ والاعتبار" في ذلك الحوار الشيق الذي جاء فيه "قال العقل أنا لاحق بالشام فقالت الفتنة وأنا معك، وقال الشقاء وأنا لاحق بالبادية فقالت الصحة وأنا معك، وحين قال الخصب أنا لاحق بمصر سارع الذل وقال وأنا معك". علينا أن نفهم "الذل" هنا بعيدا عن الدلالات المعاصرة لمفردات الوضاعة والخسة، فالمقصود هنا الاستكانة والاستسلام والزهد في التمرد، فالمتمردون دوما لا يملكون شيئا يخافون عليه.

ومع ذلك، ورغم هبات النيل وجهود المصريين، لم تكن مصر جنة غناء طيلة تاريخها. فقبل إتمام نظم الري الحديثة وضبط مائية النيل، ومنذ قصة نبي الله يوسف في السنوات العجاف ومصر مبتلاة بنوبات من المجاعات والأوبئة المهلكة. ولعل ذلك يبدو جليا في تعداد سكان مصر نهاية القرن 18 على يد الحملة الفرنسية التي لم تجد في مصر أكثر من 2.5 مليون نسمة. فرغم تاريخ التعمير الطويل أجهزت الأوبئة والمجاعات، خاصة خلال العصور الوسطى، على سكان مصر بتكرارية مقدارها مجاعة كل 12 عاما، حين تعرضت مصر خلال ما يقرب من خمسة قرون من العصور الوسطى والحديثة لأكثر من 50 مجاعة.

ولعل فيما يورده البغدادي مثالا لعظم ما أصاب المصريين من جوع وفناء بسبب ضعف فيضان النيل، ففي عهد المستنصر بالله الفاطمي، (حين كانت مصر شيعية في نظامها السياسي) وقعت ما اشتهرت بالشدة المستنصرية (1065م إلى سنة 1071م) والتي وصل الحال ببعض المصريين الجوعى أن أكلوا لحوم القطط والكلاب. ولعل هذا ما دفع المقدسي إلى وصف مصر قائلا " هذا الإقليم إذا أقبل فلا تسأل عن خصبه، وإذا أجدب فنعوذ بالله من قحطه".

بتاريخ مزدوج من الحرمان والعطاء، قحط المجاعة وفيض الرخاء، قدم نهر النيل للمصريين أقدم بوصله في التاريخ، فانحداره من الجنوب إلى الشمال وتناوب شروق الشمس وغروبها على جانبيه رسم الجهات الأربع للبيئة المصرية. وبقدر ما كان المصري أول من فهم الجغرافيا بقدر ما كانت بيئة مصر من البساطة والتوجيه المباشر ما جعلها لا تصنع جغرافيين عظام أو رحالة ومسكتشفين جسورين، فالبيئة جد محدودة في محاورها وما بواديها من موارد من المياه والتربة والزرع والنخل ما يستنفد الجهد والعرق، بمثل ما يقنع بالبقاء ويزهد كل طموح في شق غبار الصحراء، التي لم تكن هوامشها سوى مقصدا لشق الجبانات وتشييد الآثار.

كانت بيئة مصر ولا تزال مثالا للتقابل بين الحياة (النهر وتربته السوداء المعروفة لدى قدماء المصريين بأرض كيميت) والموت ( الصحراء وتربتها الصفراء المعروفة لديهم بأرض ديشيرت). على هذا النحو أمكن تقسيم مصر إلى أبسط تصنيف جغرافي: وادى النيل ودلتاه في مقابل ثلاث صحراوات (الشرقية والغربية وسيناء) يترامى جميعها على مساحة تبلغ مليون كم2.

ولأن في مصر نيلا واحدا، ولأن مياهه تنحدر من الجنوب إلى الشمال، وينتظر الفلاحون ورود الماء من حقل إلى حقل، فقد نشأ نظام الري فيها كليا لا جزئيا. واعتمدت الزراعة بالتالي على نظام موحد للفيضان.

لم تكن مصر كإيطاليا أو الجزر البريطانية أو روسيا التي بها من تباين طبيعي يجعل كل إقليم قادر على تكوين إمارات مستقلة او منفصلة عن العاصمة المركزية. لم يكن يصلح لمصر سوى نظام مركزي واحد يرعى الفيضان وينظم مياهه، يراقب انسياب النهر في كلٍ واحد مجمع، حيث حياة الجميع رهينة بحياة الجميع ولا يمكن قيام دول المدن كالجزر المنعزلة المتناحرة.

المناخ المصري لا يعرف التذبذب أو المفاجآت، المصري لا يشبه الأوربي أو الصيني أو الروسي في انشغاله الدائم بمعطف البرد ومظلة المطر ووشاح العنق. فمنذ فجر التاريخ تظهر النقوش الفرعونية المصري ( رجلا أو إمرأة) متخففا من ثيابه إلى حد بعيد، وما زال مناخ مصر إلى اليوم يتسم بجفاف ثابت وقحولة مهيمنة على الصحاري والجبال، هذا إذا ما استثنينا نوبات من العواصف الممطرة تسحق الصحاري بزخات كأفواه القرب، لكنها لا تدوم غير سويعات، ولا تتكرر سوى مرات قليلة كل بضع سنين.

أطلت مصر برأسها على البحرين الأبيض والمتوسط، لكنها مع ذلك انشغلت بالطين والنيل فغدت دولة فلاحة لا ملاحة، أتقنت الفأس والمحراث بينما تواضعت أحلام أساطيلها في البحرين فجلبت على نفسها أكبر كارثة حين سمحت لشعوب البحر بأن يأتوا من الشمال مغيرين ومخربين. فرغم ألفي كيلومتر من الواجهات البحرية على البحرين الأحمر والمتوسط، لم تعرف مصر الكثير من الثغور والقلاع البحرية بقدر ما عرفت ثغورا تجارية.

وبينما كان لمصر بعض ثغور وقلاع بحرية قبل الفتح العربي في كل من الفرما ورشيد والإسكندرية والقلزم ( السويس) وعيذاب (حلايب) حوّل عمرو بن العاص الجغرافيا السياسية لمصر من قوة بحر إلى قوة بر حين أدار ظهره للإسكندرية العاصمة البحرية وأنشأ عاصمة جديدة، صحراوية هذه المرة على النيل عرفت بالفسطاط وستصبح نواة للقاهرة. على هذا النحو كتب الفتح العربي لمصر نهاية لزمن الثغور البحرية وأحدث تغييرا رجعيا في قوة مصر البحرية عرضها لأسوأ هجمات بحرية شنها الصليبيون عبر قرون. وحده محمد علي غير هذا القانون وأعاد لمصر قوتها البحرية في القرن 19 قبل أن ينهار إنجازه بتدمير الأسطول المصري بسبب التآمر الدولي على طموحاته في البحر المتوسط.

وتبدو المفارقة جلية حين وصل الأسطول الفرنسي (الضعيف بالمعايير الأوربية) إلى مصر ليسيطر في رشيد على قلعة مملوكية متواضعة تدعو على السخرية حين قارنها نابليون بالقلاع الأوربية المتوسطية.

لكن قلعة رشيد المبنية من صخور مختلفة المصادر لم تكن متواضعة حتى النهاية، فقد قدمت للعالم ذلك الحجر الشهير المنسوب إليها والذي من خلاله فك شامبليون رموز الكتابة الهيروغليفية وولج بالناس إلى الكنوز المعرفية للحضارة المصرية القديمة.

تقصير مصر في قدراتها البحرية لا يقف فقط عند تحويل الثغور إلى منافذ للتجارة وتوديع الحجاج إلى الأراضي الحجازية، بل فرطت مصر في ثروتها السمكية البحرية فقنعت بخيرات الأرض من الخضر والفاكهة وأسماك النيل قريبة الصيد سهلة المنال ولم يكن صيادوها مضطرون ـ كما هم اليوم ـ للإبحار بقواربهم المتواضعة أميالا بعيدة بحثا عن مصائد قريبة من الشاطئ في كل من اليمن وليبيا والصومال فيلقون من غوائل البحر ومخاطر القرصنة ما يلقون.

لم يكن هذا التنوع والتباين بمستغرب في أرض حكمت عليها الصحراء بالإعدام بينما مد لها النيل شريان الحياة الوحيد، أرض حار الغرباء في الجزم بمن له الفضل عليها، هبة النيل أم إبداع المصريين؟ أرض تأرجحت في منحنى الصعود والهبوط الحضاري ما جعل نفرا من المفكرين يجدون فيها "قصرا منيفا فوق رمال سائبة" وربما "رمال متحركة".

سكان مصر

لا يقف المصري بعيدا عن تباين البيئة وتزاحم مشاهد التاريخ، فهو وإن سلم العالم له بسبق الحضارة وعراقة التاريخ معترفا به كأول مهندس وأبدع فنان وأكثر المتعبدين ورعا، لا ينسى له أنه الفلاح الفقير المستسلم لحكامه ممن استخفوا به حين أطاعهم فمضوا يثخنونه بحيل الطواغيت.

ومع خبرة التجربة، وعمق التاريخ، وتبدل ألوان الحكام مع ثبات مخططاتهم، وولوج وخروج الغزاة والمغامرين، وبقاء النيل مصدرا للخير وتوفير الحد الأدنى من سبل الحياة، تفنن المصري في حلول الوسط ومكر الخنوع وتكتيك الخضوع، فُوسم بأنه "سلطان الحلول الوسطى" بقدر ما وصفت مصر بأنها "ملكة الحد الأوسط". ومع هذا ما تزال تلك الخصال قادرة على إقناع البعض بأن يروا المصري وبلده مثالا لمزج المتناقضات معا بما يصنع مزاجا وسطيا.

من أين أتى المصري وما أصوله الجنسية؟ تميل الدراسات إلى اعتبار الإنسان المصري إبنا لبيئة محلية ذات جذور إفريقية تأثرت بموجات هجرة وافدة عبر البحرين الأحمر والمتوسط. ورغم أن نزرا قليلا من أبناء شمال مصر يحتفظون اليوم ببشرة فاتحة وشعر بني وعيون خضراء وزرقاء نتاج المؤثرات الجنسية الأوربية والتركية والقوقازية التي عزفت عن الجنوب الحار الجاف ورضيت بالشمال المتوسطي الرطب، ورغم أن نزرا قليلا آخر انحدر من الرقيق الأبيض (الشراكسة والسلاف) والرقيق الأسود ( الأفارقة) إلا أن غالبية أبناء الوادي ما يزالون يحتفظون بسمات الإنسان المصري الذي عاش هنا قبل آلاف السنين. ومما يدهش أن التماثيل والمومياوات التي اكتشفت في جنوب مصر كانت تلقى من أبناء الصعيد مشاعر من الافتخار لما بها من الشبه الكبير بين الماضي والحاضر حتى أن أغلبها وكأنه يجسد واحدا أو آخر من السكان المعاصرين، رغم آلاف السنين التي تفصل بينهم.

وفي ذلك ما يؤكد على أن موجات الوافدين التي أتت مصر كانت دوما غزوات لا هجرات، تركت آثارها الطفيفة على المستوى الجنسي في الشمال الألطف مناخا بينما بقي الجنوب الحار الجاف مستودعا للقبطي (المصري) العريق.

ليست في مصر أقليات بالمعنى الجيوسياسي التقليدي، فسكان النوبة في أقصى جنوب الوادي لم تكن لهم أية مشكلات إثنية طوال التاريخ، وباستثناء ما أحدثه مشروع السد العالي حين غمرت بحيرته الاصطناعية أرضهم وهجرتهم إلى أرض شمالية غير متوافقة معهم بيئيا، فإنه لم تكن هناك أية صراعات بشرية بين النوبيين وبقية القبط (المصريين). وبالمثل لا يمثل البربر في صحراء مصر الغربية سوى أقلية لغوية محدودة لا تصل نسبتها إلى 0.5 % من السكان وليست لديها أية قضايا تمييزية.

يمثل المسيحيون في مصر ثاني طائفة دينية بعد المسلمين، حيث تتراوح نسبتهم لإجمالي السكان بين 8 و 10 %، لكنهم لا يشكلون نطاقا جغرافيا خالصا لهم، كنظرائهم في لبنان، أو كالسيخ في شمال غرب الهند، أو الشيعة في شرق السعودية، أو المسيحيين في جنوب السودان، بل هم ممتزجون بين المسلمين في القرى والحقول في صعيد مصر وفي الحواضر الكبرى كالقاهرة والإسكندرية.

الكنيسة المصرية ليست كنيسة هاربة مهاجرة بل هي أقدم من الإسلام وواحدة من معاقل الفكر المسيحي الأصيل الذي انتشر في مصر منطقيا بعد أن كانت أرض مصر مقصدا للعائلة المقدسة التي فرت من الاضطهاد في فلسطين.

أتت كلمة قبط من محلة قفط (أو كبتوس) في قنا بصعيد مصر، وسمى اليونان كل المصريين قبطا، ومنها جاءت كلمة "جيبت" في اللغات واللهجات ذات الأصل اللاتيني قبل أن يتم تحويرها لاحقا إلى "إيجيبت" . أما اسم "مصر" الذي ورد في القرآن عدة مرات وجاء في التوراة تحت اسم "مصرايوم" فمسمى لاحق للعهد الفرعوني أطلقته العرب والشعوب المحيطة دلالة على مقر التمدن والنظام السياسي. ويذهب البعض إلى أن لكلمة مصر في اللغة الهيروغليفية جذورا دلالاتها "الأرض التي يرعاها الإله" أو "الأرض المحروسة".

يقدم التنوع الطفيف في الجماعات الدينية والإثنية في مصر ثراء ثقافيا في المعتقد والممارسات والطقوس رحب به المصريون عبر أغلب فترات التاريخ وقبلوه بتسامح وتعايش، وإن لم يسلم في بعض الفترات من تشاحن وتطرف دموي خاصة في نصف القرن الماضي.

يتكلم الجميع العربية لغة واحدة جامعة، وليس هناك معقل أو جيب لغوي واحد في مصر، من هضبة السلوم على حدود ليبيا إلى رفح المصرية على حدود فلسطين، ومن الإسكندرية إلى النوبة. وإن تحدث بدو سيناء وعرب مطروح وبربر سيوة ونوبة الجنوب لغات ولهجات موازية، فإن العربية ليست "اللينغوفرانكا" التي تربطهم بالأغلبية العربية الساحقة بل هي لغة اللسان المزدوج. يمكنك باختصار أن ترى المصريين شعبا "ضد الطائفية" لم يعرف مفهوم الملل والنحل الذي عايشه المشرق العربي، بل إن جل المصريين لا يدركون ما الفرق بين أن أن يكون المرء شيعيا أو سنيا، فمزاجهم الديني سني المذهب وأفئدتهم تهوي إلى آل البيت، وهذه أيضا خصلة من خصال وسطية مصر الحضارية في محيطها الإسلامي.

في مرحلة الانفجار السكاني تقف مصر اليوم بعدد سكاني يزيد عن 82 مليون نسمة، رغم أنها عاشت آلاف السنين بحجم سكاني متواضع. فقبل قرنين فقط من الزمن، لم يكن عدد سكان مصر يزيد عن 2.5 مليون نسمة. بل إن مصر قبل نصف قرن فقط لم تكن تزيد عن 20 مليون نسمة. المسؤول الاول عن الانفجار السكاني في مصر هو التحسن الكبير في الرعاية الطبية وتراجع الوفيات خاصة وفيات الأطفال الرضع.

التداعيات البيئية للنمو السكاني المفرط كارثية في مصر، فالسكان لا يتحركون خارج الوادي ويستبدلون المروج والأشجار والزروع بغابات من الأسمنت من بيوت خرسانية تقتلع تربة طينية تعد من أخصب أنواع التربة في العالم، تربة أنفق نهر النيل في فرشها مليوني سنة، بينما يدمرها السكان اليوم في لمح البصر.

زحف السكان على الأراضي الزراعية في مصر أشبه بالانتحار الجماعي الصامت، فالمصريون وحكومتهم يخربون بيئتهم بأيديهم، حتى أن الرقعة الزراعية في دلتا النيل، فقدت في نصف القرن الأخير نحو ثلث أراضيها لصالح التوسعات العمرانية المتلاحقة التي تذهب بغير رجعة بأرض تنتج الغذاء وتضع شعبا على حافة الهاوية في عملية أشبه بالاغتيال الجماعي الأعمى لحقوق الأجيال المقبلة.

البديل الوحيد لإنقاذ مصر من هاوية المجاعات المستقبلية هو نقل السكان الجدد إلى خارج الوادي والدلتا، وهو مشروع أقل ما يقال عنه أنه مشروع الألفية الثالثة. لكن مشروعا قوميا بهذا الحجم يحتاج إلى حكومة راشدة واعية حازمة وقادرة على إيقاف فساد الانتحار الجماعي حين يضع فلاح فقير حفنة جنيهات رشوة لمسؤول في الحكومة المحلية يسكت الأخير بموجبه عن تجريف التربة وتحويل الحقل الزراعي إلى منزل خرساني لمواليد جدد وجدوا ما يسكنون فيه لكن قريبا لن يجدوا ما يأكلون.

ففي زمن تبلغ فيه الفجوة الغذائية في مصر 50 % يعني الأمر أننا نستورد نصف ما نأكل. وإذا ما استمر معدل العدوان على الأراضي الزراعية بما هو عليه اليوم فسترتفع النسبة حتى يشب شبح المجاعة من جديد. وإذا استمر معدل تلوث مياه نهر النيل وبحيرات شمال الدلتا على ما هو عليه فستفتك الأمراض المهلكة بالمصريين.

سكان مصر لا يهاجرون خارج وطنهم، وهم ملتصقون بالأرض بدرجة كبيرة. كان العراق والدول العربية الخليجية المقصد الأول لهم بعد ثروة وثورة النفط في السبعينيات حين هاجر نحو ثلاثة ملايين مصري، عاد أكثر من نصفهم بعد التقلبات السياسية المضطربة التي تأججت بغزو العراق للكويت في مطلع تسعينيات القرن العشرين، وتزايد الاعتماد على العمالة الآسيوية والتخفف من عمالة المصريين لصالح عمالة وطنية.

ولا يمكن التعويل على الجاليات المصرية في الخارج في استقطاب مصريين مهاجرين، فباستثناء ما شهده ربع القرن الأخير من تبلور جالية مسيحية منتقاة ومرحب بها في الولايات المتحدة وكندا تحت ذرائع الإضطهاد الديني، ليست هناك جاليات مصرية مهاجرة على نحو ما شكل الصينيون والهنود والشوام في أوربا والعالم الجديد. فعوامل الطرد في القرون الماضية لم تكن بتلك القسوة التي هي عليها اليوم، وحين اضطر الشباب المصري لهجرة وطنه مع انسداد الأفق في الداخل وجد الظروف العالمية وقد تغيرت وأصبح هناك حصار عالمي يقيم أسيجة على الموانئ وفي المطارات تحول دون طوفان الهجرة من الدول الفقيرة. من هنا عرفت مصر مؤخرا مراكب الموت التي تحمل الشباب المصري في عرض البحر المتوسط فيغرق بعضها جراء المطاردة وإغلاق الموانئ المؤدية إلى "جنة الاتحاد الأوربي".

الريف المصري ، وليس المدينة ، يقدم صورة مصر الحقيقية. في ذلك الريف بوسعك اليوم أن تقف مشدوها أمام بيت من طين الفيضان القديم يلاصق قصرا فارها، ساقية صدئة وآلة ري فائقة الطاقة، بغال وحمير تعرقل سير سيارات وردت للتو من مصانع يابانية. هذا التجاور الجغرافي والتاريخي يقدم لك خليطا مربكا بين مشاهد الألف الثالثة بعد الميلاد وقد زاحمت مشاهد الألف الثالثة قبل الميلاد.

الموارد والإمكانات

بعد رحلته الطويلة القائمة على الزراعة المعيشية والنمط الإقطاعي، انتقل الاقتصاد المصري في نصف القرن الماضي من حالته المركزية الحديثة في العهد الناصري إلى ما عرف باسم سياسة الانفتاح في عهد السادات ثم إلى النمط الرأسمالي الزائف في عهد مبارك.

تتسم الموارد الأساسية للميزانية المصرية بتنوع مصادرها ما بين زراعية وتجارية (بما فيها رسوم المرور في قناة السويس) وصناعية ( بما فيها الصناعات النفطية) وسياحية. وما تزال مصر ـ مثلها مثل الهند ـ تشهد تلك الإزدواجية بين ارتفاع مؤشر النمو الاقتصادي نتيجة الإصلاحات الاقتصادية المشهود بنجاحها عالميا وبين استمرار مستوى المعيشة لدى أغلبية السكان عند درجات متدنية.

تبلغ قيمة الناتج المحلي الإجمالي (معبرا عنها بمكافئ القوة الشرائية) نحو 470 بليون دولار وتحتل بذلك المرتبة 27 من بين دول العالم. وان كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لا يتجاوز 6 آلاف دولار سنويا مما يجعلها في المرتبة 137 بين دول العالم. وكان معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي قد تجاوز 7 % قبيل الأزمة المالية العالمية.

ورغم عدد السكان الذي يزيد عن 82 مليون نسمة إلا ان المنخرطين في فئة القوة العاملة لا يتجاوزون 25 مليون نسمة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار النسبة المرتفعة لأشكال البطالة المقنعة المتفشية في قطاعات القوى العاملة والتي تهبط بحجم القوى العاملة لنحو ثلث أو نصف طاقتها الكلية فإن الحجم الفعلي للقوة العاملة قد لا يتجاوز 10-13 مليون نسمة. ولعل هذه هي الأزمة الحقيقية في بنية العمل في مصر حين يعول 15 % من السكان 85 % منهم. وبحسب التعريفات الإجرائية الرسمية فإن حجم البطالة يبلغ نحو 10 % من إجمالي القادرين عن العمل في الوقت الذي تقدر فيه الجهات غير الرسمية وجماعات المعارضة هذه النسبة بأكثر من 30 %. وتبلغ نسبة السكان الذين يعيشون دون خط الفقر نحو 20 % من الإجمالي البشري لمصر.

وتعاني الميزانية السنوية لمصر من عجز مقداره 12 بليون دولار، إذ يبلغ حجم الإنفاق السنوي نحو 63 بليون دولار بينما لا يدخل الميزانية من العائدات الإجمالية سوى 51 بليون دولار. وترتبط تلك المشكلة بأزمة الدين العام الذي يبلغ في مصر أكثر من 80 % من الناتج المحلي الإجمالي وهو ما يجعل مصر واحدة من أكثر الدول في العالم التي تعاني من ارتفاع الدين العام، محتلة المرتبة 13 على مستوى دول العالم. ويتأرجح معدل التضخم بين 12 و 18 % رغم أن متوسطه في الدول النامية لا يزيد عن 6 % والدول الغنية عن 1.5 %.

ويعود جزء أساسي من هذه المشكلة إلى الاختلال في قيمة الصادرات والواردات، فمصر تصدر سنويا ما قيمته 25 بليون دولار (موارد الطاقة والمواد الغذائية) بينما تستورد سنويا ما قيمته 50 بليون دولار (التقنيات العسكرية والآلات والمعدات ومنتجات الأخشاب ومواد زراعية في مقدمتها القمح، فضلا عن الأدوية). ويمكن تلمس آثار ذلك في حجم الدين الخارجي لمصر البالغ نحو 30 بليون دولار.

المحاصيل الرئيسة في مصر هي القطن والأرز والذرة والقمح، بينما الصناعات الأساسية هي المنسوجات والصناعات الغذائية والكيماويات والصناعات البترولية ومواد البناء خاصة صناعة الأسمنت إضافة إلى السياحة.

تحتل مصر المرتبة 29 بين دول العالم في إنتاج البترول، وبعد أن كانت دولة مصدرة للنفط انتقلت في السنوات الثلاث الأخيرة إلى دولة تلتهم كل انتاجها، بل هي تتحول تدريجيا إلى دولة مستوردة له. في المقابل يمثل الغاز الطبيعي الركيزة الكبرى في موارد الطاقة حيث تحتل مصر المرتبة 16 من بين أكبر دول العالم إنتاجا ولديها فائض سنوي مقداره نحو 10 بليون متر مكعب يتجه للتصدير. والشركاء التجاريين لمصر ممن يستقبلون صادرتها هم الولايات المتحدة وإيطاليا وأسبانيا وفرنسا إضافة إلى الهند والسعودية.

وفي الوقت الذي تستأثر فيه الزراعة بنحو 32 % من النشاط البشري ترتفع نسبة العاملين في الخدمات ( الإدارية والتعليمية والطبية والأمنية.. إلخ) إلى أكثر من 50 % بينما لا تمثل الصناعة أكثر من 17 % من إجمالي النشاط البشري.

وتنفق مصر على التسليح سنويا ما نسبته 3.5 % من الناتج المحلي الإجمالي وهي نسبة مرتفعة عالميا تجعل مصر في المرتبة 37 من بين دول العالم أخذا في الإعتبار التهديدات الإقليمية المحيطة بها وصراعها الدائم مع إسرائيل رغم السلام الظاهري الذي تقتضيه الممارسات الدبلوماسية الإقليمية.

تعتمد القدرات العسكرية المصرية على جيش نظامي قوي وأسلحة تقليدية وقدرات غير معلنة من الأسلحة الكيماوية، أما القدرات النووية فلم تتمكن مصر بعد من امتلاك أيا منها رغم ما تقوم أن البرنامج النووي المصري بدأ منذ أكثر من خمسين عاما، أما المفاعل الكبير الذي جاهدت مصر لإقامته في منطقة الضبعة غربي الإسكندرية منذ 20 سنة فما زال محاصرا بالضغوط الدولية والإسرائيلية.

السياسة والإدارة

مصر دولة جمهورية يمثل السلطة التنفيذية فيها رئيس الجمهورية والحكومة ( مجلس الوزراء) والإدارة المحلية والمجالس القومية المتخصصة. وتنقسم إداريا إلى 29 محافظة. ويمثل السلطة التشريعية فيها مجلس الشعب والشورى. وقد عرفت مصر الحياة البرلمانية قبل ما يقرب من قرن ونصف من الزمن وتعاقبت علي البلاد خلالها أكثر من‏32‏ هيئة نيابية تراوح عدد أعضائها ما بين‏75‏ عضوا و‏454‏ عضوا.

كانت بداية الحياة البرلمانية في مصر في عهد الخديو إسماعيل الذي أنشأ "مجلس شورى النواب" واستمر العمل به إلى أن احتلت بريطانيا مصر في عام 1882، بعدها أنشأ الخديو توفيق "مجلس شورى القوانين" و"الجمعية العمومية". ثم في 1913 نشأت "الجمعية التشريعية" والتي حالت الحرب العالمية الأولى دون اتمام عملها ثم صدر قرار بحلها في 1923.

وكانت صياغة دستور عام 1923 نقطة انطلاق لتأليف البرلمان المصري الذي تألف من مجلسين هما "مجلس النواب" و"مجلس الشيوخ". وحين قامت ثورة يوليو 1952 قام مجلس قيادة الثورة بمهام السلطة التشريعية وخلت البلاد لثلاث سنوات من حياة برلمانية إلى أن صدر دستور 1956 فتم على أساسه انتخاب "مجلس الأمة" الذي ظل يحمل نفس الاسم خلال فترة الوحدة مع سوريا (1958-1961).

وكانت تداعيات الانفصال سلبية على الحياة البرلمانية في مصر، إذ بقيت مصر دون برلمان منذ 1961 وحتى 1964 وهو العام الذي شهد صدور دستور مؤقت لمصر أعيد من خلاله بناء "مجلس الأمة" حتى صدور الدستور الدائم لمصر عام 1971 الذي منح الاختصاص التشريعي لـ "مجلس الشعب" الذي يتألف من 444 عضوا يتم انتخابهم في 222 دائرة بواقع عضوين عن كل دائرة، احدهما على الأقل من العمال والفلاحين. وإضافة إلى ذلك يعين رئيس الجمهورية عشرة أعضاء ليصبح المجموع 454 عضوا.

وتعرف مصر تعددية حزبية شكلية تضم 23 حزبا أهمها الحزب الوطني الديموقراطي (الحزب الحاكم) والوفد وحزب العمل (جمدته الحكومة لتبنيه خطا إسلاميا) والحزب الناصري وحزب الأمة. وحزب الغد. وتعاني أغلب هذه الأحزاب من الضعف والتشتت وضعف ثقة رجل الشارع في قدرتها على العمل والممارسة الحزبية الفاعلة. وفي العقد الأخير ظهرت حركات احتجاجية لا حزبية أهمها حركة "كفاية" "والجمعية الوطنية للتغير"، وفي خلفية المشهد الرسمي يبدو الحضور المؤثر لجماعة الإخوان المسلمين التي تسميها الدولة وأجهزتها الإعلامية بـ "الجماعة المحظورة" والتي ليس لها تمثيل حزبي لكن لها تأثير فاعل في الشارع.

خاتمة: المحروسة إلى متى؟

السؤال الملح في مصر اليوم ليس "إلى أين تسير المحروسة؟" بل "إلى متى ستبقى مصر محروسة؟". كي ندرك أهمية هذا التساؤل ليس علينا إلا أن نتابع المصريين اليوم وقد فتحوا أبواب بيوتهم بإعجاب ودهشة طفولية لعشرات الآلاف من فتيات وفتيان أتوا من الصين يخترقون الريف والحواضر المصرية يحملون على أكتافهم مصنوعات رخيصة كان بوسع العامل المصري المشهود بذكائه وألمعيته أن ينتج مثلها لو كانت الدولة قد وفرت له مكانا خلف آلة في مصنع بدلا من أن تضطره للعمل خادما في قرية سياحية، جهزت له ورشة بدلا من مقهى، وفرت له إعلاما توعويا وتدريبيا لا أن تهدر أمواله في أجور مدربي ولاعبي كرة القدم.

لو كان ماركس حيا في مصر اليوم لنقّح أطروحته وتعلم الكثير عن أشكال الاستعمار الخفي وكيف يحتكر المستثمرون الأجانب ووكلائهم من رجال الأعمال والساسة موارد البلاد وأرضها. سيغير ماركس قطعا مفهومه عن أفيون الشعوب بعد أن تصدمه عشرات القنوات الفضائية التي تبث الخلاعة ووجبات الجنس ناخرة كالسوس في تقاليد وأعراف الأسرة المصرية المحافظة. سيتعلم ماركس درسا جديدا حين يجد هذه الأسرة تتحول بالتدريج ـ بفعل تزاوج البرجوازية المحلية من الصهيونية والرأسمالية العالمية ـ إلى مسخ مشوه. قد يحدونا الأمل في أن الريف المصري والبادية هما الحصن الأخير، لكن من أسف أن هذا الحصن تهتز أسواره أمام الزحف المدنس الساعي بهمة لتدمير التراث الثقافي والأخلاقي المصري.

الطريق إلى إنقاذ المحروسة من مسيرتها العمياء إلى حافة الهاوية جد بسيط وواضح. شباب مصر هم الطاقة وأرض مصر بها من الكنوز الكثير، توشكى والنوبة وحلايب وشلاتين، وشمال سيناء والساحل الشمالي للصحراء الغربية، وجبل العوينات والواحات كلها مواقع صالحة لاحتضان مشروعات عملاقة صناعية وزراعية كفيلة بالخروج بسكان مصر إلى الإنتاج والعمل، كفيلة بأن تنقل مصر "المحبوسة" أمام شاشات التلفاز والمقاهي والأزقة المرصعة بمخلفات القمامة إلى بر الأمان حتى تستحق أن توصف بأنها "الأرض التي يرعاها الله".

ولأنه من السذاجة وضع كل التهم في رقبة الحاكم وتبرئة المحكومين، ولأن هناك قدرا من الصواب في الحكمة القائلة "كل شعب يستحق حكامه" فإننا لا نبرئ أنفسنا كمصريين. فقد احترفت شرائح منا ثلاثية مهلكة تقوم على "التناقض" و"هوان النفس" و"ضعف المبادرة". في هذه الثلاثية المخزية يقول كثير منا ما لا يفعل ويقبض بعضنا الرشوة وهو يخطب في الناس بالفضيلة، وترتدي بعض نساءنا الحجاب فوق زي الخلاعة والمجون.

وفي ظل مناخ فاسد سياسيا يستمرأ كثير من المصريين أنواعا مختلفة من الفوضى والإهمال والتراخي والتقصير، حتى صار كثيرا من الناس فاسدا "كل على قدر استطاعته" وغدت البلاد في بعض قطاعاتها "فسادستان" و"نفاقستان" وضياعستان".

حين يصح العزم وتمتلك مصر إرادتها وتنتقل من عصر التوريث والملكية والبرجوازية الصدئة والرأسمالية الزائفة إلى حكومة وطنية ذات مشروع قومي، وحين يتخلص المصريون من ثلاثية الهلاك ستتحول مصر خلال عقدين إلى ثلاثة عقود من "دولة صنعت التاريخ" إلى "دولة تستعيد المستقبل".

____________

عاطف معتمد عبد الحميد، أستاذ مساعد الجغرافيا السياسية بكلية الآداب في جامعة القاهرة.

المراجع:

جلال أمين (1997) ماذا حدث للمصريين، دار الشروق، القاهرة.
جمال حمدان (1993) شخصية مصر، دراسة في عبقرية المكان، دار الهلال.
حسين مؤنس (1955) مصر ورسالتها، طبعة الهيئة المصرية العالمة للكتاب عام 1998، القاهرة.
دوجلاس بريوير و إيملي تيتير (2009) مصر والمصريون، ترجمة عاطف معتمد ومحمد رزق، مكتبة الشروق الدولية.
رؤوف عباس (2000) التنوير بين مصر واليابان، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة.
رفاعة الطهطاوي (1869) مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2010، القاهرة.
زكي نجيب محمود (1997) ثقافتنا في مواجهة العصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
سليمان حزين (1943) البيئة والموقع الجغرافي وأثرهما في تاريخ مصر العام، مجلة الجمعية الجغرافية المصرية، القاهرة.
صفاء حافظ (2010) الموانئ والثغور المصرية من الفتح الإسلامي حتى نهاية العصر الفاطمي، سلسلة تاريخ المصريين، القاهرة.
عاطف معتمد (2009) "مصر.. العدو في الداخل" مقال بصفحة قضايا وتحليلات، الجزيرة نت. [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
895AD427-CF4C-418D-94BB-20ECFAC4CDC8.htm
عبد الحليم نور الدين (2007) تاريخ وحضارة مصر القديمة، مطبوعات كلية الآثار، جامعة القاهرة.
عبد الرحمن الرافعي (1929) تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر، طبعة الهيئة العامة للكتاب عام 1998، القاهرة.
عبد المنعم سعيد (2010) مراجعة للمشهد السياسي المصري، جريدة الأهرام بتاريخ 11 سبتمبر 2010، القاهرة. عزت قرني (2006) تاربخ الفكر السياسي والاجتماعي في مصر الحديثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
لويس عوض (1987) تاريخ الفكر المصري الحديث، مكتبة مدبولي، القاهرة.
محمد الحديدي (2001) استرداد مصر: هل هناك مخرج مما نحن فيه، مركز الحضارة العربية، القاهرة.
محمود الحويري (1996) مصر في العصور الوسطى، مركز عين للدراسات والنشر، القاهرة.
المقريزي، المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار، القاهرة.
يونان لبيب رزق (محرر- 2009) المرجع في تاريخ مصر الحديث والمعاصر. المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.




ثورة أم لا ؟




المدير العام
عضو ممتاز
عضو ممتاز



.....
الباحث عن الحقيقة

.....


****************************


---------------------------------------


----------------------------------------
عدد الرسائل: 4201
العمر: 55
العمل: باحث وكاتب في العلوم ومقارنة الآديان
تاريخ التسجيل: 12/08/2008

http://science.creaforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر.. تبديد أرصدة القوة

مُساهمة من طرف المدير العام في الأحد فبراير 13, 2011 1:47 pm



الأغلبية الساحقة في البرلمان المصري من أعضاء الحزب الحاكم الذي يترأسه رئيس الجمهورية (رويترز-أرشيف)

حسنين توفيق إبراهيم

على الرغم من مضى أكثر من ثلاثة عقود على الانتقال من صيغة التنظيم السياسي الواحد إلى صيغة التعددية الحزبية المقيدة في مصر، إلا أنها لم تشهد تحولاً ديمقراطيًا حقيقيًا؛ حيث أفضت عملية الانتقال إلى مجرد هامش ديمقراطي يتسع أحيانًا ويضيق أحيانًا أخرى طبقًا لإرادة السلطة الحاكمة. وبالتالي فهو لا يستند إلى أسس دستورية وقانونية تجسد ما يُعرف بـ " الدستور الديمقراطي"، ولا إلى تعددية سياسية حقيقية تشكل ركيزة لتحويل مبدأ التداول السلمي للسلطة إلى واقع ملموس، ولا إلى مقومات اقتصادية واجتماعية وثقافية تعزز عملية التحول الديمقراطي وتسهم في ترسيخ ثقافة الديمقراطية؛ ولذلك تصنِّف أدبيات متخصصة في التحول الديمقراطي النظامَ السياسي المصري ضمن فئة النظم المسماة بـ: "شبه التسلطية" أو"التسلطية التنافسية" أو"الديمقراطية الشكلية"1؛ ولذلك فقد أصبح النظام السياسي المصري يمثل حالة نموذجية لنجاح النخبة الحاكمة في تفريغ عملية التحول الديمقراطي من محتواها الحقيقي؛ حيث هندست هذه العملية على النحو الذي يعزز من قدرة النظام على الاستمرار في السلطة، وذلك اعتمادًا على آليات دستورية وقانونية وسياسية وأمنية ليس هنا مجال التفصيل فيها.

ونتيجة لتعثر عملية التحول الديمقراطي فقد بدأت تتراكم مع مرور الوقت ملامح ومؤشرات أزمة بنائية في النظام السياسي المصري. والهدف من هذه الورقة هو رصد وتحليل أبرز مظاهر هذه الأزمة، مع مناقشة أهم تداعياتها القائمة والمحتملة، لاسيما أن أزمة النظام السياسي تفرز العديد من الأزمات في المجالات الأخرى الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، وذلك بحكم المكانة المركزية التي يمثلها النظام السياسي في أية دولة باعتبار أن السياسات العامة التي ينتهجها هي الفيصل في تحديد الأولويات والاختيارات، وتعبئة الموارد والطاقات، ومعالجة المشكلات والتحديات التي تواجه المجتمع، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وحفظ الأمن والاستقرار على الصعيد الداخلي، وحماية الدولة من التهديدات الخارجية.

ولما كان غياب التوازن بين السلطات الثلاث يمثل عاملاً جوهريًا في أزمة النظام السياسي المصري، فإن الورقة سوف تركز على هذا الموضوع، خاصة وأن هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، وضعف استقلال السلطة القضائية قد أسهما إلى جانب عوامل أخرى في انتشار الفساد السياسي والإداري على نطاق واسع، وتراجع هيبة الدولة، وتآكل سيادة القانون.

أولا: الأزمة البنائية في النظام السياسي المظاهر والتداعيات
ثانيا: النظام السياسي ومعضلة الشرعية السياسية

أولا: الأزمة البنائية في النظام السياسي

المظاهر والتداعيات

"
بعد ثلاثة عقود على الانتقال من صيغة التنظيم السياسي الواحد إلى صيغة التعددية الحزبية المقيدة في مصر، إلا أنها لم تشهد تحولاً ديمقراطيًا حقيقيًا؛ حيث أفضت عملية الانتقال إلى مجرد هامش ديمقراطي يتسع أحيانًا ويضيق أحيانًا أخرى طبقًا لإرادة السلطة الحاكمة

"
تتمثل أهم مظاهر الأزمة البنائية التي يعاني منها النظام السياسي المصري فيما يلي:
1. شخصانية السلطة وغياب مبدأ التوازن بين السلطات؛ حيث يمثل التفرد والاستبداد بالسلطة أحد الملامح الرئيسة للنظام السياسي، وذلك بسبب السلطات الدستورية الضخمة التي يتمتع بها رئيس الجمهورية سواء في ظل الظروف العادية أو الاستثنائية. وبحكم رئاسته للحزب الوطني الديمقراطي الذي يحتكر الحياة السياسية في مصر منذ تأسيسه في أواخر سبعينيات القرن العشرين، فإن رئيس الجمهورية يسيطر من الناحية العملية على السلطتين التنفيذية والتشريعية، ناهيك عن صلاحياته القضائية التي يخولها إياه الدستور والقانون. ويشكل هذا الوضع استمرارية لتقاليد "الفرعونية السياسية" التي أصَّل لها المفكر الراحل الدكتور جمال حمدان.

2. غياب مبدأ التداول السلمي للسلطة أو تقاسمها، وهذه نتيجة منطقية لشخصانية السلطة واحتكارها، لاسيما أنه بمقتضى الدستور يستطيع رئيس الجمهورية التأبيد في السلطة، أي الاستمرار في الحكم مدى الحياة.

3. جمود النخبة الحاكمة وتكلسها، فهذه النخبة شاخت في مواقعها على حد تعبير الأستاذ محمد حسنين هيكل. وقد اقترن هذا الوضع بسيادة نزعة تكنوقراطية في تعيين الوزراء؛ ولذلك أصبحت ظاهرة "الوزير غير السياسي المعمر في المنصب" من أبرز ملامح النخبة الوزارية في عهد مبارك. كما ترتب على هذا الوضع غياب أو ضعف قيادات الصف الثاني.2

4. وجود خلل كبير في النظام الحزبي التعددي؛ فالحزب الوطني الديمقراطي يحتكر الأغلبية البرلمانية منذ تأسيسه في أواخر سبعينيات القرن العشرين على نحو ما سبق ذكره. وإلى جواره يوجد حاليًا 23 حزبًا سياسيًا، معظمها غير معروف للمصريين. كما أن أحزاب المعارضة المعروفة مثل التجمع والناصري والوفد الجديد والجبهة الديمقراطية تعاني من الضعف والهشاشة وعدم القدرة على التنسيق الفعال فيما بينها، وذلك لأسباب عديدة لا يتسع المجال للخوض فيها ، الأمر الذي يجعلها غير قادرة على القيام بدور سياسي فاعل ومؤثر. ومن المؤكد أن الحزب الوطني يستمد قوته من عاملين لا علاقة لهما بطبيعته وأدائه كحزب: أولهما: أن رئيس الدولة هو رئيس الحزب، وبالتالي فإذا تخلى الرئيس مبارك عن رئاسة الحزب الوطني فإن دوره سوف يتقلص إلى حد كبير. وثانيهما: التداخل بين أجهزة الحزب وأجهزة الدولة، وتوظيف الأخيرة لحساب الحزب وبخاصة خلال الاستحقاقات الانتخابية؛ ولذلك فإن النظام الحزبي التعددى في مصر هو أقرب إلى نظام الحزب المسيطر أو المهيمن منه إلى نظام التعددية الحزبية بالمعنى المتعارف عليه.

5. استمرار العمل بقانون الطوارئ منذ عام 1981 دون انقطاع. وقد تم تمديده لمدة عامين اعتبارًا من 1/6/ 2010. ورغم تأكيد القرار الجمهوري الخاص بتمديد حالة الطوارئ على أن تطبيق الأحكام المترتبة على ذلك سوف يقتصر على حالات مواجهة أخطار الإرهاب والمخدرات، إلا أن الخبرة تؤكد أن قانون الطوارئ بما يتضمنه من قيود متنوعة على حقوق المواطنين وحرياتهم كثيرًا ما استُخدِم في مواجهة قوى المعارضة السياسية والحركات الاحتجاجية السلمية.3 وقد شكل -ويشكِّل- قانون الطوارئ مرجعية لتزايد اعتماد النظام على القبضة الأمنية؛ حيث أصبح جانب مهم من عمل وزارة الداخلية وأجهزتها المتعددة ينصرف إلى تحقيق الأمن السياسي، الذي هو في نهاية المطاف أمن النظام الحاكم.

6. ضعف المشاركة السياسية؛ حيث بات المصريون في حالة عزوف -أو بالأحرى استقالة- عن السياسة، فالأحزاب السياسية هي في معظمها أحزاب بلا جماهير أو قواعد شعبية حقيقية. كما أن استمرار نهج تزوير الانتخابات والتلاعب في نتائجها، جعل قطاعًا كبيرًا من الناخبين على قناعة بأن أصواتهم لاقيمة لها، وأن نتائج الانتخابات محسومة سلفًا سواء شاركوا فيها أم لم يشاركوا، الأمر الذي أدى إلى ضعف المشاركة في الانتخابات. وقد ترسخت هذه القناعة بعد إلغاء دور القضاء في الإشراف على الانتخابات بموجب التعديلات التي أُدخلت على الدستور في عام 2007. وجاءت انتخابات التجديد النصف لمجلس الشورى في يونيو عام 2010 لتؤكد هذه الحقيقة بشكل جلي وواضح. كما أن الحركات السياسية الجديدة، وعلى الرغم من أهمية الدور الذي تقوم به في عملية الحراك السياسي التي تشهدها مصر، إلا أنها تظل حركات نخبوية.

7. غياب أو ضعف مصداقية الخطاب السياسي الرسمي، وذلك لوجود فجوة كبيرة بين القول والفعل؛ فعلى سبيل المثال، عندما يؤكد كبار المسئولين والكتاب الذين يدورون في فلك السلطة على أن مصر تعيش في عهد مبارك أزهى عصور الحرية والديمقراطية والازدهار، فإنهم يبدون وكأنهم يتحدثون عن مصر أخرى غير تلك التي يعرفها المصريون ويعيشون فيها. وعندما يؤكد الخطاب السياسي الرسمي على أن رعاية الفقراء ومحدودي الدخل في مقدمة أولويات الحكومة والحزب الوطني، فإن التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية الحادة التي تشهدها مصر تجعل مثل هذا القول فاقدًا لأية مصداقية.

8. غموض مستقبل النظام السياسي، وبخاصة في ظل الحالة الصحية للرئيس مبارك (82 عامًا)، واستمرار الجدل السياسي حول ملف التوريث؛ وبذلك فإن أسئلة من قبيل: من هو الرئيس القادم لمصر؟، وماذا بعد مبارك؟ أصبحت مطروحة على نطاق واسع سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي4 . ولاشك في أن مجرد اختزال واقع ومستقبل التطور السياسي في مصر في شخص رئيس الجمهورية، مع ما يمثله موقع الرئيس من أهمية كبيرة، إنما يُعد أحد المؤشرات المهمة على الأزمة البنائية التي يعاني منها النظام السياسي.

وبإيجاز يمكن القول: إن الأزمة البنائية في النظام السياسي المصري إنما تعكس عدة فجوات كبرى تؤثر بالسلب على التطور السياسي في البلاد. فهناك فجوة بين الأطر الدستورية/القانونية والممارسات العملية، وفجوة ثانية بين التحولات المتسارعة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وحالة الجمود أو شبه الجمود السائدة على المستوى السياسي والمؤسسي، وفجوة ثالثة بين الخطاب السياسي الرسمي والممارسات الحكومية، وفجوة رابعة بين الدولة والمجتمع، وفجوة خامسة بين النظام الحاكم وقوى المعارضة، ناهيك عن الفجوات الموجودة فيما بين قوى وأحزاب المعارضة.

"
تصنِّف أدبيات متخصصة في التحول الديمقراطي النظامَ السياسي المصري ضمن فئة النظم المسماة بـ: "شبه التسلطية" ولذلك فقد أصبح النظام السياسي المصري يمثل حالة نموذجية لنجاح النخبة الحاكمة في تفريغ عملية التحول الديمقراطي من محتواها الحقيقي

"

وقد أفرزت الأزمة البنائية التي يعاني منها النظام السياسي المصري جملة من النتائج والتداعيات الخطيرة على الدولة والمجتمع، منها: تراجع هيبة الدولة، وتآكل سيادة القانون، وحدوث حالة من الانفلات والفوضى في المجتمع وبخاصة في ظل تركيز أجهزة النظام على الأمن السياسي بمعناه الضيق، فضلاً عن استشراء الفساد السياسي والإداري وبخاصة في ظل تمدد ظاهرة الزواج غير الشرعي بين الثروة والسلطة، وتزايد حدة التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية، وكثرة التوترات والمشاحنات الطائفية، واتساع نطاق الاحتقان بين السلطة والمجتمع، وهو ما يتجلى بوضوح في تصاعد موجة الاحتجاجات العامة التي تنخرط فيها فئات اجتماعية عديدة بقصد طرح مطالب فئوية خاصة بها، والضغط على الحكومة من أجل تلبيتها. وقد لخص الأستاذ محمد حسنين هيكل هذا الواقع بقوله: "لدينا أزمة عدل، وأزمة قانون، وأزمة إدارة، وأزمة ثقة.. ولم نصل من قبل إلى هذا التفاوت بين سكان القصور وسكان القبور".5

ومما يزيد من خطورة الوضع أن النظام الحاكم لا يمتلك رؤية واضحة للخروج من المأزق الراهن، فليس لديه القدرة على المواجهة الحقيقية والجادة للمشكلات القائمة، والتي أسهمت سياساته الفاشلة والمتخبطة على مدى العقود الثلاثة الماضية في خلق بعضها وزيادة حدة بعضها الآخر، وليس لديه مشروع وطني ملهم للنهضة والتقدم، بحيث يبلور حوله نوعًا من الإجماع الوطني أو التوافق المجتمعي، ويحشد الإمكانات والطاقات المتاحة من أجل تحقيقه، ناهيك عن عدم قدرته على بلورة رؤية مستقبلية للتعامل مع التحديات المحتملة سواء أكانت داخلية أو خارجية.

غياب التوازن بين السلطات: هيمنة السلطة التنفيذية

إن أحد أبرز العوامل التي أسهمت في خلق وتعميق الأزمة البنائية التي يعاني منها النظام السياسي المصري يتمثل في غياب مبدأ التوازن بين السلطات؛ حيث تهيمن السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، كما تقوم بدور في تقليص استقلال السلطة القضائية. وفيما يلي شرح وتحليل للسلطات والصلاحيات الدستورية المخولة لكل من السلطات الثلاث، وهو الأمر الذي يكشف عن مدى الخلل في التوازن بين هذه السلطات، وهو ما ينعكس على طبيعة العلاقة بينها.6

1- السلطة التنفيذية
طبقًا للدستور، تتكون السلطة التنفيذية من رئيس الجمهورية والحكومة والإدارة المحلية والمجالس القومية المتخصصة.
أ. رئيس الجمهورية
من نافلة القول: إن رئيس الجمهورية يهيمن على مقاليد السلطة وعملية صنع القرار في مصر، الأمر الذي يجعله محور النظام السياسي، وذلك بحكم سلطاته وصلاحياته شبه المطلقة التي يخولها له الدستور، سواء في ظل الظروف العادية أو الاستثنائية.7 وفى هذا السياق، فقد قال المستشار طارق البشرى: إن سلطات رئيس الجمهورية في مصر تتجـاوز سلطات الإمام في فقه الشيعة8؛ فطبقًا للدستور يتولى رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية ويمارسها على الوجه المبين في الدستور (المادة 137). كما يضع بالاشتراك مع مجلس الوزراء السياسة العامة للدولة ويشرفان على تنفيذها على الوجه المبين في الدستور.

ويمارس الرئيس الاختصاصات المنصوص عليها في المواد 144و145 و146و147 بعد موافقة مجلس الوزراء، والاختصاصات المنصوص عليها في المواد 108 و148 و151 بعد أخذ رأيه (المادة 138).

كما أن رئيس الجمهورية هو الذي يعين رئيس مجلس الوزراء ويعفيه من منصبه، ويكون تعيين نواب رئيس مجلس الوزراء والوزراء ونوابهم وإعفائهم من مناصبهم بقرار من رئيس الجمهورية بعد أخذ رأى رئيس مجلس الوزراء (المادة 141). ولرئيس الجمهورية كذلك حق دعوة مجلس الوزراء للانعقاد وحضور جلساته، وتكون له رئاسة الجلسات التي يحضرها. كما يكون له حق طلب تقارير من الوزراء (المادة 142). ورئيس الجمهورية هو الذي يعين الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين ويعزلهم على الوجه المبين في القانون (المادة 143). كما أن للرئيس حق إحالة الوزير للمحاكمة على يقع منه من جرائم أثناء تأدية أعمال وظيفته أو بسببها (المادة 159).
ويخول الدستور رئيس الجمهورية صلاحية إصدار اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين، وله أن يفوض غيره في إصدارها (المادة 144)، وكذلك إصدار لوائح الضبط (المادة 145)، وإصدار القرارات اللازمة لإنشاء وتنظيم المرافق والمصالح العامة (المادة 146). كما أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو الذي يعلن الحرب بعد موافقة مجلس الشعب (المادة 150). ويتولى كذلك رئاسة مجلس الدفاع الوطني (المادة 182). كما أن له حق إبرام المعاهدات على أن يبلغها مجلس الشعب مشفوعة بما يناسب من البيان، وتكون لها قوة القانون بعد إبرامها والتصديق عليا ونشرها طبقًا للأوضاع المقررة (المادة 151). وله كذلك أن يستفتي الشعب في المسائل المهمة التي تتصل بمصالح البلاد العليا (المادة 152)، وهو صاحب السلطة التقديرية في تحديد ماهية هذه المسائل.

وبالإضافة إلى سلطاته وصلاحياته التنفيذية، فإن لرئيس الجمهورية سلطات وصلاحيات تشريعية سواء في ظل الظروف العادية أو الاستثنائية؛ ففي الظروف العادية، يتمتع رئيس الجمهورية بالحق في اقتراح مشروعات القوانين (المادة 109)، والحق في إصدار القوانين التي يقرها مجلس الشعب أو الاعتراض عليها (المادة 112). كما أن له الحق في طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور (المادة 189)، فضلاً عن حقه في تعيين ما لا يزيد عن عشرة أعضاء في مجلس الشعب مع بداية كل فصل تشريعي (المادة 87).
ورغم أن بعض الصلاحيات التشريعية المخولة للرئيس مكفولة أيضًا لأعضاء مجلس الشعب مثل اقتراح مشروعات القوانين وطلب تعديل الدستور، إلا أن الدستور يحيط ممارسة هذه الصلاحيات من قبل الأعضاء ببعض القيود التي لا تنطبق على ممارستها من قبل الرئيس؛ فبالنسبة لمشروعات القوانين المقدمة من أعضاء مجلس الشعب، فإنها لا تُحال إلى لجان المجلس لفحصها وتقديم تقارير عنها، إلا بعد فحصها أمام لجنة خاصة لإبداء الرأي في جواز نظر المجلس فيها، وبعد أن يقرر المجلس ذلك (المادة 110)، وكل مشروع قانون اقترحه أحد أعضاء مجلس الشعب ورفضه المجلس لا يجوز تقديمه ثانية في نفس دور الانعقاد (المادة 111)، أما بالنسبة لطلب تعديل الدستور من جانب المجلس، فإنه يجب أن يكون موقعًا من قبل ثلث أعضاء المجلس على الأقل (المادة 189)؛ ولذلك يُلاحَظ أن التعديلين الدستوريين خلال عهد الرئيس مبارك قد تما بمبادرة منه.

أما في الظروف الاستثنائية، وطبقًا للدستور فإنه يحق لرئيس الجمهورية " إذا قام خطر حال وجسيم يهدد الوحدة الوطنية، أو سلامة الوطن، أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر بعد أخذ رأى رئيس مجلس الوزراء ورئيسي مجلسي الشعب والشورى، ويوجه بيانًا إلى الشعب، ويجرى الاستفتاء على ما اتخذه من إجراءات خلال ستين يومًا من اتخاذها، ولا يجوز حل مجلس الشعب في أثناء ممارسة هذه السلطات" (المادة 74). كما يخول الدستور رئيس الجمهورية عند الضرورة، وفى الأحوال الاستثنائية، سلطة إصدار قرارات لها قوة القانون، وذلك بناء على تفويض من مجلس الشعب بأغلبية ثلثي الأعضاء (المادة 108). ويخوله كذلك سلطة إصدار قرارات لها قوة القانون في حالة غيبة مجلس الشعب، وحدوث ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير( المادة 147)، إلا أنه يبقى للرئيس سلطة تقديرية في تحديد ماهية الظروف التي تستوجب اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير. ويحق للرئيس كذلك إعلان حالة الطوارئ على النحو المبين في القانون (المادة 148).
كما أن لرئيس الجمهورية حق إصدار قرار بحل مجلس الشعب عند الضرورة دون إجراء استفتاء شعبي.

"
ثمة اتفاق بين كثير من الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني وأهل الرأي والفكر على أن الإصلاح الدستوري والسياسي الحقيقي -وليس المغشوش- هو السبيل الوحيد لمعالجة أزمة النظام السياسي وإعادة بنائه على أسس جديدة

"
وفي هذه الحالة يجب أن يتضمن قرار الحل دعوة الناخبين لإجراء انتخابات جديدة لمجلس الشعب في ميعاد لايجاوز ستين يومًا من تاريخ صدور قرار الحل (136). وهذه المادة قبل تعديلها في عام 2007 كانت تقيد سلطة رئيس الجمهورية في حل مجلس الشعب عند الضرورة بإجراء استفتاء شعبي. كما أن من سلطة رئيس الجمهورية تعيين ثلث أعضاء مجلس الشورى (المادة 196)، وله كذلك حق حل مجلس الشورى عند الضرورة مع دعوة الناخبين لإجراء انتخابات جديدة لمجلس الشورى في ميعاد لايجاوز ستين يومًا من تاريخ صدور قرار الحل (المادة 204). كما أن المجالس القومية المتخصصة تتبع رئيس الجمهورية (المادة 164).
وإلى جانب سلطاته وصلاحياته التنفيذية والتشريعية، فإن لرئيس الجمهورية سلطات وصلاحيات قضائية منها. أنه يتولى رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، الذي يضم رؤساء الهيئات القضائية، ويرعى شؤونها المشتركة (المادة 173) . وبمقتضى التعديل الدستوري عام 2007، أصبح من سلطة رئيس الجمهورية أن يحيل أي جريمة من جرائم الإرهاب إلى أية جهة قضاء منصوص عليها في الدستور أو القانون (المادة 179).

وبالإضافة إلى كافة السلطات والصلاحيات الدستورية التي يتمتع بها رئيس الجمهورية فإنه يترأس الحزب الوطني الديمقراطي، الذي يحتكر الأغلبية في مجلس الشعب منذ تأسيسه، الأمر الذي يجعل الرئيس يسيطر من الناحية العملية على السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وإذا كان مبدأ أن السلطة لابد أن تقابلها مسؤولية هو من المبادئ الأساسية للحياة الدستورية، فالمُلاحظ أن السلطات والصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها رئيس الجمهورية في مصر لا تقابلها أية مسؤولية حقيقية من الناحية العملية، وكل مايتضمنه الدستور في هذا الشأن هو " أن يكون اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى أو بارتكاب جريمة جنائية بناء على اقتراح من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل، ولايصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس... وتكون محاكمة رئيس الجمهورية أمام محكمة خاصة، ينظم القانون تشكيلها، وإجراءات المحاكمة أمامها ويحدد العقاب..." (المادة 85)، وواضح أن الشروط التي تتضمنها هذه المادة تجعلها غير ذات موضوع في ضوء سيطرة رئيس الدولة على السلطة التشريعية بحكم رئاسته للحزب الوطني الديمقراطي الذي يحتكر الأغلبية في مجلس الشعب على نحو ماسبق ذكره. كما أن القانون الخاص بمحاكمــة رئيس الجمهورية لم يصدر حتى الآن.

ب. الحكومة
ينص الدستور على أن الحكومة هي الهيئة التنفيذية والإدارية العليا للدولة، وتتكون من رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم (المادة 153). وتتمثل اختصاصات مجلس الوزراء في: الاشتراك مع رئيس الجمهورية في وضع السياسة العامة للدولة، والإشراف على تنفيذها وفقا للقوانين والقرارات الجمهورية، وتوجيه وتنسيق أعمال الوزارات والجهات التابعة لها والهيئات والمؤسسات العامة، وإصدار القرارات الإدارية والتنفيذية، وإعداد مشروعات القوانين والقرارات، وإعداد مشروع الموازنة العامة للدولة، وإعداد مشروع الخطة العامة للدولة، وعقد القروض ومنحها طبقا لأحكام الدستور، وملاحظة تنفيذ القوانين والمحافظة على أمن الدولة وحماية حقوق المواطنين ومصالح الدولة (المادة 156). كما يجوز لرئيس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم أن يكونوا أعضاء في مجلس الشعب. كما يجوز لغير الأعضاء منهم حضور جلسات المجلس ولجانه (المادة 134).

ومع أن الدستور قد نص على أن "الوزراء مسؤولون أمام مجلس الشعب عن السياسة العامة للدولة، وكل وزير مسؤول عن أعمال وزارته، ولمجلس الشعب أن يقرر سحب الثقة من أحد نواب رئيس الوزراء أو أحد الوزراء أو نوابهم"، إلا أنه قيَّد ذلك بعدة ضوابط، وهي أنه "لا يجوز عرض طلب سحب الثقة إلا بعد استجواب، وبناء على اقتراح عشر أعضاء المجلس. ولايجوز للمجلس أن يصدر قراره في الطلب قبل ثلاثة أيام على الأقل من تقديمه، ويكون سحب الثقة بأغلبية أعضاء المجلس" (مادة 126). وعلى الرغم من أن مجلس الشعب يمتلك هذه السلطة الرقابية، إلا أنه لم يقم بسحب الثقة من أي وزير منذ الأخذ بالتعددية السياسية في منتصف سبعينيات القرن العشرين على نحو ما سيأتى ذكره فيما بعد.

وعلى الرغم من أن التعديلات الدستورية في عام 2007 قد عززت بدرجة ما من صلاحيات مجلس الوزراء؛ حيث أصبحت ممارسة رئيس الجمهورية لبعض صلاحياته معلقة على موافقة مجلس الوزراء في بعض الحالات، وأخذ رأيه في حالات أخرى (المواد 74 و138و141)، إلا أن الإبقاء على طريقة تعيين رئيس مجلس الوزراء وإعفائه من منصبه دون تعديل؛ حيث إن ذلك هو اختصاص أصيل لرئيس الجمهورية، إنما يقلل من أهمية التعديلات الدستورية من الناحية العملية، حيث تبقى العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء مجرد علاقة بين رئيس ومرؤوس، ولايُتصور أن يرفض المرؤوس قرارًا لرئيسه، وبخاصة في ظل غلبة الطابع التكنوقراطى على عملية تعيين رئيس الوزراء والوزراء في عهد مبارك.9

2- السلطة التشريعية

لقد حدد الدستور سلطات مجلس الشعب سواء أكانت سلطات تشريعية أو مالية أو رقابية10؛ ففي مجال التشريع: لكل عضو من أعضاء مجلس الشعب حق اقتراح مشروعات القوانين حسب إجراءات حددها الدستور (المواد 109، 110، 111). أما الاختصاص المالي لمجلس الشعب، فيتمثل في: إقرار الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ( المادة 114)، كما يجب عرض الموازنة العامة على مجلس الشعب قبل ثلاثة أشهر على الأقل من بدء السنة المالية، ولا تُعتبر نافذة إلا بموافقته عليها، ويجوز لمجلس الشعب أن يعدل النفقات الواردة في مشروع الموازنة، عدا التي ترد تنفيذًا لالتزام محدد على الدولة. وإذا ترتب على التعديل زيادة في النفقات وجب أن يتفق المجلس مع الحكومة على تدبير مصادر للإيرادات بما يحقق إعادة التوازن بينها وبين النفقات (المادة 115). ومن المعروف أن هذه المادة كانت من بين المواد التي شملها التعديل الدستوري عام 2007. وبمقتضى التعديل أصبح من حق المجلس أن يعدل النفقات الواردة في مشروع الموازنة دون أن يكون ذلك معلقًا على شرط موافقة الحكومة كما كانت تنص المادة قبل التعديل.
وطبقا للدستور، فإنه يجب عرض الحساب الختامي لميزانية الدولة على مجلس الشعب في مدة لاتزيد عن ستة أشهر من تاريخ انتهاء السنة المالية، ويتم التصويت عليه بابًا بابًا، ويصدر بقانون، كما يجب عرض التقرير السنوي للجهاز المركزي للمحاسبات وملاحظاته على مجلس الشعب، وللمجلس أن يطلب من الجهاز المركزي للمحاسبات أي بيانات أو تقارير أخرى (المادة 118). وبالإضافة إلى ذلك فإن إنشاء الضرائب العامة أو تعديلها أو إلغاءها لايكون إلا بقانون (المادة 119). ولايجوز للسلطة التنفيذية عقد قروض أو الارتباط بمشروع يترتب عليه إنفاق مبالغ من خزانة الدولة في فترة مقبلة إلا بموافقة مجلس الشعب (المادة 121).

أما بالنسبة للسلطات والصلاحيات الرقابية لمجلس الشعب فهي تتمثل في أنه يحق لكل عضو من أعضاء مجلس الشعب أن يوجه إلى رئيس مجلس الوزراء أو أحد نوابه أو أحد الوزراء أو نوابهم أسئلة في أي موضوع يدخل في اختصاصهم (المادة 124)، كما أن لكل عضو من أعضاء مجلس الشعب حق توجيه استجوابات إلى رئيس مجلس الوزراء أو نوابه أو الوزراء أو نوابهم لمحاسبتهم في الشؤون التي تدخل في اختصاصاتهم، وتجرى المناقشة في الاستجواب بعد سبعة أيام على الأقل من تقديمه، إلا في حالات الاستعجال التي يراها المجلس وبموافقة الحكومة (المادة 125). والوزراء مسؤولون أمام مجلس الشعب عن السياسة العامة للدولة، وكل وزير مسؤول عن أعمال وزارته، ولمجلس الشعب أن يقرر سحب الثقة من أحد نواب رئيس مجلس الوزراء أو أحد الوزراء أو نوابهم، ولايجوز عرض طلب سحب الثقة إلا بعد استجواب، وبناء على اقتراح عُشر أعضاء المجلس، ويكون سحب الثقة بأغلبية أعضاء المجلس (126).

كما أن لمجلس الشعب أن يقرر بناء على طلب عُشر أعضائه مسؤولية رئيس مجلس الوزراء، ويصدر القرار بأغلبية أعضاء المجلس، وذلك بناء على إجراءات وضوابط حددها الدستور (127). ويجوز لعشرين عضوًا على الأقل من أعضاء مجلس الشعب طرح موضوع عام للمناقشة لاستيضاح سياسية الوزارة بشأنه (المادة 129)، ولأعضاء المجلس كذلك إبداء رغبات في موضوعات عامة إلى رئيس مجلس الوزراء أو أحد نوابه أو أحد الوزراء (المادة 130)، كما أن لمجلس الشعب كذلك أن يكوِّن لجنة خاصة أو يكلف لجنة من لجانه بفحص نشاط إحدى المصالح الإدارية أو المؤسسات العامة، أو أي مشروع من المشروعات العامة من أجل تقصي الحقائق (المادة 131). وبموجب الدستور فإنه يتعين على رئيس مجلس الوزراء تقديم برنامج الوزارة خلال ستين يومًا من تأليفها إلى مجلس الشعب أو في أول اجتماع له إذا كان غائبًا، وإذا لم يوافق المجلس على هذا البرنامج بأغلبية أعضائه قَبِل رئيس الجمهورية استقالة الوزارة، وإذا لم يوافق المجلس على برنامج الوزارة الجديدة، كان لرئيس الجمهورية أن يحل المجلس أو يقبل استقالة الوزارة (المادة 133).

أما بالنسبة لمجلس الشورى، فهو يختص طبقًا للمادة 194 من الدستور بدراسة واقتراح ما يراه كفيلاً بالحفاظ على دعم الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، وحماية المقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا والحقوق والحريات والواجبات العامة. كما عزز التعديل الدستوري عام 2007 من صلاحيات مجلس الشورى؛ إذ شمل التعديل المادة 194، وبمقتضى ذلك أصبحت موافقة المجلس واجبة على: الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو أكثر مواد الدستور، على أن تسرى على مناقشة التعديل والموافقة عليه بالمجلس الأحكام المنصوص عليها في المادة 189، ومشروعات القوانين المكملة للدستور التي نصت عليها العديد من مواده، ومعاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التي يترتب عليها تعديل في أراضى الدولة والتي تتعلق بحقوق السيادة. وقد تضمن الدستور آلية لمعالجة أي خلاف ينشأ بين مجلسي الشعب والشورى بشأن ممارسة الصلاحيات المنوطة بكل منهما (المادة 194). وبموجب المادة 195 من الدستور التي شملها التعديل الدستوري عام 2007، فقد أصبح يتعين أخذ رأى مجلس الشورى في: مشروع الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومشروعات القوانين التي يحيلها إليه رئيس الجمهورية، ومايحيله رئيس الجمهورية إلى المجلس من موضوعات تتصل بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها في الشؤون العربية أو الخارجية.

وعلى الرغم من السلطات والصلاحيات التشريعية والرقابية التي يتمتع بها مجلس الشعب من الناحية الدستورية، إلا أن دوره في الحياة السياسية يتسم بالضعف والهشاشة؛ فعلى صعيد عملية التشريع، أكدت -وتؤكد- خبرة الممارسة العملية أن الحكومة هي التي تقدم الغالبية العظمى من مشروعات القوانين، ويقوم مجلس الشعب بمناقشتها وإقرارها بدون تعديل أو بعد إدخال تعديلات طفيفة على بعضها. وعلى الرغم من أن بعض مشروعات القوانين التي قدمتها الحكومة قد جرى بشأنها مناقشات جادة تحت قبة البرلمان، ورغم اعتراض نواب المعارضة على بعض القوانين، إلا أن ذلك لم يغير من واقع الأمر شيئًا؛ حيث إن الأغلبية التي يتمتع بها الحزب الوطني الديمقراطي داخل البرلمان تسمح للحكومة بتمرير القوانين التي تريدها. ونظرًا لأن بعض القوانين لا تأخذ حظها الكافي من الدراسة والبحث والمناقشة؛ حيث يتم إعدادها على عجل من قبل الحكومة، ويجرى تمريرها بسرعة داخل مجلس الشعب، فإنها تخرج معيبة دستوريًا، وتصبح عرضة للطعن في دستوريتها. وكثيرًا ما حكمت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قوانين أقرها المجلس11. كما أن هذه القوانين تصبح عرضة لكثرة التعديل بكل مايترتب على ذلك من سلبيات.

ورغم أن لمجلس الشعب سلطات رقابية، إلا أنه لا يمارس هذه السلطات كما يجب، وبما يعزز من دوره في مراقبة أعمال الحكومة، حيث يُلاحظ أن أساليب الرقابة الأقل تأثيرًا مثل الأسئلة هي التي تطغى على النشاط الرقابي للمجلس مقارنة بأساليب الرقابة الأكثر فاعلية مثل الاستجوابات، وطلبات الإحاطة، وتشكيل لجان تقصى الحقائق. وأكثر من هذا فإن الأساليب الإجرائية لعمل المجلس كثيرًا ما فرَّغت الاستجواب -باعتباره أكثر أساليب الرقابة البرلمانية فاعلية- من محتواه؛ وذلك نظرًا لعدم مناقشة بعض الاستجوابات لتأخير مواعيد مناقشتها إلى قرب نهاية الدورة البرلمانية بحيث تنفض الدورة دون مناقشة هذه الاستجوابات، أو أن تتم مناقشة عدة استجوابات في جلسة واحدة، بحيث لا يأخذ الاستجواب حقه من العرض والمناقشة.

وفي ضوء ذلك، فإنه ليس من قبيل المصادفة أن كل الاستجوابات التي تم مناقشتها تحت قبة مجلس الشعب منذ الفصل التشريعي الأول (1971- 1976) حتى الآن، انتهى الأمر بشأنها إلى موافقة المجلس إلى إغلاق باب المناقشة والانتقال إلى جدول الأعمال، بل إنه كثيرًا ما أيد المجلس بالأغلبية سياسة رئيس الوزراء أو الوزير المستجوب، بما يعنى أن الاستجواب كأن لم يكن12؛ ولذلك لم يحدث أن قام مجلس الشعب بسحب الثقة من وزير، كما لم يحدث في تاريخ مصر أن سقطت حكومة بسبب فقد الثقة من خلال البرلمان منذ نشأته عام 1866. 13

وعلى الرغم من أن التعديلات الدستورية في عام 2007 قد عززت من سلطات وصلاحيات السلطة التشريعية ممثلة في مجلسي الشعب والشورى (المواد 115 و118 و127و 133 و 194 و195)، إلا أن ذلك يُعتبر محدود الأهمية من زاوية تحقيق التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية؛ حيث بقيت معظم سلطات الرئيس وصلاحياته سالفة الذكر دون تعديل. كما أن التعديلات الدستورية خولته سلطات وصلاحيات جديدة من أهمها ماجاء في المادة 136؛ حيث أصبح من حقه إصدار قرار بحل مجلس الشعب عند الضرورة دون إجراء استفتاء شعبي كما كانت هذه المادة تنص قبل التعديل.

كما أن العبرة في نهاية المطاف ليس بمجرد منح صلاحيات جديدة للسلطة التشريعية فحسب، ولكن بمدى فاعليتها في ممارسة صلاحياتها. وتؤكد الخبرة السياسية المصرية أن مجلس الشعب لا يمارس سلطاته بفاعلية لاعتبارات عديدة منها: أن بعض القيود والضوابط التي يتضمنها الدستور بشأن ممارسة مجلس الشعب لبعض صلاحياته التشريعية والرقابية، وكذلك الأساليب الإجرائية لعمل المجلس تحد من فاعليته في ممارسة دوره التشريعي والرقابي. وبالإضافة إلى ذلك فإن احتكار الحزب الوطني الديمقراطي للأغلبية البرلمانية منذ تأسيسه قد انعكس بالسلب على الدور السياسي لمجلس الشعب، لا سيما أن رئيس الدولة هو رئيس الحزب الوطني، أي هو المسيطر على السلطتين التنفيذية والتشريعية. وفى ضوء هذا الواقع، دأب الحزب الوطني الديمقراطي مستندًا إلى أغلبيته المصنعة على تمرير مشروعات القوانين التي تتقدم بها الحكومة، وتجنب استخدام الأساليب البرلمانية الأكثر فاعلية في ممارسة الرقابة على أعمالها وفى مقدمتها الاستجواب، فضلاً عن إجهاض محاولات نواب المعارضة بشأن استخدام بعض أدوات الرقابية البرلمانية بشكل فعَّال. ناهيك عن الممارسات السلبية لكثير من أعضاء مجلس الشعب مثل التغيب عن حضور الجلسات، أو النوم أثناءها، أو ضعف المشاركة في أعمال المجلس، أو اللهاث خلف الوزراء من أجل الحصول على تأشيرات، علاوة على انخراط بعض النواب في ممارسات فاسدة، ومن ذلك على سبيل المثال: "نواب القروض"، و"نواب الكيف"، و"نواب العلاج على نفقة الدولة".

3- السلطة القضائية

يشكِّل استقلال القضاء أحد المؤشرات الأساسية لدرجة التطور الديمقراطي. وعلى الرغم من أن الدستور المصري ينص على أن السلطة القضائية مستقلة (المادة 165)، وأن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون (المادة 166)، ومع التسليم بالاستقلال النسبي الذي تتمتع به السلطة القضائية في ممارساتها لصلاحياتها، إلا أن هناك بعض المتغيرات المرتبطة بطبيعة النظام السياسي، وبهيكل السلطة القضائية ذاتها كانت -ولاتزال- لها تأثيراتها السلبية على درجة استقلال القضاء، ومنها على سبيل المثال: أن الدستور أحال تنظيم الهيئات القضائية، واختصاصاتها، وطريقة تشكيلها، وإجراءات تعيين أعضائها ونقلهم إلى القانون (المادة 167)، الأمر الذي يمكن السلطة التنفيذية من الحد من استقلال القضاة بأشكال مختلفة، خاصة وأنها تتحكم -من الناحية الفعلية- في العملية التشريعية باعتبار أن حزب الحكومة أو بالأحرى حزب رئيس الجمهورية هو الذي يحتكر الأغلبية البرلمانية في مجلسي الشعب والشورى.

وقد خاض القضاة خلال الفترة من 2005- 2007 صراعًا سلميًا مع الدولة كان عنوانه استقلال القضاء؛ حيث حاولت السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل على خلفية دور القضاة في الإشراف على الانتخابات التشريعية عام 2005، والذي حقق لها درجة يُعتَد بها من النزاهة، حاولت استخدام بعض التعديلات على قانون السلطة القضائية كأداة للحد من استقلال القضاة من خلال التحكم في شؤونهم الإدارية والوظيفية وممارسة التفتيش القضائي، ناهيك عن محاولات تسييس القضاء واحتوائه، وهو ما رفضه غالبية القضاة بشدة.14

كما أن استمرار العمل بقانون الطوارئ، وبمجموعة من القوانين التي صدرت في فترات استثنائية من تاريخ مصر، والتي تتضمن قيودًا عديدة على حقوق المواطنين وحرياتهم قد أدى إلى بروز قضاء استننائى مواز للقضاء الطبيعي؛ حيث تضمن بعض هذه القوانين إنشاء محاكم استثنائية تختلف عن المحاكم العادية من حيث طريقة تشكيل هيئاتها القضائية حيث تضم أشخاصا من غير أعضاء السلك القضائي. ومن هذه المحاكم محكمة أمن الدولة طوارئ المرتبطة بقانون الطوارئ 15. كما دأبت السلطة على إحالة مدنيين إلى القضاء العسكري.

وبموجب التعديل الدستوري عام 2007 أصبح من حق رئيس الجمهورية إحالة أية جريمة من جرائم الإرهاب إلى أية جهة قضائية يتضمنها الدستور والقانون. وبذلك يصبح أي قرار لرئيس الجمهورية بهذا الشأن محصنًا ضد الطعن فيه بعدم الدستورية. وينطوي هذا الأمر على خطورة كبيرة في ظل التعريف الفضفاض والمطاط للإرهاب والجرائم الإرهابية، فضلاً عن كونه يتعارض مع مبدأ دستوري أصيل وهو كفالة حق المتهم في محاكمة عادلة أمام قاضيه الطبيعي16.

وفى ضوء ما سبق، يمكن القول: إن التطورات السياسية والتشريعية التي شهدتها مصر في ظل التعددية السياسية المقيدة قد أوجدت نوعًا من الازدواجية في النظام القضائي المصري؛ حيث أصبح هناك قضاء عادى وآخر استثنائي. وقد اقترن بذلك زيادة اللجوء إلى إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري في قضايا العنف والتطرف التي شهدتها مصر خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، وهو أمر كان محل جدل سياسي وقانوني واسع. كما تعرف مصر ظاهرة أخرى تقلل من مردود استقلال القضاء من الناحية العملية وهى ضعف تنفيذ الأحكام القضائية؛ مما يؤثر بالسلب على هيبة الحكم القضائي وفاعليته، فما قيمة أن يحصل صاحب الحق على حقه بموجب حكم قضائي ثم يبقى هذا الحكم دون تنفيذ؟!

ثانيا: النظام السياسي ومعضلة الشرعية السياسية

إن الخلل الكبير في التوازن بين السلطات، وتعثر عملية التحول الديمقراطي قد أسهما في تعميق أزمة الشرعية السياسية التي يعاني منها النظام السياسي المصري، لاسيما أنه أخفق في خلق مصادر جديدة للشرعية في ظل صعوبة اعتماده على الكاريزما كمصدر للشرعية، وضعف قدرته على توظيف الدين في هذا المجال؛ حيث تؤكد أجهزته ليل نهار على عدم الخلط بين الدين والسياسة من أجل محاصرة جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الجماعات والتنظيمات الإسلامية. وأكثر من هذا، فقد أخفق النظام إخفاقًا كبيرًا في الاعتماد على الشرعية الدستورية؛ حيث فرغ عملية التحول الديمقراطي من محتواها الحقيقي على نحو ما سبق ذكره، وبالتالي فإن أي حديث عن شرعية دستورية ديمقراطية للنظام لا قيمة له في ظل استمرار ظواهر سياسية سلبية مثل: احتكار السلطة، وتزوير الانتخابات، وضعف مبدأ المساءلة والمحاسبة، وفرض القيود على منظمات المجتمع المدني، وانتهاك حقوق الإنسان.

كما أن النظام السياسي فشل فشلاً ذريعًا في خلق وتكريس ما يُعرف بـ"شرعية الإنجاز"، وهى شرعية لا يستغني عنها أي نظام سياسي، إذ تتمثل في قدرته على مواجهة المشكلات والتحديات التي تواجه المجتمع بفاعلية وكفاءة على نحو يحقق إشباع الحاجات الأساسية للمواطنين، ويوفر لهم الأمن والطمأنينة. وفى هذا السياق، فقد أدت السياسات السيئة التي انتهجها النظام المصري على مدى مايقرب من ثلاثة عقود إلى تفاقم حدة بعض المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وخلق مشكلات جديدة، وتدهور أوضاع قطاعات واسعة من المصريين بحيث أصبحت تحت خط الفقر، واستشراء الفساد بشكل يكاد يكون غير مسبوق في تاريخ مصر الحديث. وقد قاد كل ذلك إلى وجود حالة من التدهور العام أصابت مختلف مجالات الحياة وبخاصة التعليم والصحة والإسكان والمواصلات والرياضة والثقافة وغيرها، ناهيك عن تراجع الدور الخارجي لمصر سواء على الصعيد الإقليمي أو العالمي، أي أن النظام فشل في تحقيق التنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية على الصعيد الداخلي، كما أنه فشل في تعزيز مكانة مصر على الصعيد الخارجي.

ومن المؤكد أن فشل النظام في أن يتخذ من الإنجاز مصدرًا للشرعية إنما هو محصلة طبيعية لترهل أجهزة الدولة ومؤسساتها، وتردي مستوى أدائها، وغياب التنسيق الفعال فيما بينها، واستشراء الفساد فيها، فضلاً عن التخبط في وضع السياسات العامة وعدم وضوح أولوياتها، وغياب أو ضعف مبدأ المساءلة والمحاسبة عن تنفيذ هذه السياسات.

"
تتجلَّى أزمة الشرعية التي يعاني منها النظام السياسي في مظاهر عديدة، منها: عزوف غالبية المصريين عن المشاركة في الحياة السياسية لقناعتهم بعدم وجود حياة سياسية حقيقية، وأن التعددية الحزبية، والانتخابات الدورية هي مجرد ديكور ديمقراطي لنظام فردي

"
وتتجلَّى أزمة الشرعية التي يعاني منها النظام السياسي في مظاهر عديدة، منها: عزوف غالبية المصريين عن المشاركة في الحياة السياسية لقناعتهم بعدم وجود حياة سياسية حقيقية، وأن التعددية الحزبية، والانتخابات الدورية هي مجرد ديكور ديمقراطي لنظام فردي. وتصاعد أعمال الاحتجاج الجماعي بشكل يكاد أن يكون غير مسبوق في تاريخ مصر الحديث، وهو احتجاج انخرطت –وتنخرط- فيه قوى وفئات اجتماعية عديدة من أجل توصيل مطالبها، وممارسة الضغوط السلمية على السلطة للاستجابة لهذه المطالب. ولا شك في أن تصاعد هذه الظاهرة إنما يؤكد على فشل المؤسسات والتنظيمات السياسية الوسيطة في الدفاع عن مصالح الفئات الاجتماعية وتوصيل مطالبها إلى السلطة، كما يؤكد إخفاق السياسات التي تنتهجها الدولة في معالجة أسباب الاحتقان الاجتماعي، ووجود قناعة بدأت تنتشر على نطاق واسع مفادها أن السلطة لا تتحرك إلا تحت ضغط الشارع17. ومن مظاهر أزمة الشرعية أيضًا تزايد اعتماد النظام على القبضة الأمنية، وهو مايجد ترجمته في حجم قوات الأمن التي يعتمد عليها النظام، والتي ينصرف جانب أساسي من عملها إلى تحقيق الأمن بمعناه السياسي وليس الاجتماعي، أي أمن النظام وليس أمن المجتمع.

خاتمة
إن الأزمة البنائية التي يعاني منها النظام السياسي، والتي هي محصلة لعوامل عديدة في مقدمتها الخلل الكبير في التوازن بين السلطات، باتت تثير العديد من التساؤلات والهواجس والإشكاليات حول مستقبل النظام السياسي. وثمة اتفاق بين كثير من الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني وأهل الرأي والفكر على أن الإصلاح الدستوري والسياسي الحقيقي -وليس المغشوش- هو السبيل الوحيد لمعالجة أزمة النظام السياسي وإعادة بنائه على أسس جديدة. وأن هذا الإصلاح يستند في جانب مهم منه إلى إعادة النظر في سلطات وصلاحيات رئيس الجمهورية عن طريق "إعادة توزيع السلطة وتوسيع قاعدتها بما يحقق التوازن بين السلطات. ويتطلب ذلك التوجه نحو نظام برلماني أكثر ملاءمة لعلاج الخلل القائم في جميع دساتيرنا الجمهورية، وهو الاتجاه الغالب في الدساتير الحديثة، ونقطة البدء هي إعادة التوازن بين شريكي السلطة التنفيذية: رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء".18

ولكن التحدي الأكبر هنا هو أن القوى والتيارات الراغبة في الإصلاح الدستوري والسياسي غير قادرة على فرضه على النخبة الحاكمة لضعفها وهشاشتها وغياب التنسيق الفعال فيما بينها، وأن القوى والمؤسسات القادرة على إحداث التغيير وفى مقدمتها مؤسسة رئاسة الجمهورية غير راغبة في ذلك لارتباط مصالحها باستمرار الأوضاع الراهنة. وبدون كسر هذه المعادلة البائسة لصالح قضية الإصلاح الدستوري والسياسي بشكل سلمى وفعال؛ فإن البديل لذلك سيكون المزيد من الاستبداد، والمزيد من الفساد، مع تصاعد حالة الاحتقان بين السلطة والمجتمع، وربما ظهور موجات جديدة من التطرف والإرهاب. وكل ذلك وغيره سيكون له تداعيات كارثية على الدولة والمجتمع لايعلم مداها إلا الله سبحانه وتعالى. أما كيف يمكن كسر هذه المعادلة؟، وما متطلبات وشروط ذلك؟، وكيف يمكن إنضاجها؟ فهي أسئلة تخرج الإجابة عليها عن نطاق هذه الورقة، وتحتاج إلى دراسة مستقلة.
______________
حسنين توفيق إبراهيم، أستاذ العلوم السياسية بجامعتي القاهرة وزايد بالإمارات العربية المتحدة.

الهوامش:

1. لمزيد من التفاصيل حول طبيعة النظام الحاكم في مصر ، انظر :
د. حسن نافعة ،" خصائص نظام الحكم المصري من منظور علم السياسة ،" الجزيرة .نت ، 17/ 5 / 2005 .
Maye Kassem, Egyptian Politics : The Dynamics of Authoritarian Rule (Boulder : Lynne Rienner Publishers , 2004) ; Marina Ottaway, Democracy Challenged : The Rise of Semi-Authoritarianism ( Washington, DC : Carnegie Endowment for International Peace , 2003) , Chapter 1.

2. لمزيد من التفاصيل حول جمود النخبة الحاكمة وشيخوختها ، انظر :
ضياء رشوان ،" جمود وشيخوخة نظام : الأرقام لاتكذب،" جريدة الشروق المصرية ، 23/6/ 2010 .

3. لمزيد من التفاصيل حول ردود الأفعال على تمديد العمل بقانون الطوارئ على المستويين المصري والعالمي ، انظر :
جريدة المصري اليوم المصرية ، 13 ، 14 ، 15 / 5/ 2010 .

4. انظر على سبيل المثال :
د. أسامة الغزالي حرب ،" مصر مابعد مبارك ،" جريدة المصري اليوم المصرية ، 18، 25 / 10 / 2009 .
Bruce K. Rutherford, Egypt after Mubarak : Liberalism , Islamism , and Democracy in the Arab World (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008).

5 . لمزيد من التفاصيل حول رصد وتقييم أحوال مصر في عهد مبارك ،انظر :
محمد حسنين هيكل ،" تمهيد واجب لحوار مفتوح .. لدينا أزمة عدل وأزمة قانون وأزمة إدارة وأزمة ثقة .. ولم نصل من قبل إلى هذا التفاوت بين سكان القصور وسكان القبور ،" جريدة المصري اليوم المصرية ، 30/ 10 / 2009 ؛ د. جلال أمين ، مصر والمصريون في عهد مبارك : 1981 - 2004 ( القاهرة : دار ميريت ، ط1 ، 2009 ) .

6 . استفاد الباحث في إعداد هذا الجزء من دراسة سابقة له ، انظر :
د. حسنين توفيق إبراهيم ، التحول الديمقراطي والمجتمع المدني في مصر : خبرة ربع قرن في دراسة النظام السياسي المصري 1981- 2005 ( القاهرة : مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة ، ومكتبة الشروق الدولية ، ط1، 2006 ) .

7 . لمزيد من التفاصيل حول سلطات وصلاحيات رئيس الجمهورية ، انظر على سبل المثال :
د. أماني قنديل ، عملية التحول الديمقراطي في مصر 1981- 1993 ( القاهرة : مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية ودار الآمين للنشر والتوزيع ، ط1، 1995 ) ، الفصل الثاني ؛ عمرو هاشم ربيع ،"المؤسسة التشريعية في مصر : دراسة في طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ،" في : د. أحمد الرشيدي ( محرر) ، المؤسسة التشريعية في العالم العربي ( القاهرة : مركز البحوث والدراسات السياسية ، ط1، 1997 ) ؛ نبيل عبد الفتاح ،" الوضع الدستوري لرئيس الجمهورية : الاختلالات البنائية ورؤى الإصلاح ،" جريدة الأهرام المصرية (18/3/2005) .
Nazih N. Ayubi," Government and the State in Egypt Today," in: Charles Tripp and Roger Owen,(eds.), Egypt Under Mubarak (London : Routledge,1989).

8 . نقلا عن :
د. عبد المنعم سعيد على ،" مدخل لدراسة الديمقراطية في مصر ،" في : د. على الدين هلال ( محرر) ، التطور الديمقراطي في مصر : قضايا ومناقشات ( القاهرة : مكتبة نهضة الشرق ، 1986 ) ، ص . 10 .

9 . لمزيد من التفاصيل ، انظر :
د. حسنين توفيق إبراهيم ،" التعديلات الدستورية ومستقبل التطور السياسي والديمقراطي في مصر ( القاهرة : مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ، سلسلة كراسات إستراتيجية ، العدد 185 ، مارس 2008 ، ص .24.

10 . لمزيد من التفاصيل حول سلطات مجلس الشعب ودوره السياسي ، انظر :
عمرو هاشم ربيع ،" المؤسسة التشريعية في مصر .... ،" ، مرجع سبق ذكره ؛ د. عمرو هاشم ربيع ، الرقابة البرلمانية في النظم السياسية : دراسة في تجربة مجلس الشعب المصري ( القاهرة : مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام ، ط1، 2002) ؛ محمد على أبو ريدة ،" مجلس الشعب المصري في ربع قرن : دراسة الأداء البرلماني ،" في : د. أحمد الرشيدي (محرر) ، مرجع سبق ذكره .
Noha El - Mikway,"The Egyptian Parliament and Transition to Liberal Democracy," American - Arab Affairs, No.36 (Spring, 1991).

11 . لمزيد من التفاصيل ، انظر :
Kevin Boyle and Adel Omar Sherif, Human Rights and Democracy : The Role of the Suprme Constitutional Court of Egypt ( London: Kluwer Law International,1996).

12 . لمزيد من التفاصيل ، أنظر على سبيل المثال :
د. عمرو هاشم ربيع ، الرقابة البرلمانية في النظم السياسية ... ، مرجع سبق ذكره ، ص. 286 ؛ محمد على أبو ريدة ، مرجع سبق ذكره ، ص. 635.

13 . لمزيد من التفاصيل، انظر :
د. عمرو هاشم ربيع ، الرقابة البرلمانية في النظم السياسية ... ، مرجع سبق ذكره ، ص. 128 .

14 . لمزيد من التفاصيل ، انظر :
المستشار طارق البشرى، القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء ( القاهرة : مكتبة الشروق الدولية ، ط1 ، 2006 ) ؛ ولنفس المؤلف ،" المسألة القضائية وتفكك نظام الحكم،" إسلام أون لاين. نت ( 11/5/ 2006 ) ؛ نبيل عبد الفتاح ،" القضاة والسلطة : السعي إلى الاستقلال ،" الديمقراطية ، العدد 19(يوليو 2005 ) .
Nathan J. Brown and Hesham Nasr,” Egypt’s Judges Step Forward: The Judicial Election Boycott and Egyptian Reform “ Carnegie Endowment for international peace , Policy Outlook (May 2005) .

15 . لمزيد من التفاصيل، انظر:
محمد حلمي مراد ،" التشريعات المصرية المجافية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان ،" و أمير سالم ،" البناء القانوني الاستبدادي وحركة حقوق الإنسان في مصر ،" في : محمد السيد سعيد (محرر) ، حقوق الإنسان في مصر ( القاهرة : دار المستقبل العربي ، ط1 ، 1990 ) .

16 . لمزيد من التفاصيل، انظر :
فهمي هويدى،" كسبنا المواطنة وخسرنا المواطن،" جريدة الخليج الإماراتية ، 20/3/ 2007.

17. لمزيد من التفاصيل ، حول أعمال الاحتجاج الجماعي في مصر ، انظر :
جويل بنين ،" غليان الجوع في مصر : تحركات عمالية غير مسبوقة منذ عام 1948 ،" لوموند ديبلوماتيك - النشرة العربية ، العدد الخامس عشر ، مايو 2008 .
Joel Beinin ,” Popular Social Movements and the Future of Egyptian Politics,” Middle East Report Online, March 10, 2005 ; Joel Beinin and Hossam el- Hamalawy,” Strikes in Egypt Spread from Center to Gravity,” Middle East Report Online, May 9 , 2007; Joel Beinin and Hossam el- Hamalawy,” Egyptian Textile Workers confront the New Economic Order ,” Middle East Report Online, March 25 , 2007; Atef Said ,” Can Workers’ Struggle End Mubarak’s Dictatorship: Egyptian Labor Erupting,” Against the Current , September / October 2009 .

18 . نقلاً عن :
وثيقة الإصلاح الدستوري لكسر احتكار السلطة التي نشرتها جريدة المصري اليوم بتاريخ 6/ 3/ 2010 .




ثورة أم لا ؟




المدير العام
عضو ممتاز
عضو ممتاز



.....
الباحث عن الحقيقة

.....


****************************


---------------------------------------


----------------------------------------
عدد الرسائل: 4201
العمر: 55
العمل: باحث وكاتب في العلوم ومقارنة الآديان
تاريخ التسجيل: 12/08/2008

http://science.creaforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر.. تبديد أرصدة القوة

مُساهمة من طرف المدير العام في الأحد فبراير 13, 2011 1:48 pm


حسين عطية أفندي

في أكتوبر عام 1884م كتب بشارة تقلا رئيس تحرير صحيفة الأهرام "إن المصري إذا ما هذبه والداه لا نجده يجّد هو وأهله إلا للحصول على وظيفة في دوائر الحكومة، ومتى حصل عليها انعكف بما لديه من المعدات لنوال النيشان أو الرتبة أو لزيادة الراتب كان أهلاً للخدمة أو لم يكن، وإذا ما قضى السنين الطوال فى الخدمة تعوَّد الكسل والبطالة فاستحال عليه أن يقوم بعمل آخر، بل تعذر عليه نوال الرزق والمعيشة من المزروعات والأراضي لإهماله ذلك، ويحصر اهتمامه بالوظيفة، ويصرف العناية إلى الحصول على منافعها المادية دون النظر في جهاتها الأدبية". إن هذا المقال وغيره على شاكلته يدعو إلى البحث في الجذور التاريخية التى صنعت عند المصريين تلك الرغبة العارمة في العمل في "الميري"، واستعدادهم للتمرغ في ترابه على حد قول المثل الشهير الذي ظلوا يتداولونه حتى وقت قريب وتلك الرابطة الحميمة بين التربية والتعليم والوظيفة الحكومية. عن هذا "الميري" أو "الوظيفة الحكومية في مصر" أو "البيروقراطية المصرية" أو بمعنى أوسع "الجهاز الإداري المصري"، ماله وما عليه، تدور دراستنا المركزة هذه، وهـي تتضمن نقطتين أساسيتين تعرضان لمقتضى حال الجهاز الإداري وتصورا لمآله كما يلي:
أولاً: مقتضى الحال، ويضم:

البيروقراطية والنظام السياسي.
ملامح من التطور التاريخي للجهاز الإداري المصري.
البيروقراطية المصرية، وأهم مشكلات الجهاز الإداري.
ثانيًا: تصورا للمآل، ويضم:

تقديم الخدمات العامة (الخدمات الصحية مثالاً).
منطلقات التطوير ومتطلباته.
أهم مقترحات التطوير.

أولاً: مقتضى الحال
ثانيا: تصور المآل

أولاً: مقتضى الحال

يمكن توضيح حالة الجهاز الإداري المصري في ثلاثة بنود على النحو التالي:

1- البيروقراطية والنظام السياسي
تعود بدايات التعريف بالبيروقراطية كمصطلح علمي إلى منتصف القرن الثامن عشر، وقد ارتبط هذا التعريف آنذاك بالعديد من الظواهر السابقة على الثورة الفرنسية؛ فكلمة Bureaucracy تُنسب إلى العالم الفرنسي فينسنت دو جورني Vincent de Gournay الذي كان أول من قام بالمزاوجة بين كلمة Bureau التي تعني بالفرنسية (المنضدة) وكذلك (المكتب) أي المبنى الذي يضم المنضدة والموظف الجالس أمامها، وكلمة Cracy اليونانية والتي تعني (الحكم) وبالإنجليزية To Rule، ومنذ تلك البداية وأدبيات العلوم الاجتماعية تتناقل مصطلح البيروقراطية بهذا المعنى الذي قدمه Gournay عام 1945 م.
ورغم أن البيروقراطية كحقيقة أو كظاهرة تعني وجود جهاز ما -بغض النظر عن مسماه- يقوم بمهمة إنجاز واجبات إدارية معقدة ومتداخلة، يعود وجودها إلى ما قبل الدولة بمفهومها الحديث إلا أن تعريف البيروقراطية والنظر إليها ودراستها والبحث فيها، كل هذا يعود إلى ما قبل الثورة الفرنسية بعقود قليلة.

"
قد باتت هناك "حاجة مجتمعية مصرية" تدعو وتطالب وتنادي وتحتج وتعتصم مطالبة بالتطوير، وقد آن الأوان للاستجابة لها، ولا أبالغ إذا ما نصحتُ بأن نفتش دومًا عن "البيروقراطية" في كل هذه السياقات

"
والبيروقراطية من حيث النظرية والتطبيق ارتبطت على الدوام بتعقد المهام المطلوب إنجازها في الحياة المعاصرة مما جعلها دومًا محلاً للنقد من جميع الاتجاهات.

وينظر إلى الألمانى ماكس فيبر Max Weber على أنه رائد التحليل السسيولوجي للظاهرة البيروقراطية، وهى تشكل عنده أسلوبا تنظيميًا بالمقارنة بغيره؛ حيث إنه يقود إلى الدقة والسرعة والوضوح، وتجنب الغموض والوحدة وتقليل النزعات وخفض النفقات واحترام التدرج الرئاسي، وكل ذلك يعنى تحسينًا فى الأداء الحكومي والإداري لصالح المواطنين.

في هذا السياق تقوم بين الجهاز الإداري والحكومة أوثق وأخطر العلاقات في النظم السياسية المعاصرة؛ فالجهاز الإداري يضع السياسات العامة موضع التنفيذ، بينما الحكومة تقوم بتحديد هذه السياسات، وتقوم بالتأكد من كفاءة تحقيق الجهاز الإداري لها، وتدخل عليها التعديلات الملائمة.

هذه العملية، لا تتم في إطار نظري واضح المعالم من ناحية هذا التقسيم المتخصص؛ فالسياسات العامة تخضع لتأثيرات متعددة من الجهاز الإداري الذي يستطيع الاشتراك في تحديدها بصورة غير مباشرة وخلال مداخل متعددة. ولكن لا بد من الوقوف بتأثير الجهاز الإداري عند حدود معينة لا يجب أن يتخطاها. وإلا أصبح هو المسئول عن الغاية والوسيلة معا وهو ما لا يستقيم مع العرف ولا المنطق العلمي للإدارة. إذن السياسات العامة هي الجسر الموصل بين الحكومة والبيروقراطية.

إن إرتباط ولاء الجهاز الإداري "بالمهنة أو الاحترافية" أكثر من "الجماهير أو الرضاء العام" يعني أن منظمات الجهاز الإداري –في غياب العمل السياسي المعبر عن الجماهير- تعمل دون إحساس بحاجات جمهوره وبأهمية هذا الرضاء العام، وهذا يمثل نقطة ضعف خطيرة في حياة أية منظمة توجد في المجتمع وترتبط بجمهورها أو عملائها، الذي يقرر مدى الرضا أو درجة قبول ناتج عملياتها ومن ثَمَّ يصبح عاملا حاسما في تقرير كفاءتها وفي تطورها، بل قد يؤدي انخفاض الرضا العام إلى انهيار الحكومة ذاتها.
وهذا ما ينقلنا للحديث باختصار عن الرضاء العام.
يُعرِّف البعض الرضاء العام بأنه "إحساس المواطن بفاعلية السياسة العامة الموصلة إليه في تدعيم مكانته الاجتماعية، وإحساسه بالمسؤولية العامة، وتمكينه من التعبير عن هذه المسئولية".

الرضاء العام هو "تقدير أو تقييم لأداء الخدمة، والمبني بدرجة كبيرة على وجهات النظر عن التوصيل الفعلي للخدمة". وأيضا الرضاء العام هو "إحساس المواطن بالأثر الإيجابي للسياسات العامة ممثلا في تلبية المنظمات العامة لمطالبه واحتياجاته وتوقعاته وذلك كمًّا وكيفًا". إنه في النهاية مفهوم ديناميكي متغير بمعنى أنه يختلف من مواطن إلى آخر وفقا لأولوية مطالبه واحتياجاته وتوقعاته، ويتغير من سياسة عامة إلى أخرى ومن فترة زمنية إلى غيرها.
ويمكن استخدام مفهوم "الرضاء العام" كأداة فعالة في تطوير منظمات الجهاز الإداري؛ وذلك من خلال إجراء قياسه كتعبير عن جدوى الخدمة المقدمة ثم السعي نحو التطوير. وتتعدد أساليب قياس الرضاء العام: الشكاوى-جماعات التركيز-الملاحظة-استطلاع الرأي.

2- ملامح من التطور التاريخي للجهاز الإداري المصري
في عام 1805م أنشأ محمد على ديوان الوالي ليختص بضبط المدينة أي العاصمة وربطها، والفصل في المشاكل بين الأهالي والأجانب على السواء. وبعد خمس سنوات تغير الاسم إلى "الديوان الخديوي" ثم أصبح "الديوان" والذي تضخم سنة بعد أخرى وانقسم إلى أقلام مختلفة أخذت في التضخم هي الأخرى، وتعددت الدواوين.

وفي عام 1837 م صدر قانون "السياستنامة" -وهو القانون الأساسي للدولة والذي يعد أول دستور مكتوب عرفته مصر في تاريخها الحديث- الذي ألغى الدواوين والمجالس الموجودة، وحصر السلطة في سبعة دواوين سُمِّيت دواوين العموم يرأس كل منها موظف يسمي "الكتخدا"، وهي: الديوان العالي (نواة نظارة الداخلية)-ديوان الجهادية-ديوان البحر-ديوان كافة الإيرادات-ديوان المدارس-ديوان الأمور الأفرنكية والتجارة المصرية-وديوان الفاروقيات.

في عام 1857 م أصدر خديوي مصر محمد سعيد باشا إرادة سَنِية برفع ثلاثة دواوين إلى مستوى النظارات مع تعديل اختصاصها وأسمائها، وهي: نظارة الداخلية-نظارة الجهادية-نظارة المالية، وعين لكل منها ناظرا، وفي عام 1858 م عين ناظرا لديوان الخارجية، وفي عام 1864م أنشئت نظارة للأعمال الهندسية التي كانت ضمن اختصاص نظارة الداخلية وأُطلق عليها نظارة الأشغال.

في عام 1872 م أنشئ ديوان الحقانية ليختص بأعمال القضاء والتي كانت من اختصاص نظارة الداخلية.

وفي عام 1914 م أعلنت إنجلترا حمايتها على مصر وأصبحت مصر سلطنة بعد أن ظلت خديوية، وأُطلق على النظارات (وزارات) وعلى النظار (وزراء). وتوالى إنشاء الوزارات فتأسست وزارة الصحة عام 1936م، ووزارة الشؤون البلدية والقروية عام 1937م، ثم وزارة الشؤون الاجتماعية عام 1939م، وتطور الأمر حتى وصلنا إلى التشكيل الحالي المعروف.

هذا وقد أُنشِئت أول مدرسة للإدارة في عام 1868م في عهد الخديوي إسماعيل، وكانت تضم الإدارة والألسن معًا تحت مسمى "مدرسة الإدارة والألسن" وتقوم بتعليم اللغات وكذا الإدارة للوظائف الملكية.

وجاء أول تنظيم لشؤون الموظفين في مصر وهو عدد من الأوامر والفرمانات الخديوية التي صدرت عام 1883م ، وكان أول كادر يحدد المرتبات للرتب المدنية قد صدر بأمر من الخديوي سعيد باشا عام 1862م مع مقابلة الترتيب (الدرجة) المدنية بما يناظرها من رتبة عسكرية مثل رتبة ثانية ممتازة تقابل رتبة اللواء.

وصدر أول كادر لدرجات الموظفين وترقياتهم عام 1907م، ثم كادر آخر عام 1921م، ثم ثالث عام 1939م، والذي استمر حتى قيام ثورة يوليو 1952م حين أُسِّس أول جهاز خدمة مدنية في مصر مكون من: الإدارة العامة للاختيار والتمرين-الإدارة العامة للميزانية-الإدارة العامة لشؤون الموظفين-والإدارة العامة للتشريع والبحوث.

وأول قانون منظم يحكم شئون العاملين صدر في 1951م برقم 15، وبدأ تطبيقه أول يوليو 1952م، والقوانين المنظمة للعاملين في مصر حاليًا هي القانون رقم 58 لسنة 1971م الخاص بالعاملين في الحكومة، والقانون رقم 42 لسنة 1978م الخاص بالعاملين في الدولة، والقانون رقم 48 لسنة 1979م الخاص بنظام العاملين بالقطاع العام، والقانـون رقم 203 لسنة 1991م الخاص بشركات قطاع الأعمال العام.

أما عن محاولات الإصلاح الإداري فيمكننا تتبعها تاريخيًا منذ أول محاولة عام 1830م حين صدر أمر عالٍ تنص مادته الأولى على أنه "يجب أن يكون للمصالح الحكومية الأميرية نظام خاص بها، وأن تُقرَّر درجات مستخدميها"، وتعددت الإجراءات حتى وصلنا إلى عام 1910م حين أُنشئ المجلس الأعلى للموظفين، وتلا ذلك عدة إجراءات خاصة بشروط التعيين وتعديل المرتبات، وفي 1948م تم إنشاء ديوان الموظفين والمعاشات في وزارة المالية.

وتضمنت محاولات الإصلاح الإداري كذلك استخدام خبراء أجانب لتقديم النصح والمشورة نحو التطوير فجاء الخبير البريطاني "بول سنكر A.P.Sinker" عام 1950م، والذي قدم تقريره المشهور بتقرير "سنكر" متضمنا عددًا من التوصيات بعد أن شخَّص أهم مشكلات الجهاز الإداري المصري في : التدخل الحزبي-التضخم في عدد الموظفين-انخفاض مستوى المرتبات-نظام ترتيب الوظائف-نظام الترقيات والعلاوات-نظام المرتبات.

ثم جاء الخبيران الأمريكي "لوثر جوليك Luther Gulick" والإنجليزي "جيمس بوليك Games Pollek"، وتلاهما الخبير الباكستاني "غلام أحمد"، ولم تختلف توصيات هؤلاء الخبراء كثيرًا عما قدمه "سنكر".

وتعددت محاولات وإجراءات الإصلاح الإداري على المستويين التشريعي والتنفيذي خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات وحتى اليوم، ولكن لم نشعر حتى اليوم بنتائج حقيقية أو عوائد قيمة.

ومن ثم يثور هذا التساؤل: لماذا -مع تعدد محاولات وإجراءات الإصلاح الإداري خلال أكثر من تسعة عقود- لم يتم تطوير الجهاز الإداري المصري بالصورة المنشودة؟
نستطيع أن نقدم ما يذهب إليه الخبراء من الأسباب الرئيسة في الآتي بصفة عامة:

الحلول المقترحة تميل إلى الشكلية والمظهرية والنمطية.
تأليه الحل العلمي.
مسألة الإمكانيات.
المناعة ضد الإصلاح.
مصالح الصفوة البيروقراطية.
ولا يتسع المجال هنا للتفصيل في شأن هذه الأسباب.

3- البيروقراطية المصرية وأهم مشكلات الجهاز الإداري
يصور كثير من الباحثين المجتمع المصري على أنه أكثر المجتمعات مركزية، وقد وضع "ماكس فيبر" النموذج المصري كأحد النظم المركزية الأساسية، واعتبر نظام الموظفين في "مصر الفرعونية" النموذج التاريخي الذي سارت عليه البيروقراطية فيما بعد.

ويرى الدكتور "جمال حمدان" أن المركزية الصارخة طبيعيا وإداريا هي من أبرز ملامح الشخصية المصرية، وهى صفة متوطنة لأنها قديمة قدم الأهرام ومزمنة حتى اليوم، وأنه إلى جانب الطبيعة والتضاريس -عدم وجود تضاريس وعرة أو مناخ متباين- يوجد عامل مهم يدعو إلى مزيد من المركزية وهو العامل الوظيفي؛ فالبيئة فيضية والمجتمع نهري؛ ولهذا أصبح الري مرادفا للتنظيم بل التنظيم المركزي الذي يخضع فيه الجميع طواعية لسلطة عامة مطلقة، وكان هذا من أقوى عوامل ظهور الوحدة السياسية المبكرة في مصر، كما أنه علَّم الشعب النظام الذي هو أساس الحضارة، إلا أنه أسَّس أيضا لدور الحكومة الطاغي، وأرسى نواة الموظفين الثقيلة، وأصبحت البيروقراطية المركزية عنصرا أصيلا في مركب الحضارة المصرية.

إن تاريخ مصر السياسي والاجتماعي يبين في وضوح تام أن البيروقراطية كأسلوب للحكم والإدارة كانت متبعة في مصر القديمة أيام الفراعنة وعلى مر السنين، وهنا يمكن اعتبار عصر بداية الأسرات فترة "تكوين" بالنسبة لنظم الإدارة التي نشأت بدائية ثم أصبحت فيما بعد أساسا لكل التنظيمات الكبيرة التي طبقت في الفترات التالية، فإذا ما رجعنا إلى العصور الأولى لوجدنا جذور البيروقراطية تتمثل في شخصية "الكاتب الجالس القرفصاء" في أيام الفراعنة، ثم "شيخ البلد" في مصر القديمة، ومع مرور الوقت تأكدت سمات المركزية والبيروقراطية وتضخم الجهاز الإداري واستشرى، وأصبح الموظفون يشعرون بأهمية خاصة ويمارسون سلطاتهم بطريقة تعسفية واستبدادية مشتقة من شخصية الحاكم. وسير التاريخ يدلنا على أن رخاء مصر وازدهارها واستقرار العمران فيها كان رهنا بدرجة أو بأخرى بدور الجهاز الإداري، ومن هنا تأتي أهمية العمل على تطويره وإصلاحه واعتبار ذلك عملية ديناميكية مستمرة.

وإلى جانب هذا الملمح المميز للبيروقراطية المصرية وهو "المركزية الشديدة" يمكن طرح السمات التالية كـ مشكلات وأمراض الجهاز الاداري المصري التي انتهى إليها الخبراء والمتخصصون:

عدم وضوح أهداف العمل في الإدارة الحكومية، وغياب معايير تقييم الأداء، وانفصال الأنشطة في تلك الإدارة بشكل واضح عن أهداف وتوجهات الخطة القومية للتنمية.
تضخم العمالة وسوء توزيعها.
ارتفاع تكلفة العمالة مع تدني إنتاجيتها.
طول وتعقد الإجراءات دون مقتضى حقيقي.
سوء أساليب ومعايير اختيار القيادات الإدارية.
إهدار حق الجماهير في المشاركة في إدارة الخدمات، والرقابة على أداء وحدات الإدارة الحكومية.
تقادم المباني والمعدات والآليات المستخدمة.
تعدد الأجهزة والجهات الإدارية التي يضطر المواطن -أو المستثمر- للتعامل معها لإنجاز معاملة محددة.
عدم اعتراف وحدات الإدارة الحكومية بما يصدر عن بعضها البعض من مستندات وشهادات، وإصرار كل منها على أن يتقدم المواطن في كل مرة بالمستندات الأصلية المعدة خصيصا لكل جهة (الجهات الحكومية تتعامل كجزر منفصلة).
فشل القانون رقم 5 لسنة 1991م -قانون القيادات- في تحقيق أهدافه، وانحراف التطبيق عن الأسس التي تضمنها القانون.
عدم تناسب الأجور والمكافآت للعاملين مع الأهميات النسبية للأعمال التي يقومون بها، وإهدار الأسس العامة لنظام ترتيب الوظائف.
ازدياد الفساد الإداري وشيوع مظاهره في مختلف القطاعات والمستويات.
تعارض وتضارب المصالح بين بعض موظفي الدولة الذين يجمعون بين الوظيفة وعضوية المجالس التشريعية.
غياب أسلوب يربط بين نتائج تقييم أداء الموظف وتجديد صلاحيته للاستمرار في الوظيفة.
كثرة التشريعات وتعديلاتها وتضاربها وحيرة الموظف والجمهور بينها.
عدم شمول محاولات الإصلاح السابقة لعناصر المنظومة الإدارية كلها.
وإذا أردنا التركيز على أهم المثالب والعيوب التنظيمية للإدارة الحكومية في مصر، وجدنا ما يلي:

العقلية المصلحية الضيقة؛ فكل جهة إدارية وكل موظف حكومي حريص كل الحرص على تأكيد امتيازاته وتضخم اختصاصاته على حساب الجهات الأخرى، ولكنه أيضا شديد المهارة في تحويل و"زحلقة" كافة المشكلات والموضوعات المعقدة على غيره بحجة أنها ليست من اختصاصه ولسان حاله يقول: "ياعم أنا مالي".
التركيز على شكل "الوزارة" كهيكل للتنظيم الرئاسي، على حين أن ثمة أنشطة تتطلب جهة تخطيط ورقابة ومتابعة يتعين أن تكون أعلى من الوزارات أو على الأقل مختلفة عنها من حيث الطبيعة القانونية والتنظيمية. ومن الأمثلة على ذلك وقوع التخطيط، والعلاقات الثقافية الخارجية، والرقابة في اختصاص وزارات وليس لجانا عليا أو مجالس قومية مثلا وهو الأسلوب الأفضل.
تتميز الوزارات نفسها بشكل تنظيمي نمطي التدرج والترتيب ينطبق على كافة الوزارات بصورة تذكِّر بالأسلوب الفرنسي للتنظيم وبطريقة لا تتكيف مع الطبيعة الخاصة لنشاط كل وزارة خصوصا في دولة يتسع دور الحكومة فيها ليشمل عددا كبيرا من مجالات النشاط غير التقليدية كالاقتصاد والثقافة...إلخ.
كذلك تتميز الوزارات بتضخم تنظيمها الداخلي بصورة غير عادية وبكثرة مكاتب الوزراء والوكلاء والمديرين وما يسمى بالمكاتب الفنية والقانونية والعلاقات العامة.... إلخ.
يتميز التنظيم الإداري بعدم وضوح فضلا عن عدم وعي الموظفين لوجود التفرقة بين الإداريين Line والفنيين Staff داخل المنظمة، ولسنا ندعي أن هذه التفرقة حقيقية أو ضرورية خصوصا في ظروف التنمية وإنما كل ما نعنيه هو أن هذه التفرقة غير مفهومة على الإطلاق من جانب الإداريين المصريين سواء على المستوى النظري أو المستوى العملي.
المبالغة أحيانا في اللجوء إلى صيغة "الجهاز المركزي" في التنظيم الحكومي ويبدو أنه كلما ظهرت مشكلات في التنسيق كانت هذه الصيغة هي الحل المقترح لدرجة أنه اقتُرِح مرة إقامة جهاز مركزي للمباني الحكومية. من ناحية أخرى اقترح البعض إلغاء كافة الأجهزة المركزية وضم مسؤولياتها إلى الوزارات الموجودة بالفعل ومن ذلك إدماج الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في وزارة التخطيط حين كانت قائمة.
المبالغة في عدد أجهزة الرقابة وتداخل الاختصاصات فيما بينها، فعندنا من جهات الرقابة ما يلي:
- الأجهزة المركزية: التعبئة العامة والإحصاء، والمحاسبات، والتنظيم والإدارة.
- أجهزة ذات طبيعة قانونية وقضائية، وهي مجلس الدولة والنيابة الإدارية والرقابة الإدارية.
- أجهزة خاصة تزيد أو تقل صفتها الرقابية بحسب الظروف السياسية والتنظيمية وذلك من قبيل وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، والسكرتارية العامة لرئاسة الجمهورية، وربما أيضا المباحث العامة والمخابرات.. إلخ.

"
يمكن إجمالا أن نصف "الجهاز الإداري الحكومي بأنه بالغ النمو والتعقد، فضلا عن تضخم قمته، وانفصام أجزائه، واختناق مستواه الأوسط، واستشراء ما يشبه الشلل في مستواه الأدنى

"
ويمكن إجمالا أن نصف "الجهاز الإداري الحكومي بأنه بالغ النمو والتعقد، فضلا عن تضخم قمته، وانفصام أجزائه، واختناق مستواه الأوسط، واستشراء ما يشبه الشلل في مستواه الأدنى. في هذا الجهاز بعض صور للجان وأجهزة مشتركة بين الوزارات والإدارات والهياكل المختلفة من الجهاز الإدارى التداخل والاختلاط يميز عمل معظمها فضلا عن أن هذه اللجان قد أصبحت في الإطار المصري مجرد وسيلة -في معظم الأحيان- للتسويف والتأجيل و"تعويم" الأمور. ويتأكد هذا إذا تذكرنا أن عمل اللجان لا يسبقه في العادة إعداد أو تحضير فني ولا يتبعه في معظم الأحيان نشاط للتنسيق أو المتابعة. وستبقى اللجان والمجالس والأجهزة المشتركة محدودة الجدوى طالما استمرت العقلية المصلحية الضيقة والمنافسة الوزارية ومقاومة اللامركزية.

ثانيًا: تصور للمآل

1- تقديم الخدمات العامة (الخدمات الصحية مثالاً)
يمكن عرض تصور ما ينبغي أن يكون عليه حال الجهاز الإداري المصري في ثلاثة أبعاد على النحو التالي:
يحتل قطاع الخدمات الصحية في معظم دول العالم موقعًا متميزًا بين باقي القطاعات الخدمية الأخرى نظرًا للأهمية الخاصة التي تفرضها طبيعة الخدمات التي يقدمها هذا القطاع واتصالها المباشر بصحة الأفراد بل وبحياتهم. وقد ولَّدت تلك الأهمية زيادة في الطلب على خدمات هذا القطاع بمعدلات سريعة ومتلاحقة كنتيجة لارتفاع وتنوع أشكال الخدمات الصحية والرعاية الطبية الممكن تقديمها، والتطور السريع والمتلاحق في مختلف مجالات التقنية الطبية، وما واكبه من ظهور معدات طبية وأجهزة ومستلزمات معملية باهظة التكاليف، وتشخيص أنواع جديدة من الأمراض لم تكن معروفة من قبل وما تستلزمه مواجهتها من أبحاث وتجارب ذات تكلفة عالية للوصول إلى أنسب الطرق لعلاجها، وارتفاع متوسط الأعمار وما نتج عنه من تغير هيكلي في التركيبة السكانية، وارتفاع معدلات التضخم العام في مستلزمات الأجهزة والمعدات الطبية والمواد الخام اللازمة لتصنيع الدواء وما شابه ذلك. انعكست كل هذه الأسباب مجتمعة في شكل ارتفاع بمعدلات سريعة متلاحقة في تكلفة الحصول على تلك الخدمات الصحية.

وتتعدد مشكلات تقديم الخدمة الصحية في مصر، كما في كثير من دول العالم الآخذة في النمو، في النقاط التالية:

عدم المساواة في توفير الخدمات الصحية لكافة المواطنين في المجتمع سواء من حيث الخدمات البسيطة أو الوقائية أو من حيث نوعية وحجم الخدمات التي تُقدم أو تُوَفَّر في المراكز الحضرية وتلك التي تقدم وتوفر في المناطق الريفية والأطراف النائية.
سوء توزيع الأجهزة والمؤسسات والمتخصصين في المجال الصحي؛ فقد يظهر للملاحظ العادي أحيانًا أن هناك فائضًا في الأطباء مثلاً في مناطق معينة بينما يوجد ندرة وعجز في مناطق أخرى.
في هذا السياق نشير إلى نص دستور مصر الدائم الصادر في 1971 م في المادة (16) على أن "تكفل الدولة الخدمات الثقافية والاجتماعية والصحية، وتعمل بوجه خاص على توفيرها للقرية في يسر وانتظام رفعًا لمستواها"، ونص في المادة (17) منه على أنه "تكفل الدولة خدمات التأمين الاجتماعي والصحي، ومعاشات العجز عن العمل والبطالة والشيخوخة للمواطنين جميعًا؛ وذلك وفقًا للقانون".

وفي مواجهة هذه المشكلات وغيرها وعملا على تحسين تقديم الخدمات الصحية يوضح تقرير "أداء الحكومة في 5 سنوات 2004 – 2009م" الصادر في يوليو 2009م الجهود الحكومية في مجال الرعاية الصحية، وذلك فى البند ثالثًا من بنود التقرير والمعنون "خدمات أفضل لتحسين نوعية الحياة" يضم التعليم، الصحة، الإسكان، المياه والصرف الصحى، الكهرباء، الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، شبكة النقل والمواصلات، الإعلام، البيئة، الثقافة، الحكومة الالكترونية. وفيما يتعلق بالخدمات الصحية عرض التقرير للإنفاق على الخدمات الصحية، تطوير وتعميم الخدمات الصحية-مكافحة الأمراض ومؤشرات تحسين الأوضاع الصحية، في الصفحتين 42-43. والأرقام والبيانات والمؤشرات المعروضة تعبر عن إنجازات الحكومة فى مجال الخدمات الصحية وفق إحصاءاتها ودراساتها ومقاييسها، لكني-وأتحدث هنا كمواطن مصري- لا أشعر حقيقة بمردود أو عائد هذا "الإنفاق الكبير" في الواقع الفعلي. ويكفى القيام بتحليل مضمون بسيط للصحافة المستقلة أو الحزبية أو حتى الحكومية ومتابعة قصيرة للبرامج الحوارية، ولشكاوى المواطنين، وملاحظة الصور وقراءة التحقيقات والمقالات، لنتبين أن هناك مساحة شاسعة بل وبوْنا هائلا بين ما تقول به بيانات وأرقام الحكومة وبين ما يشعر به المواطن، ونؤكد هنا على عدم توافر الرضاء العام عن مستوى تقديم الخدمات الصحية في مصر حتى اللحظة الراهنة، والتي كان آخر مظاهرها تلك المخالفات القانونية التي شابت عمليات العلاج على نفقة الدولة، والتي كُشِف النقاب عنها في عام 2010 وبخاصة تلك المتعلقة بتورط نواب في البرلمان واتخاذهم من العلاج على نفقة الدولة وسيلة للتكسب غير المشروع .

2- منطلقات التطوير ومتطلباته
من مراجعة أبرز الجهود التي بذلت في مجال تطوير الجهاز الإداري في مصر يتبين أن أيديولوجية الإصلاح قد تزايد تعلقها وتمسكها بما يمكن أن نسميه "الأساليب العلمية" في معالجة مشكلات الإدارة، وأن معظم الوصفات الخاصة بالإصلاح بصفة عامة قد دارت حول "التنظيم" أو "هندسة المؤسسات"، وهكذا استقر أن تبني مجموعة من "المبادئ العلمية والأساليب الفنية" هو السبيل نحو رفع الكفاءة في الجهاز الإداري في الدولة وزيادة فعاليته. وهذا أمر طيب ومقبول ولكن لا يجب التوقف عنده؛ فمتطلبات التطوير ومنطلقاته أبعد من ذلك وأكثر شمولاً وهو ما سنبينه بعد قليل.

هذا عن الفكر الحاكم في إصلاح وتطوير الجهاز الإداري في مصر، فماذا عن سمات برامج الإصلاح ذاتها؟

لقد تميزت هذه البرامج أو الخطط بأسلوب "ترقيعي" في أساسه على الرغم من كل الحديث عن أهمية "هز الجهاز الحكومي" وتحقيق "الثورة الإدارية". وهكذا تراكمت كثرة من القوانين واللوائح والترتيبات، وأنشئت أو ألغيت أو أدمجت المؤسسات وعقدت المؤتمرات والندوات والبرامج ولكن ظل الطابع العام لكل أيديولوجية الإصلاح هو أنها جزئية وتدرجية وجانبية.

"
التطوير الإداري قرار سياسي في الأساس، يتوقف مدى النجاح في تحقيقه على رغبة وقدرة القيادة السياسية على اتخاذ ودعم ومتابعة الإجراءات والسياسات اللازمة بالتشاور مع الأطراف المعنية

"
إنه من المعروف في كافة المواقف التي تتطلب الإصلاح يوجد عادة اختيار-نظري على الأقل- بين إستراتيجيتين بديلتين للإصلاح، إستراتيجية شاملة أو ثورية وإستراتيجية جزئية أو تدرجية، وقد قامت في مصر مناقشات مثيرة قرب نهاية الستينيات حول جدوى كل من هاتين الإستراتيجيتين، انتهت إلى سيطرة المفهوم الجزئي التدرجي "البراجماتى" على خبراء ومسؤولي الإصلاح الإداري في مصر؛ فهو مفهوم يجد الأدوات "الفنية" أسهل أمرًا في تناولها ومعالجتها من القضايا الاجتماعية-السياسية العريضة. وكما اعترف رئيس سابق للجهاز المركزي للتنظيم والإدارة فقد كانت معظم الإصلاحات التي تمت جزئية ومحدودة، لم تمس إلا أكثر المشكلات إلحاحا في مجال التنظيمات والقوانين والأفراد، ذلك في وقت كانت البيروقراطية الحكومية فيه سريعة التوسع من حيث الحجم والنطاق والأهداف. وهكذا كان لا بد أن يسفر الأمر عن تضخم الفجوة بين الأهداف المبتغاه من ناحية والأداء الفعلي للإدارة من ناحية أخرى.

فإذا كان ما تقدم هو أيديولوجية التطوير الإداري في مصر والسمة البارزة في برامجه وخططه، فما أهم متطلبات ومنطلقات هذا التطوير؟

في تصورنا عدة منطلقات ومتطلبات ترشدنا إليها الخبرة التاريخية والدراسات المتعددة التي قام بها الخبراء والمتخصصون، وأهمها:

أن التطوير الإداري قرار سياسي في الأساس، يتوقف مدى النجاح في تحقيقه على رغبة وقدرة القيادة السياسية على اتخاذ ودعم ومتابعة الإجراءات والسياسات اللازمة بالتشاور مع الأطراف المعنية.
أن الإصلاحات الجزئية للحد من حجم الجهاز الإداري ومن تزايد تكاليفه لم تصادف نجاحًا كبيرًا.
من المهم تخفيف أعباء الإدارة العامة بإعطاء مزيد من الدور والإسهام للقطاعين الخاص والأهلي، وإلغاء احتكار بعض وحدات الجهاز الإداري للخدمات التي تقوم بها.
من الضروري رفع كفاءة إيصال الخدمات العامة، والعمل على استخدام وسائل غير تقليدية مثل عقود الإدارة، والتنافسية... إلخ.
العمل على كسب تعاون المواطنين وإثارة اهتمامهم بالعمل الإداري والسعي نحو تغيير نظرتهم للبيروقراطية ونظرة البيروقراطية لهم، بمعنى آخر التخلص من علاقات العداء والشك المتبادل.
الأخذ بمداخل وأساليب التطوير الحديثة مثل إدارة الجودة الشاملة، والمقارنة المرجعية، وتعزيز الشفافية في عمل الإدارة العامة، ومساءلة الجهاز الإداري.
إعادة النظر في وظائف الجهاز الإداري؛ بحيث يتيح دور هذا الجهاز -علاوة على التنفيذ المباشر لبعض المهام- مشاركة أكثر فعالية لكل من القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية، على أن يتم هذا في ظل إشراف وتوجيه فعال من الجهاز الإدارى.
تنمية القيادات الإدارية، والاهتمام بإعداد الصف الثاني.
إعادة هيكلة أجهزة الرقابة المركزية وتطوير أدوارها بما يناسب التغير في دور الدولة.
استرداد تكلفة بعض الخدمات الحكومية، وتطبيق أنظمة أخرى حديثة في تقديم بعض هذه الخدمات.
تغيير ثقافة العاملين بالأجهزة الإدارية لتكون قادرة على استيعاب الدور الجديد للمواطنين، ومعرفة كيفية التعامل معهم للتوصل إلى أفضل الحلول للمشكلات.
التفكير في تطبيق نظام "المفوض العام" أو "الأمبودسمان" الذي يتلقى شكاوى المواطنين ويحققها وينتهي إلى توصيات للأجهزة الإدارية المعنية، وقد أثبت هذا النظام فعالية كبيرة كما في تجارب الدول الإسكندنافية.
تصبح الدولة مسؤولة فقط عن قطاعات النشاط الإستراتيجية، مثل: البترول، وقناة السويس، والصناعات الحربية، وتباشر دورها في هذه المجالات بشكل مباشر من خلال أجهزتها كما يمكن تنفيذها بواسطة أجهزة أهلية أو خاصة تحت إشرافها.
أن للدولة دورا في فض المنازعات بين العمل ورأس المال كعنصرين أساسيين في التنمية تباشره (بالتشريع وبالتحكيم).
الاتفاق على أن قطاعات الإدارة الحكومية المختلفة لها مشكلات وأوضاع متباينة، الأمر الذي يحتم أن تتباين الحلول والمعالجات بما يتناسب مع خصوصية كل قطاع من قطاعات الجهاز الإداري للدولة ومن ثَمَّ تجنب الوصفات النمطية.
أهمية استحداث وتفعيل نظم وآليات لتقييم أداء وحدات الجهاز الإداري بالدولة بالمقارنة بالأهداف المحددة من ناحية، وبالموارد المخصصة من ناحية أخرى. (الربط بين المدخلات والمخرجات، وتبين مدى مناسبة الأنشطة والإجراءات لكليهما).
3- أهم مقترحات التطوير
في بيان حكومة الدكتور أحمد نظيف (2004م) ورد البند السابع عن"تطوير الجهاز الإداري للدولة" وجاء فيه "أن عدد العاملين بالجهاز الإداري للدولة قد زاد إلى أن بلغ 5.67 مليون موظف حكومي يعملون في إطار قانون ونظم وقواعد آن الأوان لمزيد من تطويرها وتحديثها، فضلا عن أن العاملين بالحكومة أنفسهم في حاجة إلى برامج تدريبية متطورة لرفع كفاءتهم ولزيادة مستوى أدائهم، وأن الحكومة قد راعت أن يسير هذا التطور ويتم هذا التحديث من خلال: تطوير وتنشيط الخدمات التي تقدمها الحكومة للمواطنين وللمستثمرين، وتطوير نظم الإدارة في مؤسسات الدولة، وإنشاء واستكمال قواعد البيانات القومية والاقتصادية، وإعادة هيكلة القطاع الحكومي، وتطوير نظم شغل الوظائف القيادية، وأخيرًا تحقيق اللامركزية وتعزيز المشاركة المجتمعية".

من المثير للدهشة واللافت للنظر بل والذي يدعو إلى الاستنكار في هذا السياق، أن تقريرًا للحكومة المصرية صدر في يوليو 2009م أيضًا بعنوان (أهم 60 إنجازًا في 60 شهرًا) لم يتضمن إنجازًا واحدًا عن إصلاح الجهاز الإداري للدولة والذي لا يكف الجميع صباحًا ومساءً عن اتهامه بأنه السبب الأساسي في كل مشكلات الوطن، وعرقلة جهود التنمية. فقط يذكر التقرير في ص39 "تشكيل لجنة الشفافية والنزاهة لوضع إستراتيجية قومية لتعزيز ودعم الشفافية والمحاسبة ومكافحة الفساد بوحدات الجهاز الإداري بالدولة والقطاعات الحكومية والعامة". ولم نجد بندا واحدا يتعلق بما ذهب إليه بيان الحكومة في شأن تطوير وتحديث الجهاز الإداري للدولة.

هذا عن الرأي الرسمي للحكومة المصرية الحالية بشأن تطوير الجهاز الإدارى المصري والذي لم ينتقل أبدًا إلى حيز التنفيذ؛ فماذا عن تصور الخبراء والمتخصصين؟

تتعدد الاجتهادات وتتباين الرؤى في هذا الشأن، وقد وجدنا أن أكثر الأطروحات دقة وتركيزًا كان البرنامج القومي للتطوير والذي نتج عن/أو كان مخرج ورشة عمل مهمة، والذي قام بإعداده وصياغته الأستاذ الدكتور على السلمي أستاذ الإدارة البارز ووزير التنمية الإدارية سابقًا، ويتضمن ذلك البرنامج ستة محاور على النحو التالي باختصار شديد:

المحور الأول: الموظف العام
يركز هذا المحور على إعادة صياغة الهيكل الوظيفي بالجهاز الإداري للدولة بناء على دراسة الاحتياجات الحقيقية من العاملين وتحسين أوضاعهم من حيث الرواتب والحوافز، واقتراح تحقيق طفرة في دخول موظفي الدولة بإعفاء رواتبهم وحوافزهم من الضرائب، وكذا تدبير مصدر لتمويل الزيادات في الرواتب بفرض رسم على الخدمات المقدمة للمواطنين.

المحور الثاني: تطوير النظم وتبسيط الإجراءات
يهتم هذا المحور بتبسيط إجراءات تعامل المواطنين مع أجهزة الدولة من خلال إبعاد المواطن عن الاتصال المباشر بالموظف الذي يؤدي الخدمة، وتطبيق فكرة ONE STOP SHOP.

المحور الثالث: تطوير الهيكل العام للجهاز الإداري للدولة
يقوم هذا المحور من برنامج الإصلاح الإداري على فكرة رئيسية مؤداها ضرورة إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة ليتناسب -من حيث الأساس التنظيمي والحجم والاختصاصات- مع الدور الجديد للدولة في ظل سياسات التحرير الاقتصادي.

المحور الرابع: الإصلاح التشريعي
يتوجه هذا المحور من الإصلاح الإداري إلى أهمية إعادة صياغة القوانين الأساسية المنظمة لعمل الجهاز الإداري للدولة بحيث تكون في الأساس أداة معاونة على رفع كفاءة الأداء، وتمكين القيادات الإدارية من تحمل مسؤولياتها واستخدام صلاحياتها بحرية مسئولة، لا أن تكون وسيلة للتقييد والتعويق بما يؤدي إلى تراجع القيادات الإدارية عن ممارسة صلاحياتها التزامًا بما يفرضه كثير من القوانين المطلوب تغييرها من إجراءات مطولة. والفكرة المحورية في توجهات الإصلاح التشريعي المقترح أن تتوافق فلسفة القوانين الحاكمة للجهاز الإداري مع التوجهات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة للدولة.

المحور الخامس: التطوير التكنولوجي للجهاز الإداري
يرى الخبراء أن تحقيق الإصلاح الإداري الفعال يتطلب الأخذ بأسباب التقدم التي توفرها تكنولوجيا المعلومات الحديثة بكل ما تعنيه من سرعة في الأداء ودقة في المعلومات وحداثة تلك المعلومات، وتخفيف الأعباء عن العاملين وعن المواطنين، ويذكرون أن مقومات هذا التطوير التكنولوجي متوفرة لكن غير مستغلة.

المحور السادس: آليات تنفيذ البرنامج القومي للإصلاح الإداري
نجاح تنفيذ هذا البرنامج لتطوير الجهاز الإدارى المصري يعتمد بصفة أساسية على اقتناع القيادة السياسية بأهميته وجدواه، ويستدعي إنشاء آلية أو جهاز يخطط لوضعه موضع التنفيذ ويتابع التقدم ويقيم النتائج، ويراه الخبراء والمتخصصون متجسدًا في "مجلس أعلى للإصلاح الإداري" برئاسة السيد رئيس الجمهورية ويضم فى عضويته رئيس مجلس الوزراء ووزير التنمية الإدارية (أمينا عامًا)-وزير المالية-وزير العدل-وزير القوى العاملة-رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة-رئيس هيئة الرقابة الإدارية-رئيس اتحاد الغرف التجارية-رئيس اتحاد الصناعات المصرية-ممثلا لجمعيات رجال الأعمال-ممثلا لاتحادات المستثمرين-ممثلا لنقابة التجاريين-عددا من أساتذة وخبراء الإدارة-ممثلا للإعلام الرسمي.

وختاما
كان ما تقدم عرضًا لمقتضى حال "الجهاز الإدارى المصري" وتصورا لمآل هذا الجهاز، ويبقى أن نؤكد على أهمية وضرورة تطوير هذا الجهاز الذي يلعب دورًا خطيرًا فى النظام السياسي، ويكفي أن نتذكر هنا أن التنظيم البيروقراطي يستطيع أن يُقوِّض "الحكومة" ويهدد الاستقرار. وذلك من خلال عدة أساليب، أبرزها:

تزويد المواطنين بمعلومات خاطئة.
إمداد الحكومة ذاتها وتضليلها بالمعلومات غير الصحيحة.
التنفيذ غير الكفء للبرامج والمشروعات.
الامتناع عن تقديم الخدمات العامة أو تجميدها أو تعقيد إجراءاتها.
وأعتقد أنه قد باتت هناك "حاجة مجتمعية مصرية" تدعو وتطالب وتنادي وتحتج وتعتصم مطالبة بالتطوير، وقد آن الأوان للاستجابة لها، ولا أبالغ إذا ما نصحتُ بأن نفتش دومًا عن "البيروقراطية" في كل هذه السياقات.

_____________________
حسين عطية أفندي، أستاذ الإدارة العامة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.




ثورة أم لا ؟




المدير العام
عضو ممتاز
عضو ممتاز



.....
الباحث عن الحقيقة

.....


****************************


---------------------------------------


----------------------------------------
عدد الرسائل: 4201
العمر: 55
العمل: باحث وكاتب في العلوم ومقارنة الآديان
تاريخ التسجيل: 12/08/2008

http://science.creaforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر.. تبديد أرصدة القوة

مُساهمة من طرف المدير العام في الأحد فبراير 13, 2011 1:49 pm

السلطة والثروة والعلاقة الشوهاء
كيف تحول الفساد إلى بنية مؤسسية متكاملة في مصر؟

رسم توضيحي لمؤسسة الفساد في مصر من إعداد المؤلف

عبد الخالق فاروق

عندما تثار قضية الفساد فى مصر _ أو فى غيرها من البلاد – ينقسم الرأي العام عادة بين تيارين رئيسيين، يعبر كل منهما عن رؤية أحيانا، أو عن مصالح مختلفة أحيانا أخرى. فأغلبية الرأي العام الساحقة التى تعانى من تدهور مستويات معيشتها تشكل مظاهر الفساد المتفشية تحديا لمشاعرها، واستفزازا لوجدانها، وهى بهذا تنظر إلى هذه الممارسات الفاسدة باعتبارها جرائم اقتصادية وأخلاقية قبل أن تتوقف عند مضامينها السياسية والثقافية.

أما التيار الثاني – والذي يمثله رجال المال والأعمال ودوائر رسم وصنع السياسات والقرارات وبعض الدوائر الإعلامية والصحفية المرتبطة بهم – فتروج لمفهوم مختلف ينطلق من مقولة أن "الفساد موجود فى كل الدنيا"، وأن هذه الممارسات الفاسدة هى "جزء من اقتصاد الدول الحديثة"، أو أن هذه الممارسات "ذات طبيعة فردية وشخصية" ، وإنها "الاستثناء الذى لا يلغى القاعدة العامة التي هى سليمة وصحيحة".

وإذا كان الأمر كذلك فقد يكون من المستحسن أن نبدأ هذه الدراسة بتعريف الفساد ثم بعد ذلك نشرح وسائله وآلياته وكيفية تغلغله في مؤسسات الدولة وبنية النظام الحاكم.

أولا: المفاهيم .. الآليات .. النتائج
ثانيا: أشكال الفساد وأنواعه
ثالثا: مجالات وقطاعات الفساد
رابعا: آليات الإفساد
خامسا: النتائج والتداعيات

أولا: المفاهيم .. الآليات .. النتائج

الفساد:
عندما زادت ممارسات الفساد فى كثير من دول العالم، خاصة منذ منتصف السبعينات فى الدول النامية، تجمع عدد من الخبراء الاقتصاديين ورجال القانون الدوليين، وفى طليعتهم المحامى النيوزيلاندى "جيرمى بوب" والألمانى "بيتر إيغين" وقاموا – وبتمويل من مؤسسة فورد الأميركية – بتأسيس ما سمي "منظمة الشفافية الدولية" عام 1994.
وحاول هؤلاء على مدار خمسة أعوام صياغة موقف دولى صادر من منظمات المجتمع المدني الدولي، تجاه هذه الظاهرة التى باتت تدمر أسس التنافس الحر المبني على وضع المعايير وشفافيتها.

وقد عرفت منظمة الشفافية الدولية فى بداية عهدها الفساد بأنه "سوء استخدام السلطة الممنوحة من أجل تحقيق منفعة خاصة". بيد أن هذا التعريف لم يكن شاملا أو جامعا، لذا فقد عادت المنظمة فى وقت متأخر، وتحت تأثير اجتهادات عدد من الباحثين – مثل "سوزان روز أكرمان" Suzan rose-Ackerman – لتعرف الفساد بأنه "السلوك الذى يمارسه المسئولون فى القطاع العام أو القطاع الحكومي، سواء كانوا سياسيين أو موظفين مدنيين بهدف إثراء أنفسهم أو أقربائهم بصورة غير قانونية ومن خلال إساءة استخدام السلطة الممنوحة لهم".

أما قانون العقوبات الفرنسي فقد ميز بين ما أسماه "الفساد النشط" و "الفساد السلبي" فعرف الأول بأنه "سعى الموظف الحكومي بنشاط من أجل الحصول على هدية أو منفعة أو رشوة قبل تقديمه الخدمة أو منح العقد" أما الفساد السلبي فقد عرفه بأنه "قبول المسئول لهدية أو مكافأة أخرى بعد منح العقد أو تقديم الخدمة".

وفى قانون العقوبات المصري نصت المادة (103 مكرر) على تعريف المرتشي بأنه "كل موظف عمومي يطلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ وعدا أو عطية لأداء عمل يعتقد خطأ أو يزعم أنه من أعمال وظيفته أو الامتناع عنه".

لكن تطور الحياة الاقتصادية فى مصر، وفى غيرها من الدول والمجتمعات منذ منتصف السبعينات، قد أوجد أشكالا جديدة وعديدة للفساد، فلم تعد الرشوة أو الاختلاس هما مظاهرها الوحيدة، بل هناك عشرات السلوكيات والممارسات التى تندرج فى توصيف الفساد بالمعنى القانوني والأخلاقي للكلمة.

وعلى صعيد النظرية الاقتصادية، انشغل العقل الاقتصادي بقضية الفساد، واحتلت جانبا من النظرية الاقتصادية الحديثة، وكذا فى الدراسات الاقتصادية التطبيقية، وكان من نتائج هذا الاهتمام ما يسمى فى النظرية الاقتصادية بـ "الاقتصاد الخفي" hidden economy أو "الاقتصاد الأسود"black economy ، وتعنى تلك الأنشطة المالية أو الاقتصادية التى تجرى فى الخفاء وتخالف القوانين المعمول بها، وعادة ما لا تجد طريقة ما لتسجيلها فى سجلات الحسابات القومية national accounts، ومن ثم فهي لا تتضمن داخل مصفوفة الدخل القومي الرسمي national income matrix برغم أهميتها وثقلها فى صيرورة التدفقات المالية والنقدية فى البلاد.

كما برزت على ضفاف هذا الإطار النظرى الجديد مفاهيم إضافية مثل "دخول الظل" shadow income والتى تتمثل فى الدخول النقدية التى يحصل عليها بعض الأفراد أو الجماعات – وغالبيتهم من الموظفين فى المصالح الحكومية – بصورة غير قانونية مثل الدروس الخصوصية أو الأعمال الموازية أثناء وقت العمل الرسمي – مثل قيادة سيارات الأجرة (التاكسي) أو أنشطة تجارية أو غيرها – ويندرج بها أيضا الحصول على الإكراميات والرشا نظير أداء أعمالهم أو التبرع للقيام بهذه الأعمال.. الخ . وبسبب ضعف الأجور والرواتب الناجم عن السياسات الحكومية فى هذا المجال، إلى انتشار كثير من مظاهر الفساد (رشا) لإنهاء الأعمال في المصالح الحكومية.

وقد دفعت هذه الظواهر المتنامية، بعض المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إلى دراسة هذه الظاهرة الاقتصادية والمالية. ففى عام 1998 أعد مجموعة خبراء بصندوق النقد الدولي I.M.F دراسة حول موضوع الاقتصاد الخفي على مستوى العالم، وقدرتها الدراسة بنحو 9 تريليون دولار أي ما يعادل 23% من الناتج المحلي العالمي الذي بلغ ذلك العام 39 تريليون دولار.

ثم توالى الاهتمام من الباحثين المرموقين فى هذا الحقل المعرفي الجديد، وكان من أبرز هؤلاء عالم الاقتصاد النمساوي البارز "فردريك شنيدر" Frederick Schneider الأستاذ بجامعة "هانز كبلر"، الذى قام بدراسة اقتصاد 76 دولة على مستوى العالم، وتبين فيها أن نسبة ممارسة الاقتصاد الخفي تتراوح بين 15% إلى 35% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول، والملفت أن هناك ثلاث دول تجاوزت هذا المعدل الوسطي، وهى تايلاند (73% ) ونيجيريا (70%) ومصر (65%) وذلك عام 1998، بينما بلغت النسبة 8% فى الولايات المتحدة و19 % فى كندا و 35% فى البرازيل و 20% فى الدنمارك.

ثانيا: أشكال الفساد وأنواعه

الحالة المصرية تكاد تكون نموذجية فى دراسة كيفية تحول الفساد فى مجتمع ما من حالات انحرافات فردية معزولة – مهما اتسع وازداد عدد المنخرطين فيها فى قمة هرم السلطة – إلى ممارسة مجتمعية شاملة بالمعنى الحقيقي لا المجازي للكلمة. وهنا نستطيع أن نميز فى تحليل ظاهرة الفساد وحقائقه فى مصر بين نوعين:

"
الحالة المصرية تكاد تكون نموذجية فى دراسة كيفية تحول الفساد فى مجتمع ما من حالات انحرافات فردية معزولة – مهما اتسع وازداد عدد المنخرطين فيها فى قمة هرم السلطة – إلى ممارسة مجتمعية شاملة بالمعنى الحقيقي لا المجازي للكلمة

"
الأول: ما نسميه "فساد الكبار" المتنفذين والمتربعين على قمة الهرم الإجتماعي والسياسي، سواء فى الفرع التنفيذي (الحكومة) أو التشريعي (مجلس الشعب/البرلمان) أو الأمني، حيث شكلوا شبكات مصالح تتنازع فيما بينها أحيانا، وتتناغم فى توزيع المزايا والغنائم أحيانا أخرى.

الثاني: ما نطلق عليه "فساد الصغار والفقراء" حيث لم تعد ممارسات الفساد والرشوة والوساطة والمحسوبية تقتصر أو تنحصر فى "الكبار" وحدهم، بل إنها -وعبر سياسات الإفقار واتساع الفجوة فى الدخول وارتفاع الأسعار المستمر وغياب "القدوة" فى قمة هرم السلطة والمجتمع وتآكل دور أجهزة الرقابة- قد تسربت إلى ممارسات الناس العادية فى قطاعات الخدمات الحكومية وغير الحكومية. وتختلف الدول المتقدمة عن كثير من دول العالم الثالث فى طريقة تعاملها مع ظواهر الفساد ورموزه ومدى سطوة القانون فى إخضاع ممارسات الفساد إلى القصاص العادل، فبينما يطبق القانون فى أقصى أشكاله على رموز الفساد ووقائعه فى الدول المتقدمة (اليابان، أميركا، أوربا.. إلخ)، فإننا على العكس فى بلادنا نجد أن المفسدين والفاسدين هم الذين يصوغون القواعد القانونية عبر سيطرتهم المباشرة على أجهزة التشريع والتنفيذ، وأحيانا بعض أفرع الهيئات القضائية. كما يتبين من الشكل الذي يتصدر هذه الدراسة.


ثالثا: مجالات وقطاعات الفساد

تشير دراسة منظمة الشفافية الدولية المنشورة عام 2001، إلى حقيقة كون أكثر المجالات الحكومية عرضة للفساد فى الدول النامية هى:

المشتريات الحكومية.
تقسيم وبيع الأراضي والعقارات.
نظم الجباية الضريبية والجمركية.
التعيينات الحكومية.
إدارات الحكم المحلي بالمحافظات.
بيد أن الحالة المصرية قد ضربت الأرقام القياسية، فاتسع نطاق ومجالات الفساد التى انغمس فيها – بصورة شبة دائمة – كبار رجالات الدولة وأبنائهم – مثل:

قطاع المقاولات وتخصيص الأراضي وشقق المدن الجديدة والطرق والكباري والبنية الأساسية.
عمولات التسلح ووسائل نقلها.
قطاع الاتصالات والهواتف المحمولة والثابتة.
خصخصة وبيع الشركات العامة ونظم تقييم الأصول والممتلكات والأراضي المملوكة لهذه الشركات.
البنوك ونظم الائتمان وتهريب الأموال الى الخارج عبر القنوات المصرفية الرسمية.
شركات توظيف الأموال وما جرى فيها.
تجارة المخدرات واختراق قيادات الأجهزة الأمنية والمؤسسة السياسية.
تجارة العملات الأجنبية والمضاربة على سعر صرف الجنية المصري.
تجارة الدعارة وشبكات البغاء.
نظم الاستيراد وأذون الاستيراد وبرامج الاستيراد السلعي.
طرق توزيع مشروعات المعونة الأميركية.
الصحافة ومؤسساتها وإفساد الصحفيين عبر وسائل شتى والإعفاء غير القانوني للمؤسسات الصحفية (القومية) من أداء الضرائب العامة وتسهيل سبل الارتزاق السري وغير القانوني لبعض الصحفيين.
ما يسمى "علاوة الولاء" التى تمنح بصورة سرية وبالمخالفة لقواعد المشروعية المالية لكبار قيادات الجيش والأمن.
إفساد النظام التعليمي الرسمي والصمت على جريمة الدروس الخصوصية بل وخلق الظروف الملائمة لتفشيها.
الإبقاء على فساد النظام الصحي الحكومي من أجل إتاحة الفرص لتوسع المستشفيات الاستثمارية ذات الصلة ببعض المتنفذين.
المضاربات والتلاعب في البورصة وسوق الأوراق المالية وسوق التأمين.
"
ما يقارب 500 مليار جنية مصري جرت من خلف ظهر الحسابات القومية ومصفوفة تدفقات الدخل القومي الرسمية خلال السنوات العشر الماضية أو الخمسة عشر عاما على أكثر تقدير، وهى كلها أموال لا يتم سداد ضرائب عنها، علاوة على ما ألحقته من أضرار على نمط توزيع الدخول واستشراء "ثقافة الفساد"

"

هذه عينة من بعض القطاعات التى أفسدتها السياسات العامة، وسوف نتعرض لها تفصيلا بعد قليل.

أما مجالات الفساد لدى صغار المواطنين ومحدودي الدخل فهى تتنوع بدورها، بحيث أصبحت تشكل تيارا عريضا من الممارسات وجزءا أساسيا مما يسمى "الاقتصاد الخفي" hidden economy أو دخول الظل shadow income أو الاقتصاد الموازي، وتشمل الأنشطة التالية:

العمل على إبقاء النظام التعليمي الحكومي غير فعال لصالح نظام تعليمي غير رسمي أو السوق التعليمية السوداء black educational market ، سواء فى صورة الدروس الخصوصية أو انتشار المدارس الخاصة والاستثمارية والأجنبية وأخيرا ما يسمى "مدارس التميز"، ولقد بلغ حجم الأموال المنفقة على الدروس الخصوصية وحدها – وفقا لتقرير مجلس الشورى المصرى عام 1994 –حوالي 10 مليارات جنية تحملتها الأسر المصرية الفقيرة وقد بلغت عام (2004) حوالى 18 مليار جنية خاصة بعد تقسيم مرحلة الثانوية العامة إلى سنتين دراسيتين بدلا من عام دراسي واحد.
عدم فاعلية نظام الأمن الرسمي لصالح نمو وتفشي نظام الأمن غير الرسمي أو "الموازي"، حيث لا تحرر أقسام الشرطة محاضر للمواطنين إلا بالوساطة، ولا تجرى عمليات التحري لكشف السرقات وضبط المتهمين إلا من خلال المحسوبية والرشا والإكراميات، كل ذلك يتم على مرأى ومسمع من الجميع وداخل معظم إدارات ومديريات الأمن.
عدم تحريك إعلانات القضايا بالمحاكم (قلم المحضرين) وغيرها من تسلسل أعمال التقاضي (حوالي ثلاثة ملايين قضية يجرى النظر فيها سنويا أمام المحاكم المختلفة) إلا بعد دفع الرشا والإكراميات.
عدم تقديم الخدمة المناسبة فى المستشفيات العامة والحكومية والتي يتردد عليها حوالي 47 مليون مريض وفقا لتقرير وزارة الصحة عام 2006 إلا من خلال الإكراميات والوساطة، وبحسب الحالة الصحية وخطورة المرض.
الرشا والإكرامات التي تدفع أثناء إنهاء المعاملات في المصالح الجمركية والضرائبية والخدمات الجماهيرية الأخرى، حيث تقدم الإدارات الحكومية حوالي 627 خدمة متنوعة للجمهور، خاصة فى المحليات لا سيما أثناء منح تراخيص البناء أو رخص النشاط أو تعلية الأدوار فى المساكن.. إلخ.
هذه الرشا وتلك الإكراميات يتعاطاها كثيرر من الموظفين الحكوميين بسبب تدني الأجور والمرتبات، فيأخذونها مجبرين حماية لأبنائهم وأسرهم من العوز والجوع. وإذا كان رئيس ديوان رئاسة الجمهورية وأحد أقطاب الحزب الوطني الحاكم النائب – زكريا عزمي– قد أعترف علنا وداخل جلسة مصورة لمجلس الشعب بأن الفساد وصل "للركب" (كناية عن الكثرة) فى المحليات، فإن الحقيقة هى أن الفساد قد وصل إلى الأعناق.

رابعا: آليات الإفساد

برغم أن الفساد كان موجودا فى مصر قبل ثورة 23 يوليو عام 1952 وبعدها، فإن الجديد منذ عام 1974، وفى عهد الرئيس حسنى مبارك تحديدا هو تحول الفساد من مجرد انحرافات شخصية آخذة فى الاتساع الى بنية مؤسسية متكاملة من خلال مجموعة من الآليات هي:

الآلية الأولى: إيجاد سياسات تتيح المجال لعاملين في بعض مؤسسات الدولة بممارسة الفساد.

الآلية الثانية: وجود قواعد عرفية بين "جماعات الفساد" والمنخرطين فيها تلزم أعضاءها بالتزامات متبادلة ومناطق نفوذ متعارف عليها فيما بينهم.

الآلية الثالثة: وجود خطوط اتصالات دائمة وواضحة بين هذه الجماعات وبعض شاغلي قمة الهرم السياسي والتنفيذي سواء بصورة مباشرة أو عبر أقربائهم وأبنائهم، وجميعه يجري تحت لافتة "تشجيع الاستثمار".
الآلية الرابعة: استمرار سياسات الإفقار للطبقات محدودة الدخل، خاصة الموظفين (5.5 مليون موظف) والعمال وغيرهم، بما يدفع الجميع إلى تعاطي "الإكراميات" وهى النظير القانوني لمفهوم "الرشوة".
الآلية الخامسة: إفساد بعض أجهزة الرقابة بتوريط بعض قياداتها وكوادرها الوسيطة في ممارسات فساد، كما يظهر على سبيل المثال في في بعض المؤسسات الصحفية.

الآلية السادسة: وسائل صياغة القوانين والقرارات الإدارية (ما يسمى فى الفقه القانونى القوانين المشرعة والقوانين غير المشرعة) بحيث تفتح ثغرة واسعة للفساد المحمي من الدولة خاصة فى القوانين الاقتصادية والضريبية وغيرها.

الآلية السابعة: آلية التحايل القانوني عبر ما يسمى "الصناديق الخاصة" و "الوحدات ذات الطابع الخاص" خارج نطاق الميزانية الحكومية الرسمية والتي زاد عددها المعروف بنهاية عام 2008 على 8900 صندوقا ووحدة، وتقوم هذه الصناديق وتلك الوحدات بفرض رسوم على المواطنيين وتوزيع مكافآت على العاملين فيها؛ يأخذ نصيب الأسد منها كبار المسئولين، بما يشكل شبكة واسعة من الفساد والإفساد. فكيف حدث هذا؟

هذه بعض الأمثلة للكيفية التي يتسلل منها الفساد:

(1) آليات إفساد المؤسسة التشريعية:
تبدأ عمليات الإفساد هنا فى مرحلة مبكرة، ربما قبل "الانتخاب" الصوري لهؤلاء الأعضاء وهى تتم على ثلاثة مراحل:

المرحلة الأولى: تتمثل فى طريقة اختيار قوائم الحزب الحاكم، حيث تتحدد معايير الاختيار بصورة يمتزج فيها كل السيئات مثل، أن يكون المرشح للقائمة الرسمية للحزب من المقربين إلى قيادات الحكم أو الحزب، أى غلبة الطابع الشخصي لا الكفاءة الموضوعية فى الاختيار. أو أن يكون من كبار "المتبرعين" للحزب أو بعض قياداته المؤثرة، بصرف النظر عن ماضيه غير المشرف أو الإجرامي أو حتى المشبوه مثل تجار المخدرات والمتهربين من الخدمة العسكرية أو المشهورين بأعمال البلطجة .. إلخ. أو أن يكون من قيادات أجهزة الأمن، أو من المتعاملين معها.

المرحلة الثانية: التدخل الإداري والبوليسي المباشر فى عملية التصويت والفرز، سواء عبر التلاعب فى الجداول الانتخابية أو أثناء التصويت بما يؤكد مفهوما واحدا أمام الجميع وهو أن النجاح ودخول هذه المؤسسة التشريعية مرهون برضاء الحكومة والنظام وقياداته، ومن ثم فإن "ولاء" العضو ينبغي أن يكون لرئيس النظام ثم إلى أمين عام الحزب ثم إلى أمين التنظيم، وليس هناك لدى أغلب المرشحين ولاء لقضايا عامة بل لأشخاص، ومؤخرا دخل على خط الولاء لشخص نجل رئيس الجمهورية.

المرحلة الثالثة: بعد دخول الشخص إلى نادي "عضوية مجلس الشعب" أو الشورى، تتم المرحلة الثالثة التي تطال أحيانا بعض أعضاء الأحزاب الأخرى سواء كانوا من المعارضة أو المستقلين، وتتمثل فى "إغداق" الخدمات على العضو ورعاية طلباته الشخصية ووساطته وشمولها بعين العطف والقبول، وفى حال تمرد هذا العضو على الحكومة والرئيس – كما هو حال عدد محدود جدا من شرفاء هذه المجالس – تبدأ عمليات الإنكار والعزل وتجاهل طلباته، أي خنقه سياسيا.

وتبدأ عمليات الترغيب وشراء الولاء بوسائل شتى منها الموافقة على طلبات التعيين فى الوظائف الهامة لأبنائهم وأقربائهم أو بعض أبناء دوائرهم فى حدود معينة، وتمر عبر أذون من الحديد والأسمنت بأسعار "مريحة" يجري بيعها بأسعار السوق وحصول العضو على عدة آلاف من الجنيهات عن كل أذن، أو تصاريح الحج أو السفر في رحلات إلى الخارج مع الوفود البرلمانية، وكذا الحصول على قطع أراضي فى المناطق الساحلية وغيرها بأسعار رمزية أو شقق سكنية أو فيلات فاخرة بأسعار زهيدة فى بعض القرى السياحية أو الشواطىء.. إلخ.

ويدخل في باب إفساد المؤسسة التشريعية تلك القرارات القرارت الجمهورية التي تتخذ بين الحين والآخر لتعديل هذه المادة أو تلك لتحقيق مصالح خاصة بفئة أو شريحة معينة داخل البرلمان. فعلى سبيل المثال تنص المادة (95) من الدستور المصري الراهن على أنه "لا يجوز لعضو مجلس الشعب أثناء مدة عضويته أن يشتري أو يستأجر شيئا من أموال الدولة أو أن يؤجرها أو يبيعها شيئا من أمواله أو أن يقاضيها عليه أو أن يبرم مع الدولة عقدا بوصفه ملتزما أو موردا أو مقاولا".

والسؤال هل احترمت الحكومة والنظام الحاكم هذا النص الدستوري؟ الإجابة للأسف بالنفي. فقد تدخل الرئيس السابق – أنور السادات – لتعديل هذا النص ونصوص كثيرة مماثلة واردة فى قانون مجلس الشعب رقم (38) لسنة 1972، فقال بإصدار القرار الجمهوري بقانون رقم (109) لسنة 1976، وأدخل عليه تعديلات عديدة على المواد (28) و (30) و(34 مكرر 1و2و3) إلتف بها على هذا النص حيث نصت المادة (28) من القرار الجمهوري المذكور بأنه "لا يجوز أن يعين عضو مجلس الشعب فى وظائف الحكومة أو القطاع العام وما فى حكمها أو الشركات الأجنبية أثناء مدة عضويته، ويبطل أى تعيين على خلاف ذلك، إلا إذا كان التعيين نتيجة ترقية أو نقل من جهة إلى أخرى أو كان بحكم قضائي أو بناء على قانون".

لقد فتح تعبير "إلا إذا" عمل الشيطان كما يقولون، وهى الصيغة التى استغلتها الحكومة – وتحديدا إبان رئاسة الدكتور عاطف عبيد لمجلس الوزراء سابقا – من أجل إفساد العشرات من أعضاء مجلس الشعب وذلك بتعيينهم أعضاء مجالس إدارة منتدبين فى شركات قطاع الأعمال العام الذي كان يجرى تفتته وبيعه ومشاركتهم فى مأدبة البيع والتصفية.

أما المادة (30) المضافة بالقرار الجمهوري فقد نصت على أن "يستخرج لكل عضو من أعضاء مجلس الشعب اشتراك للسفر بالدرجة الأولى الممتازة بسكك حديد جمهورية مصر العربية أو إحدى وسائل المواصلات العامة الأخرى أو الطائرات من الجهة التى يختارها فى دائرته الانتخابية إلى القاهرة. وتبين لائحة المجلس التسهيلات الأخرى التى يقدمها المجلس لأعضائه لتمكينهم من مباشرة مسئولياتهم.. الخ".

وهذه الفقرة التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة وبريئة فى شكلها أدخلت ثغرة إبليس إلى المجلس وأعضائه إذ تسابق رؤساء مجلس الشعب المتعاقبين على توسيع نطاق المزايا والتسهيلات حتى تحولت إلى فساد فى فساد.
أما المادة (34 مكررو مكرر 1 ومكرر 2 ومكرر3 ومكرر4 ) فقد شملت طيفا واسعا من الفساد والإفساد ورسخت من هيمنة رئيس الجمهورية على أعضاء مجلس الشعب فتحولوا الى مجرد موظفين فى رئاسة الجمهورية.

كما هو الحال مثلا في نص المادة (34 مكرر) التي تقول "يجوز إنشاء وظائف وكلاء وزارات لشئون مجلس الشعب، ويعين وكيل الوزارة لشئون مجلس الشعب من بين أعضاء هذا المجلس بقرار من رئيس الجمهورية، ويتضمن قرار التعيين إلحاقه بمجلس الوزراء أو بأحد القطاعات الوزارية أو بوزارة معينة أو أكثر.. إلخ". أى أن رئيس الجمهورية قد أمتلك ميزة منح العطايا لهذا العضو أو ذاك، أو منعها عن هذا العضو أو ذاك، والمدهش فى الأمر أن أعضاء المجلس قد فرحوا بهذه الغنيمة، دون أن يفكروا للحظة واحدة فى مضامينها السياسية وهيمنة السلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية تحديدا على أعمالهم ونشاطهم الرقابي. والأخطر من ذلك ما نصت عليه الفقرة الثالثة من هذه المادة حيث جاء فيها "كما لا يجوز لوكيل الوزارة لشئون مجلس الشعب أثناء توليه منصبه أن يزاول مهنة حرة أو عملا تجاريا أو ماليا أو صناعيا أو أن يشغل أية وظيفة أخرى أو أن يشتري أو يستأجر شيئا من أموال الدولة أو أن يؤجرها أو يبيعها شيئا من أمواله أو أن يقايضها عليه". وهكذا – وطبقا للقاعدة القانونية الشهيرة بأن الخاص يقيد العام – فقد حصر المشرع عملية حظر مزاولة مهنة حرة أو أن يشتري أو يستأجر شيئا من أموال الدولة ..إلخ فى وكيل الوزارة لشئون مجلس الشعب وتركها طليقة من كل قيد لبقية الأعضاء.

قد يرد البعض بأن هذا لا يسري فى حال اختلاف المراتب القانونية للنص (نص دستوري مقابل قرار جمهوري بقانون) بيد أن الواقع الفعلي وممارسة غالبية أعضاء البرلمان تشير إلى أن هؤلاء قد وجدوا في مثل هذه الثغرة "الشيطانية" غطاءا قانونيا للممارسات المخالفة والخرق الدستوري الوارد فى المادة (95) السابق الإشارة إليها، وهذا ما يفسر قولنا إن الفساد تحول من مجرد انحرافات شخصية إلى مفهوم "المأسسة" institutionalism أى إيجاد غطاء من نص "قانوني" سواء فى لائحة أو قرار جمهوري.

(2) آليات إفساد أعضاء المؤسسة القضائية
ظلت الهيئة القضائية المصرية عصية على الكسر أو الاحتواء لسنوات طويلة، سواء قبل ثورة 23 يوليو عام 1952 أو بعدها. وقد حاول الرئيس السادات الحفاظ على علاقة ودية مع السلطة القضائية المصرية فى سنوات حكمه الأولى، حتى وقعت أحداث انتفاضة 18 و19 يناير عام 1977، وأكتشف الرجل بحاسته السياسية أن الهيئة القضائية المصرية لا تساير النظام فى توجهاته نحو توقيع أقصى العقوبات على المتهمين فى هذه القضية، وجاءت أحكام محكمة أمن الدولة العليا فى القضية رقم 100 لسنة 1977 بمثابة لطمة قاسية وجهت إلى النظام، حيث جاءت حيثيات الحكم مؤكدة على مسئولية الحكومة وقراراتها الاقتصادية فى اندلاع أحداث الانتفاضة. وبعدها اتبعت رئاسة الجمهورية والحكومة مجموعة من السياسات الجديدة بهدف اختراق المؤسسة القضائية واحتوائها، وقد تمثلت هذه السياسات الحكومية فى أربعة أساليب متكاملة وهى:

الأسلوب الأول: بدءا من عام 1979 جرى السماح – لأول مرة فى تاريخ القضاء – بالتحاق ضباط الشرطة بمختلف درجاتهم ورتبهم – دون رتبة المقدم – بسلك النيابة العامة وهى كما هو معروف أولى مراحل السلك القضائي، وقد أدت هذه السياسة المستمرة طوال ربع قرن إلى انضمام نحو ثلاثة آلاف ضابط شرطة ومباحث إلى سلك القضاء بما أصبح عددهم يعادل ربع العاملين فى هذه المؤسسة العريقة التى تميزت بالعقل القانوني المدني، فإذا بها الآن تطعم أو تخترق بعقل قانوني ذو طابع عسكري وشرطي – مارس الكثيرون منهم – وسائل الضرب وامتهان كرامة المواطنين.. فكيف لهؤلاء أن يعتدل ميزان العدل بين أيديهم؟

الأسلوب الثاني: مع تزايد أعداد خريجي كليات الحقوق سنويا، ورغبة الكثيرين منهم فى الالتحاق بسلك القضاء (النيابة العامة)، أو حتى الهيئات القضائية الأخرى – مثل مجلس الدولة أو النيابة الإدارية – فإن إغراق المؤسسة القضائية وتوريط بعض أعضاءها فى ممارسات غير قانونية وغير أخلاقية من نوع الوساطة والمحسوبية فى تعيين أبنائهم وأقربائهم فى سلك النيابة العامة، وبالمقابل إهدار حقوق بعض المتقدمين فى المسابقات الذين هم أكثر جدارة وكفاءة، بل ولجوء بعض أعضاء الهيئات القضائية إلى دفع "تبرعات" – دون أن نقول رشا – لذوي النفوذ فى الحكومة والحزب الحاكم أو التنازل والقبول بعلاقة من نوع ما مع الحكومة وبعض قياداتها، كل هذا كان بمثابة مساس بهيبة القضاة وأخلاقية هذه المؤسسة العريقة، كما أن تورط بعض رجال القضاء فى ممارسات الوساطة والمحسوبية والتمييز بين المتقدمين فى المسابقات على أساس القرابة أو صلات الدم، هو تلويث مباشر لهؤلاء بما يسمح فى المستقبل بابتزازهم من قبل النظام الحاكم سواء فى قضايا تمس تلك القيادات، أو رغبة الحكومة فى توجيه بعض الأحكام القضائية بما يخدم مصالحها السياسية.

الأسلوب الثالث: يتمثل فى تهرب حكومات الرئيس مبارك المتعاقبة من إصدار قانون بتعديلات السلطة القضائية التى أعدها القضاة منذ مؤتمر العدالة الأول عام 1986، بما يحفظ للقضاء المصري استقلاله ويصون كرامته. وهذا التهرب الحكومي الذي أستمر زهاء ربع قرن كامل، هو موقف سياسي تمليه رغبة نظام الرئيس مبارك فى الاستحواذ على أوراق التأثير المباشر أو غير المباشر على أعضاء الهيئة القضائية المصرية.

الأسلوب الرابع: والتى تتمثل فى سياسات إعارة وندب القضاة كمستشارين إلى الوزارات والهيئات والمصالح الحكومية، والتى جعلتهم مجرد خبراء تحت طلب السلطة التنفيذية، خاصة لدى الوزراء، مع إغداق مكافآت كبيرة شهريا على القضاة المنتدبين مما جعل من الصعب تخليهم عن هذه الوظائف الثانوية التى تحولت رويدا رويدا إلى ركيزة لضمان مستوى معيشة القاضي، وكذلك سياسات الإعارة الخارجية أو الداخلية.

والحقيقة أنه برغم كل تلك الجهود والمحاولات والسياسات الحكومية التى أتبعت من أجل احتواء السلطة القضائية والسيطرة على أعضائها، فإن الميراث العريق لهذه الهيئة وطبيعة التركيبة القانونية لعقلها المهني قد حال دون نجاح مجمل هذه السياسات الحكومية، فظل التيار الرئيسي للهيئة القضائية المصرية نظيفا ومستقلا، وهو ما يظهر جليا فى الأسابيع الحافلة والساخنة طوال الفترة من مايو إلى سبتمبر عام 2005 فيما سمي "انتفاضة القضاة" أو حركة 14 مارس التى قادها قضاة نادي قضاة الإسكندرية، ثم نادى قضاة مصر بالقاهرة، واستجمعت حولها أكثر من أربعة آلاف قاضي من أجل المطالبة بإصدار قانون "استقلال القضاء"وتمكين القضاة من الإشراف الحقيقي والكامل على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة وغيرها من مطالب الإصلاح القانوني التى تصب فى مجرى المطالب الشعبية الواسعة للإصلاح السياسي والديموقراطي فى البلاد.

خامسا: النتائج والتداعيات

والآن ما هو الحجم التقديري للاقتصاد الخفي والأموال السوداء فى الاقتصاد المصري خلال الربع قرن الماضي؟ تقدر الأحجام الكلية لأموال وتدفقات الاقتصاد الخفي والأموال السوداء بما يتراوح بين 57 مليار جنية إلى 70 مليار جنية سنويا خلال العقد الماضي وحده، وهذا يكاد يعادل 20% إلى 25% من قيمة الناتج المحلي الإجمالي الرسمي خلال نفس الفترة، وهذا التقدير يقل إلى حد ما عن التقدير الذي توصل إليه عالم الاقتصاد النمساوي "شنيدر" فى دراسته عام 1998 وشملت مصر، حيث قدره بنحو 35% من الناتج المحلى الإجمالي، بيد أن إدخالنا لعمليات تهريب الأموال من داخل مصر إلى خارجها التى زادت سرعتها وأحجامها خلال السنوات العشرة الأخيرة – خاصة فى عهد تولي عاطف عبيد مسئولية رئاسة الوزراء – والتي قدرتها بعض المصادر المصرفية والاقتصادية المصرية بنحو 3 مليارات دولار سنويا (أى ما يعادل 30 مليار دولار خلال السنوات العشر الأخيرة) فإننا نكون بصدد حركة أموال سوداء تقارب 35% من الناتج المحلى الإجمالي. وبالإجمال فإننا نكون إزاء ما يقارب 500 مليار جنية مصري جرت من خلف ظهر الحسابات القومية ومصفوفة تدفقات الدخل القومي الرسمية خلال السنوات العشر الماضية أو الخمسة عشر عاما على أكثر تقدير، وهى كلها أموال لا يتم سداد ضرائب عنها، علاوة على ما ألحقته من أضرار على نمط توزيع الدخول واستشراء "ثقافة الفساد" لدى جميع قطاعات السكان فى البلاد. إنها باختصار كارثة اجتماعية وأخلاقية دون زيادة أو نقصان.
__________
عبد الخالق فاروق، خبير اقتصادي ومتخصص في قضايا الفساد.




ثورة أم لا ؟




المدير العام
عضو ممتاز
عضو ممتاز



.....
الباحث عن الحقيقة

.....


****************************


---------------------------------------


----------------------------------------
عدد الرسائل: 4201
العمر: 55
العمل: باحث وكاتب في العلوم ومقارنة الآديان
تاريخ التسجيل: 12/08/2008

http://science.creaforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر.. تبديد أرصدة القوة

مُساهمة من طرف المدير العام في الأحد فبراير 13, 2011 1:50 pm

المعارضة الحزبية في مصر: اختلالات البناء وضعف الأداء

أحزاب المعارضة ليس لها حضور جماهيري كبير ومن يخرج للتظاهر من النشطاء غير الحزبين يتصدى له في الغالب الأمن (رويترز-أرشيف)

وحيد عبد المجيد

لا يحتاج إثبات أزمة الأحزاب السياسية في مصر- كما في مختلف البلاد العربية التي تسمح بتعددية مقيدة- إلى برهان؛ فمظاهرها أكثر وضوحا من أن تحتاج إلى البحث عنها. كما أن قادتها أصبحوا أكثر استعدادا للاعتراف بوجودها، بعد أن كانوا ينفونها، وإن ظلوا على حرصهم على تحميل القيود المفروضة عليها المسؤولية الكاملة عن هذه الأزمة. وبالرغم من أن هذه القيود لعبت دورا "تأسيسيا" في إرباك أحزاب المعارضة المصرية، وبالتالي خلق الأزمة التي تفاقمت مع الوقت، فإنه يظل من الصعب تصور إمكان وصول هذه الأزمة إلى ما وصلت إليه بعد 34 عاما على التحول من الواحدية السياسية إلى التعدد الحزبي المقيد بدون اختلالات جوهرية في بناء الأحزاب وطريقة تسييرها.

أولا: مصادر أزمة أحزاب المعارضة
ثانيا: أحزاب المعارضة المصرية: 34 عاما عجافا
ثالثا: المعارضة الحزبية: العجز المستديم عن بناء تحالفات
رابعا: مستقبل المعارضة الحزبية: "ديكور" لا يزيَّن

أولا: مصادر أزمة أحزاب المعارضة

تنبع الأزمة التي كبلت حركة أحزاب المعارضة وحوّلتها إلى ديكور سياسي، من مصدرين رئيسيين أحدهما موضوعي يتعلق بطابع النظام السياسي والبيئة التي تعمل فيها هذه الأحزاب، والآخر ذاتي يتصل بالاختلالات الداخلية فيها بناء وتسييرا وأداء.

1- بيئة الأحزاب كمصدر لأزمتها
"
تنبع الأزمة التي كبلت حركة أحزاب المعارضة وحوّلتها إلى ديكور سياسي، من مصدرين رئيسيين أحدهما موضوعي يتعلق بطابع النظام السياسي والبيئة التي تعمل فيها هذه الأحزاب، والآخر ذاتي يتصل بالاختلالات الداخلية فيها بناء وتسييرا وأداء

"
تختلف أوضاع الأحزاب السياسية في الدول الديموقراطية عنها في البلاد التي تضطر فيها نظم الحكم التسلطية إلى شيء من الانفتاح السياسي، ولكن في الإطار نفسه الذي لا ينهي هيمنتها على المجتمع.

ويقتضي الأمر هنا، وقفة منهجية سريعة مع النمط التسلطي في النظم السياسية وأهم سماته، كي نفهم كيف وصلت الأحزاب المعارضة في مصر إلى حافة الانهيار؛ فلم يعرف العالم العربي النمط الشمولي الذي شهدته الدول الشيوعية إلا في حالة واحدة هي اليمن الجنوبي السابق. ولكن العالم العربي كان في الواقع مصنعا للنمط التسلطي.

وبالرغم من أن معظم علماء السياسة ودارسيها يعتبرون النمط الشمولي أكثر قسوة وأشد جذرية في إهداره لمقومات الحرية، لأنه لا يترك أية مساحة خارجة عن إطاره أو أي حيز خاص يتنفس فيه الناس، فقد ثبت أن النمط التسلطي يترك أثرا أخطر وأفدح في المجتمع.

فالنمط الشمولي، الذي يميز تمييزا صارما بين "رجاله" الذين ينضوون تحت لواء حزبه الواحد أو المهيمن وغيرهم، يشترط في من يلتحق به التزاما كاملا ويمتلك آليات منظمة للتجنيد السياسي، أي يضع قواعد معينة بخلاف النظام التسلطي الذي يفتقد إلى أية قواعد أو معايير. وحتى إذا كانت قواعد النظام الشمولي غير ديموقراطية، فهي أفضل من غياب القواعد بما يؤدى إليه من عشوائية وافتقاد للاتجاه. كما أن وجود قواعد -أيا يكون نوعها- يقلل مستوى الفساد السياسي الذي ثبت أنه يصل إلى ذروته في النمط التسلطي ليطفح على المجتمع برمته، ويشمل الكثير من المثقفين، ويمتد إلى السياسيين الذين لا يلتحقون بالنظام إما لأنهم يرفضونه أو لكونه يستبعدهم.

وهذا يفسر لماذا يكون معارضو النظام الشمولي أقل عرضة للإفساد مقارنة بنظرائهم في النظام التسلطي وأكثر قدرة على تشكيل معارضة تتسم بالمصداقية، كما حدث في كثير من بلاد أوروبا الشرقية في مرحلتها الاشتراكية حتى سقوط حائط برلين عام 1989.

وأهم ما يميز النظامي التسلطي هو قدرته على التجدد وإعادة إنتاج نفسه، في الوقت الذي لا يمتلك النظام الشمولي القدر نفسه من المرونة. وسجل النظام التسلطي في العالم العربي نجاحا قياسيا في هذا المجال منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين، حين بدأت تحولات متفاوتة ومتنوعة في اتجاه الانفتاح السياسي الذي أتاح له الصمود أمام رياح الديموقراطية التي هبت على العالم في العقد الأخير من ذلك القرن، عكس النظام الشمولي الذي عصفت به هذه الرياح وانهار في بلاد كثيرة.

فقد ثبت أن النظام التسلطي يمكن أن يستوعب عوامل التغيير التي تدفع في اتجاه الدمقرطة Democratization، عبر انفتاح سياسي جزئي يشمل تعددية حزبية مقيدة ومحكومة من أعلى، تصبح أحزاب المعارضة في ظلها ديكورا لتزيين النظام، ما لم تمتلك إرادة المقاومة والقدرة عليها.

فالتعددية المقيدة إذن، هي بمثابة امتداد للنظام التسلطي في صورة أخرى تنطوي على قدر من الانفتاح السياسي الذي يتفاوت مداه من فترة إلى أخرى حسب مقتضيات التعامل مع المشاكل التي تواجهه.

ويحدث ذلك عادة حين لا يستطيع النظام التسلطي المغلق المحافظة على شرعيته وتجديدها أو لا يقدر على مواصلة كبت التعدد، فيلجأ إلى انفتاح سياسي جزئي يتوازى في الغالب مع انفتاح اقتصادي أكثر اتساعا.

ويسعى النظام التسلطي المنفتح جزئيا (المعدل) إلى تصوير حاله كما لو كان نظاما ديمقراطيا، رغم أن الانفتاح الذي طرأ عليه يظل محدودا. ويمكن إجراء هذه المقارنة بين النظام التسلطي المغلق والنظام التسلطي المنفتح – جزئيا – والذي سنطلق عليه هنا لدواعي التمييز نظاما تعدديا مقيدا.

مقارنة بين النمط التسلطي المغلق والنمط التعددي المقيد



النمط التسلطي المغلق

النمط التعددي المقيد

النظام الحزبي

- نظام حزب واحد أو نظام لا حزبي.

- حظر إنشاء أحزاب سياسية، أو السماح ببعضها وإدماجها في كيان يهيمن عليه الحزب الحاكم.

- تعدد حزبي محكوم من أعلى.


- قيود على تأسيس الأحزاب وعلى أنشطتها.

- حرمان قوى وتيارات أساسية من تشكيل أحزاب.


2- الاختلالات الداخلية في المعارضة الحزبية

أ- ضعف التكوين وهشاشة البناء
"
التعددية الحزبية لم يقدر لها أن تحقق التراكم الضروري كي تنضج وتترسخ. وكان الانقطاع الذي حدث في هذه التعددية بعد ثورة 1952 مؤثرا بعمق عليها. وظهر هذا الأثر واضحا عندما بدأ التحول إلى التعددية المقيدة في منتصف سبعينيات القرن العشرين

"
لا تعتبر مصر من البلاد حديثة العهد بالظاهرة الحزبية، فقد عرفت هذه الظاهرة بمعناها الحديث منذ ما يقرب من قرن كامل من الزمن، بل شهدت مقدمات لها منذ سبعينيات القرن التاسع عشر. غير أن التعددية الحزبية لم يقدر لها أن تحقق التراكم الضروري كي تنضج وتترسخ. وكان الانقطاع الذي حدث في هذه التعددية بعد ثورة 1952 مؤثرا بعمق عليها. وظهر هذا الأثر واضحا عندما بدأ التحول إلى التعددية المقيدة في منتصف سبعينيات القرن العشرين.

ولعل أهم ما ترتب على تدمير مقومات التعددية في مصر هو ضعف تكوين النخبة السياسية والثقافية. فما إن بدأ الانتقال نحو التعددية المقيدة حتى تبين أن هذه النخب أضعف من أن تحمل على كاهلها أعباء بناء نظام تعددي قادر على النمو والتطور. فقد ذهب بعضها بعيدا في مساومات غير مجدية مع نظام الحكم، وتخبط بعض آخر بين المواجهة والمهادنة، وقنعت كلها في النهاية بدور "كومبارس". بدت هذه النخب عاجزة عن المبادرة والفعل المؤثر، وأسيرة ردود فعل غلب عليها الطابع العشوائي، الأمر الذي أدخل التعددية الوليدة في أزمات مبكرة.

كما ظهر أن هذه النخب تعاني من محدودية المعرفة العامة في عصر لم يعد العمل الحزبي فيه خطبا عصماء وشعارات منمقة. لم تكن هذه النخب مؤهلة لبناء أحزاب قادرة على تقديم برامج وطرح سياسات محددة بديلة، وتكوين كوادر على مستوى مرتفع من المعرفة. ولم تكن مدركة أن الأحزاب الفاعلة في هذا العصر تعتمد على قواعد معلومات واسعة، ومراكز أبحاث متطورة، ومتابعة دقيقة لما يحدث حولها في مجتمعها وفى العالم.

بطبيعة الحال كان هناك المؤهلون لذلك والقادرون عليه في مختلف الأحزاب المعارضة، ولكنهم كانوا إما أقل عددا أو أضعف نفوذا، واستسلموا سريعا فاستقال معظمهم واحتفظ من لم يستقيلوا بآرائهم لأنفسهم. وكلما حاول "قادمون جدد" إلى الأحزاب إصلاح ما يمكن إصلاحه فيها وجدوا الطريق مغلقا وأدركوا أن محاولة فتحه تحتاج إلى نضال طويل غير مضمونة نتائجه، وقد تؤدي إلى صدام يعَّرض الحزب إلى خطر حله أو تجميد نشاطه، فقعدوا عن المحاولة.

وليس فقط التكوين المعرفي للنخب الحزبية هو الذي يعاني ضعفا شديدا، فكذلك الحال بالنسبة إلى التكوين الأخلاقي الذي يظهر ضعفه ليس فقط في الفساد الذي ضرب قطاعات من هذه النخب، ولكن أيضا في ميل أعداد متزايدة من هذه النخب إلى نفاق رؤساء الأحزاب والحلقة المحيطة بهم بمن فيهم الموظفون الإداريون في "السكرتاريات" الخاصة لهؤلاء الرؤساء. وكم يبدو المشهد عبثيا عندما ينضم شخص ذو حيثية ما إلى حزب معارض لينافق رئيسه طمعا فى "منصب" حزبي أو للعمل في شركات يملكها.

ب- غياب أو ضعف الديموقراطية داخل الأحزاب
ويقودنا ذلك إلى العنصر الرئيسي الثاني للاختلالات الداخلية في الأحزاب، وهو الطابع الديكتاتوري الذي اتسمت به الأحزاب.

وبالرغم من أن مستوى الديموقراطية المفترض وجوده في داخل الحزب يعتبر أقل من ذلك الذي ينبغي أن يتوفر في النظام السياسي، بسبب حاجة الحزب إلى التماسك لخوض التنافس المستمر مع غيره من الأحزاب، يظل حد أدنى من الديموقراطية شرطا لا غنى عنه لضمان هذا التماسك وحل الخلافات الداخلية بطريقة مرضية.

والملاحظ أن النظرية التعددية لا تفرد مبحثا مستقلا للديموقراطية داخل الأحزاب السياسية بشكل منفصل عن ديموقراطية المنظمات غير الحكومية بوجه عام. ولكن إسهامات بارزة في هذه النظرية تصل إلى أن إمكانات توفر الديموقراطية داخل الأحزاب وجماعات الضغط السياسية تعتبر أعلى من غيرها في المنظمات الأخرى.

والحال أن مستوى الديموقراطية داخل الأحزاب السياسية المصرية كان أقل من أن يسمح بإدارة رشيدة للخلافات في أوساط نخبة الحزب ونشطائه؛ فالمشكلة الجوهرية لهذه الأحزاب في مجملها تتصل بكيفية تسيير المستوى العلوي أو القيادي فيها، أكثر مما ترتبط بتسيير الحزب بشكل عام؛ فغياب أو ضعف الآليات الديموقراطية في إدارة العلاقة بين المستويات التنظيمية للحزب أمر مألوف في الظاهرة الحزبية إجمالا. لكن مساوئه لا تقارن بعجز المستوى القيادي (نخبة الحزب) عن تنظيم العلاقة بين عناصره؛ فآفة الأحزاب المعارضة المصرية تتعلق بضعف أو غياب القدرة على حل الخلافات بين عناصر قيادية قبل أن تنفجر؛ فمن النادر أن يواجه حزب في مصر أزمة حادة في العلاقة بين قيادته وقواعده. وهذا النوع من الخلاف قليل في الأحزاب بشكل عام. فالتنافس بين الأحزاب يخلق بطبيعته تعبئة تقل في ظلها إمكانية تصاعد أي توترات قد تظهر على المستوى الرأسي. وتقل هذه الإمكانية أكثر في الأحزاب المصرية بسبب ضعف الميل العام للمشاركة، بما في ذلك مشاركة المستويات القاعدية لهذه الأحزاب.

ولذلك تتركز أزمة كثير من الأحزاب في مستوياتها القيادية؛ حيث العجز عن إدارة الخلافات والنزوع "للشخصنة" و"الشللية". وهذا هو النقد المنصف الذي يمكن توجيهه لهذه الأحزاب بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال. فإذا كانت أساليب التسيير غير الديموقراطي تسود الأحزاب عموما، إلا أنه من الصعب أن نساوي بين أحزاب تنفجر أو معرضة للانفجار من داخلها، وأخرى تستطيع تجنب ذلك عبر أساليب متحضرة حديثة – وليس بالضرورة ديموقراطية – لإدارة الخلافات بين قيادييها.

ثانيا: أحزاب المعارضة المصرية: 34 عاما عجافا

أربعة وثلاثون‏ ‏عاما‏ ‏كاملة‏ ‏تمر‏ ‏في نوفمبر/تشرين الثاني 2010‏ ‏على‏ ‏قيام‏ ‏أحزاب‏ ‏سياسية‏ ‏متعددة‏ ‏في‏ ‏مصر‏. ‏فقد‏ ‏افتتح‏ ‏الرئيس‏ ‏الراحل‏ ‏أنور‏ ‏السادات‏ ‏الدورة‏ ‏البرلمانية‏ ‏في‏ 11 ‏نوفمبر/تشرين الثاني‏ 1976 ‏بإعلان‏ ‏تحويل‏ ‏التنظيمات‏ ‏التي‏ ‏كانت‏ ‏قد‏ ‏نشأت‏ ‏في‏ ‏إطار‏ ‏الاتحاد‏ ‏الاشتراكي العربي (التنظيم السياسي الواحد)‏ ‏إلي‏ ‏أحزاب‏. ‏وكانت‏ ‏هذه‏ ‏الأحزاب‏ ‏الثلاثة‏ (‏مصر‏ ‏العربي الاشتراكي،‏ ‏والتجمع‏ الوطني التقدمي الوحدوي، ‏والأحرار الاشتراكيون‏) ‏هي‏ ‏فاتحة‏ ‏الحياة‏ ‏الحزبية‏ ‏الجديدة‏. ‏

وأربعة وثلاثون‏ ‏عاما‏ ‏تعتبر‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏كافية‏ ‏لنضج‏ ‏التنظيم‏ ‏الحزبي؛ ‏فلا‏ ‏يحتاج‏ ‏الحزب‏ ‏إلى‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏عامين‏ ‏لكي‏ ‏يشب‏ ‏عن‏ ‏الطوق، ‏وإلى‏ ‏خمس‏ ‏سنوات‏ ‏لينضج، ‏أو‏ ‏ليتضح‏ ‏أنه‏ ‏غير‏ ‏قادر‏ ‏علي‏ ‏أن‏ ‏يكبر‏. ‏وفي‏ ‏النظم‏ ‏التعددية‏ ‏المقيدة‏ ‏من‏ ‏أعلي (كما هي حال مصر)، ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تمتد‏ ‏هذه‏ ‏الفترة‏ ‏إلى‏ ‏عشر‏ ‏سنوات‏.‏

"
ليس فقط التكوين المعرفي للنخب الحزبية هو الذي يعاني ضعفا شديدا، فكذلك الحال بالنسبة إلى التكوين الأخلاقي الذي يظهر ضعفه ليس فقط في الفساد الذي ضرب قطاعات من هذه النخب، ولكن أيضا في ميل أعداد متزايدة من هذه النخب إلى نفاق رؤساء الأحزاب والحلقة المحيطة بهم

"
ولذلك‏ ‏كان‏ ‏مفترضا‏ ‏أن‏ ‏يصل‏ ‏معظم‏ الأحزاب المصرية المعارضة أو بالأحرى غير الحاكمة، و‏التي‏ يبلغ‏ ‏عددها‏ ‏ 23 ‏حزبا، ‏إلي‏ ‏مرحلة‏ ‏النضج‏ ‏والتأثير‏ ‏قبل‏ ‏حلول‏ ‏الذكرى‏ الرابعة و‏الثلاثين‏ ‏لإعلان‏ ‏قيام‏ ‏الأحزاب‏.‏

فهناك‏ 14 ‏حزبا‏ ‏مر‏ ‏عليها‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏عشرة‏ ‏أعوام، ‏منها‏ ‏ثلاثة‏ ‏بلغ‏ ‏عمرها‏ ‏أربعة وثلاثين‏ ‏عاما، ‏وثلاثة‏ ‏أخرى ‏في‏ ‏عمر‏ ‏الحادية والثلاثين‏ (‏الوفد‏ ‏والوطني‏ ‏والعمل‏)، ‏وإن‏ ‏كان‏ حزب ‏الوفد‏ ‏فقد‏ ‏خمس‏ ‏سنوات‏ ‏في‏ ‏ظل‏ ‏تجميد‏ ‏اختياري، ‏وحزب العمل‏ نحو‏ ‏خمسة ‏عشر‏ ‏عاما‏ ‏في‏ ‏حالة‏ ‏تجميد‏ ‏قسري ما زالت مستمرة حتى الآن‏.‏

ومن‏ ‏بين‏ ‏الأحزاب‏ ‏الثمانية‏ ‏الأخرى، ‏التي‏ ‏مضى‏ ‏عليها‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏عشرة‏ ‏أعوام، ‏أربعة‏ ‏أصابها‏ ‏شلل‏ ‏مبكر‏ ‏بسبب‏ ‏تكالب‏ ‏بعض‏ ‏مؤسسيها‏ ‏علي‏ ‏مواقع‏ ‏النفوذ‏ ‏فيها‏ ‏وتدخل‏ ‏لجنة‏ ‏شئون‏ ‏الأحزاب‏ ‏في‏ ‏شؤونها، ‏وهى‏ ‏مصر‏ ‏الفتاة‏ ‏الذي ‏نشأ‏ ‏عام‏ 1989، ‏والخضر‏ ‏والشعبي‏ ‏الديموقراطي‏ (1990)، ‏والعدالة‏ ‏الاجتماعية‏ (1993). ‏أما‏ ‏الأحزاب‏ ‏الأربعة‏ ‏الأخرى‏ ‏فأهمها‏ ‏الحزب‏ ‏الناصري‏ (1992)، ‏بالرغم‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏حزبين‏ ‏سبقاه‏ ‏في‏ ‏النشأة‏ ‏وهما‏ ‏الأمة‏ (1983) ‏والاتحادي‏ ‏الديموقراطي‏ (1990)، ‏بالإضافة‏ ‏إلى‏ ‏التكافل‏ ‏الاجتماعي‏ ‏الذي‏ ‏تأسس‏ ‏في‏ 1995.‏ ولأن‏ ‏الفترة‏ ‏ما‏ ‏بين‏ ‏العامين‏ 1996 ‏و‏1999 ‏خلت‏ ‏من‏ ‏تأسيس‏ ‏أحزاب، ‏فالأحزاب‏ ‏التسعة‏ ‏الباقية‏ ‏لا‏ ‏يزيد‏ ‏عمر‏ ‏أقدمها‏ (‏الوفاق‏ ‏القومي‏) ‏على‏ ‏عشر‏ ‏سنوات، ‏ثم‏ ‏حزب‏ (‏مصر‏ 2000) ‏تسعة‏ ‏أعوام، ‏وحزب‏ (‏الجيل‏ ‏الديموقراطي‏) ثماني‏ ‏سنوات‏. ‏أما‏ ‏الأحزاب‏ ‏الأحدث‏ ‏فيصل‏ ‏عمر‏ ‏اثنين‏ ‏منها‏ (‏المحافظين‏ ‏والجمهوري‏ ‏الحر‏) ‏إلى‏ ‏خمسة أعوام‏، بينما ‏أكمل‏ ‏حزبان‏ ‏آخران‏ (‏السلام‏ ‏الديموقراطي‏ ‏وشباب‏ ‏مصر‏) ‏ستة أعوام، ‏ويبلغ ‏عمر‏ ‏حزبين‏ ‏غيرهما‏ (‏الغد‏ ‏والدستوري‏ ‏الديموقراطي‏)‏‏ ‏سبعة‏ ‏أعوام‏.‏

ولكن‏ ‏هذا‏ ‏التفاوت‏ ‏الشديد‏ ‏في‏ ‏أعمار‏ ‏الأحزاب‏ ‏المصرية‏ ‏لا‏ ‏نجد‏ ‏مثله‏ ‏في‏ ‏أحجامها‏ ‏وقدرتها‏ ‏على‏ ‏النفاذ‏ ‏إلي‏ ‏قلب‏ ‏المجتمع‏ ‏والاتصال‏ ‏بفئاته‏ ‏وشرائحه‏ ‏المختلفة، ‏بالرغم‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏بعضها‏ ‏كان‏ ‏موجودا‏ ‏في‏ ‏الشارع‏ ‏في‏ ‏مرحلته‏ ‏التأسيسية، ‏ثم‏ ‏انحسر‏ ‏هذا‏ ‏الوجود‏ ‏بشكل‏ ‏سريع‏.‏

فليس هناك فرق كبير‏ ‏الآن‏ ‏بين‏ ‏أحزاب المعارضة‏ ‏التي‏ ‏تعبر‏ ‏عن‏ ‏اتجاهات‏ ‏لها‏ ‏تاريخها‏ ‏مثل‏ ‏الوفد‏ ‏والتجمع‏ ‏والناصري‏ ‏والغد والجبهة الديموقراطية، والأحزاب الأخرى التي تعتبر في معظمها أحزاب أشخاص وشلل وعائلات‏؛ ‏فلم‏ ‏تحافظ ‏الأحزاب‏ التي تسمى رئيسية ‏على‏ ‏العضوية‏ ‏التي‏ ‏بدأت‏ ‏بها، ‏سواء‏ ‏على‏ ‏المستوى‏ ‏المركزي‏ ‏أو‏ ‏الوسيط‏ ‏أو‏ ‏القاعدي‏. ‏كما‏ ‏لم‏ ‏تعوضها‏ ‏بغيرها‏ ‏لأن‏ ‏عضويتها‏ ‏الأولى‏ ‏تكونت‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏الإقبال‏ ‏عليها، ‏وليس‏ ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏توجهها‏ ‏إلى‏ ‏الناس‏ ‏حيث‏ ‏هم‏ ‏إلا‏ ‏في‏ ‏أقل‏ ‏القليل‏.‏

ولذلك‏ ‏فحين‏ ‏انصرف‏ ‏من‏ ‏أقبلوا، ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏لديها‏ ‏ما‏ ‏يؤهلها‏ ‏للتعويض‏ ‏عنهم‏. ‏وكان‏ ‏للقيود‏ ‏الإدارية‏ ‏والأمنية‏ ‏التي‏ ‏فُرضت‏ ‏عليها‏ ‏أثر‏ ‏كبير‏ ‏في‏ ‏ذلك‏. ‏ولكن‏ ‏كان‏ ‏لضعف‏ ‏الديموقراطية‏ ‏في‏ ‏داخلها، ‏وغيابها‏ ‏تماما‏ ‏عن‏ ‏بعضها، ‏وحدَّة‏ ‏الصراعات‏ ‏بين‏ ‏قادتها‏ ‏ومؤسسيها، ‏أثر‏ ‏لا‏ ‏يقل‏ ‏أهمية‏.‏‏

ومن‏ ‏المفارقات‏ ‏التي‏ ‏يندر‏ ‏مثلها‏ ‏في‏ ‏أي‏ ‏نظام‏ ‏سياسي‏ ‏أن‏ ‏يتساوى في الضعف والهوان الآن ‏حزب‏ ‏أقبل‏ ‏عليه‏ ‏عند‏ ‏تأسيسه‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏أربعمائة‏ ‏ألف‏ ‏رغبوا‏ ‏في‏ ‏الانضمام‏ ‏إليه‏ ‏حين‏ ‏كان‏ ‏عدد‏ ‏سكان‏ ‏مصر‏ ‏أقل‏ ‏من‏ 40 ‏مليونا‏ ‏ثم‏ ‏انصرف‏ ‏غالبيتهم‏ ‏الساحقة‏ ‏عنه (حزب الوفد الجديد)، ‏وأحزاب‏ ‏لم‏ ‏يزد‏ ‏عدد‏ ‏أعضائها‏ ‏في‏ ‏أي‏ ‏يوم‏ ‏على‏ ‏مؤسسي‏ ‏الحزب‏ ‏الوطني‏ ‏القديم‏ ‏قبل‏ ‏قرن‏ ‏كامل‏ ‏من‏ ‏الزمن‏ (1907) ‏والذين‏ ‏كان‏ ‏عددهم‏ 250 ‏عضوا، ‏أو‏ ‏مؤسسي‏ ‏حزب‏ ‏الأمة‏ ‏القديم‏ ‏في‏ ‏العام‏ ‏نفسه‏ ‏وعددهم‏ 108 ‏أعضاء‏.‏

وهكذا تختم أحزاب المعارضة المصرية بمختلف اتجاهاتها العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وهي في حالة ضعف وتشتت وفقدان للاتجاه. تحمل هذه المعارضة على كاهلها ميراث أكثر من ثلاثين عامًا من الإحباط. فلم تمض أشهر على بداية التحول من التنظيم السياسي الواحد إلى تعدد الأحزاب عام 1976 حتى تبين أن ثورة التوقعات التي اقترنت بهذا التحول أبعد ما تكون عن الواقع.

كانت الفجوة واسعة بين هدف نظام الرئيس أنور السادات من هذا التحول وتطلعات كثير من نخب المعارضة سواء التي شاركت في تأسيس الأحزاب (التجمع والأحرار ثم الوفد والعمل 76 – 1978)، أو التي بقيت خارج إطار العملية السياسية الجديدة حينئذ وطمحت إلى استثمار أجواء الانفتاح التي اقترنت بها لاكتساب أرض جديدة على الساحة السياسية.

"
ليس هناك فرق كبير‏ ‏الآن‏ ‏بين‏ ‏أحزاب المعارضة‏ ‏التي‏ ‏تعبر‏ ‏عن‏ ‏اتجاهات‏ ‏لها‏ ‏تاريخها‏ ‏مثل‏ ‏الوفد‏ ‏والتجمع‏ ‏والناصري‏ ‏والغد والجبهة الديموقراطية، والأحزاب الأخرى التي تعتبر في معظمها أحزاب أشخاص وشلل وعائلات

"
وفي المسافة بين تعددية مقيدة محكومة من أعلى وتنافس حر مفتوح، دخل بعض الجيل الأول في المعارضة معارك أنهكته وخلقت بداية الإحباط السياسي الذي تراكم يومًا وراء آخر مؤديًا إلى القناعة بدور "الديكور" وتسول بعض مقاعد في البرلمان. كانت القيود على حركة المعارضة شديدة ومنهكة حقًا. ولكن قيادة هذه المعارضة لم تكن لديها القدرات الضرورية للتعامل مع هذه القيود بتكتيكات وأساليب تقلل أثرها المانع للحركة وتقلص احتمالات الصدام بما يترتب عليه من إنهاك.

ولذلك كانت المسؤولية عن التوتر الذي ملأ أجواء الحياة السياسية خلال السنوات الأولى للتعددية الحزبية مشتركة بين نظام الحكم وقيادة المعارضة. أراد النظام "ديكورًا سياسيًا يتزين به أمام شركائه الجدد في الولايات المتحدة وأوروبا (الغربية حينئذ). ولم يكن لدى قيادة المعارضة القدرات القيادية اللازمة لإدارة العلاقة مع هذا النظام باتجاه تحويل "الديكور" الشكلي إلى جزء من البناء نفسه.

ومازال هذا هو جوهر أزمة المعارضة الحزبية المصرية الآن بعد أكثر من ثلاثين عامًا لم تجر خلالها مياه جديدة كثيرة في نهر النظام الحزبي المقيد بالرغم من التغيرات الاجتماعية الواسعة والهائلة التي حدثت.

وليس هناك دليل على عمق أزمة هذه المعارضة الحزبية أكثر من تهافت أدائها فى لحظة بالغة الدقة في تاريخ البلاد يثار فيها جدل حول مستقبل الحكم وانتقال السلطة بعد الرئيس حسني مبارك أو في عهده.

ويعرف معظم المتابعين لأوضاع أحزاب المعارضة المصرية بدقة والعالمين بأنماط تفاعلاتها الداخلية في اللحظة الراهنة أن هذه الأحزاب لن تكون جزءًا من أية معادلة للتطور السياسي، وإنما قد يستطيع بعضها القيام بدور إذا أدت معادلة جديدة غير منظورة الآن إلى فتح باب ما أمام مشاركة شعبية أوسع وانتخابات برلمانية ورئاسية أكثر حرية ونزاهة.

فالجمود السياسي وغلق المجال العام أمام هذه الأحزاب أفقدها حيويتها. وفى هذه الأجواء اشتد إحباطها وتحولت طاقاتها إلى الداخل فأنتجت خلافات وصراعات ومحنًا أدت إلى تصدع أبنيتها وأفقدتها الحد الأدنى من التماسك. وكلما ازداد الإحباط قلت الحماسة وتراجع الاستعداد للعمل الجاد؛ ولذلك تفتقد أحزاب المعارضة، بما فيها الأحزاب الرئيسية وهي الوفد والتجمع والناصري، برامج بالمعنى الدقيق الذي يتيح الحديث عن استعدادها لتولي السلطة. ولا يرجع ذلك إلى عجز أو عدم قدرة؛ ففي الأحزاب الثلاثة، وعلى هوامشها وبالقرب منها، سياسيون ومثقفون وأكاديميون وخبراء يستطيعون إنتاج برامج معقولة في حدود المستوى العام للأداء في المجتمع المصري الآن، والذي يتراوح بين متوسط وضعيف. كما أن هناك متعاطفين مع بعض هذه الأحزاب يستطيعون خوض انتخابات برلمانية والمنافسة فيها. ولكنهم يحجمون عن ذلك في انتخابات لا تتوفر ضمانات لنزاهتها، ويحيطها مناخ يجعلها شديدة المحلية والاستغراق في أدنى نوع من الخدمات (الخدمات المباشرة من المرشح إلى الناخب)، ويطغي فيها دور المال، ويسودها شراء الأصوات. ولذلك تبدو هذه الأحزاب اليوم في حالة عجز كامل إلى الحد الذي يدفع مكونات المعارضة الجديدة من حركات احتجاجية وجماعات افتراضية "إنترنتية" إما إلى تجاهلها أو إلى مهاجمتها باعتبارها تابعة لنظام الحكم أو الحزب الحاكم.

ثالثا: المعارضة الحزبية: العجز المستديم عن بناء تحالفات

كان مشهد المعارضة الحزبية في صيف 2010، عشية الانتخابات البرلمانية التي ستجري في آخر نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، مضحكا مبكيا. فقد اشتد تخبطها بشأن التعامل مع ائتلاف تم إعلانه عام 2007 بين الأحزاب الأربعة الأكثر أهمية نسبيًا وهي الوفد والتجمع والناصري والجبهة الديموقراطية، وأُطلق عليه الائتلاف الديموقراطي.
فبعد أن ظل هذا الائتلاف حبرًا على ورق لم يظهر منه شيء يدل على وجوده في الواقع، دبت حركة مفاجئة فيه ولكنها عشوائية مرتبكة ومتخبطة؛ فقد فكرت هذه الأحزاب في تفعيله في أوائل عام 2010 عندما شعر قادتها بأن ظهور المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية د. محمد البرادعي في الساحة السياسية، والأمل الذي بثه حين طالب بالتغيير، يمثل تهديدا لهم ولأحزابهم التي رفض "القادم الجديد" إلى العمل المعارض التعامل معها واعتبرها ملحقة بنظام الحكم وحزبه.

"
ليس هناك دليل على عمق أزمة هذه المعارضة الحزبية أكثر من تهافت أدائها فى لحظة بالغة الدقة في تاريخ البلاد يثار فيها جدل حول مستقبل الحكم وانتقال السلطة بعد الرئيس حسني مبارك أو في عهده

"

وكان الزخم الذي أثاره استقبال حافل حظي به البرادعى في أوساط المعارضة غير الحزبية لدى عودته إلى القاهرة في فبراير 2010 مثيرا لقلق أحزاب المعارضة. كما كانت صراحته في الحديث عن هوانها والتحاقها بنظام الحكم مستفزة لقادة هذه الأحزاب، الذين تنادوا إلى عقد مؤتمر للإصلاح والتغيير. وحين عُقد هذا المؤتمر في أحد الفنادق الفخمة في 12 مارس 2010، بدا التناقض واضحا بين حضوره الذين قلَّ بينهم الشباب أو ندر، ومعظم الناشطين في حملة التغيير التي أطلقها البرادعى وجُلُّهم من الشباب.

ولأن أحزاب "الائتلاف الديموقراطي" حرصت على استعادة وإعادة إنتاج مطالبها الديموقراطية القديمة، لم يكن هناك اختلاف جوهري بين مضمون وثيقة التغيير التي تبناها البرادعى والورقة التي قدمتها هذه الأحزاب في المؤتمر، أو قُلِ الورقتين لأن تحدي البرادعي لم يكن كافيا لتجسير الفجوة التاريخية بين حزب الوفد والحزب الناصري حيث قدم كل منهما ورقة.

وكانت الورقتان متطابقتين تقريبا فيما عدا ديباجات أيديولوجية صارت ساذجة، وخصوصا حين يكون الهدف هو تفعيل ائتلاف بينهما. ومع ذلك كان الفرق الجوهري بين مؤتمر هذه الأحزاب ونشاطات أنصار البرادعى جيليًّا في الأساس؛ فقد ندر الشباب في مؤتمر الأحزاب، بدءا بمن جلسوا على المنصة. في أربع جلسات وعددهم أربعة عشر متحدثا كان أصغرهم سنا في أواخر الخمسينيات من عمره. وهذا هو الفرق الرئيسي بين المعارضة الحزبية وحركات التغيير الجديدة التي تعتمد على شباب أثار البرادعي إلهامهم وأعاد إليهم أملا غامضا في المستقبل.

ولم تمض أسابيع على هذا المؤتمر، الذي استهدف تذكير الناس بأحزاب المعارضة، حتى كانت خلافات صغيرة وغامضة قد دبت بين بعضها، وخصوصا بعد تولى د. السيد البدوي رئاسة حزب الوفد في يونيو 2010 إثر انتخابات كان شكلها مغايرا لمحتواها؛ فقد أُجريت في حرية ونزاهة على نحو أدى إلى إسقاط رئيس الحزب السابق محمود أباظة. ولكنها شهدت شراء للأصوات والذمم لا سابق له في أحزاب المعارضة، التي لم يكن ينقصها إلا استشراء هذا الداء الخبيث فيها لكثرة ما تعانيه من أمراض.

وكان مشهد الخلاف بين حزب الوفد وحزب الجبهة الديموقراطية عضوي الائتلاف بشأن كيفية تفعيله مبكيا مضحكا أيضًا، خصوصا وقد بدا أن رئيسي الحزبين تنافسا في تسفيهه، حين اعتبره رئيس الوفد مولودا ميتا، فيما وصفه رئيس الجبهة بأنه قليل الحيلة ضعيف الفاعلية.
غير أن هذا المشهد ليس جديدا أو غريبا في الحياة السياسية المصرية عموما، وفى الخلافات بين قوى المعارضة الحزبية وغيرها؛ فكثيرة هي المحاولات الفاشلة لبناء تحالفات وائتلافات بين هذه القوى منذ عام 1977 عندما تم تأسيس "الجبهة المصرية للدفاع عن الحريات" عقب انتفاضة يناير/كانون الثاني من العام نفسه. ويرجع ذلك إلى ضعف النزعة التوافقية في الحياة السياسية المصرية، وهشاشة ثقافة التوافق وطغيان الميل إلى الانشقاق والتبعثر، وضعف القدرة على الحوار البنَّاء المثمر الذي يقود إلى تفاهم على نقاط واتفاق على كيفية إدارة الخلاف على غيرها.

ولذلك فكثيرة هي -بل أكثر من أن تُحصى- اللقاءات التي عقدت بين أطراف المعارضة الحزبية، وشمل بعضها قوى معارضة أخرى، منذ التحول إلى التعددية المقيدة عام 1976. وكانت كلها لقاءات من أجل الديموقراطية المحجوز تطورها، ولكن بدون حوار حقيقي حول كيفية التوافق على عمل مشترك يدعم قدرتها على الضغط والتأثير الفاعل سعيًا إلى تحقيق أهدافها في نظام أكثر ديموقراطية.

وفضلا عن مصادر الاختلالات في أحزاب المعارضة الحزبية، ونتيجة لبعض هذه الاختلالات، عجزت هذه الأحزاب عن بناء كتلة أو ائتلاف ديموقراطي صلب قابل للتوسع. وكان هذا هو العامل الرئيسي وراء فشلها، وليس فقط في التأثير في مسار التطور في بلادها، ولكن في إيجاد مكان يعتد به لها على الخريطة السياسية. فعندما يكون كل من هذه الأحزاب ضعيفًا هشًا تذروه الرياح، لا يبقى سبيل أمامها إلا العمل المشترك المتواصل الذي يدعم موقفها في ميزان القوى السياسي، ويحقق تراكما تدريجيا تكون إحدى نتائجه دعم قدراتها الذاتية.

وأسهمت أزمة الأحزاب الليبرالية بمقدار وفير في هذا الفشل؛ فالمفترض أن هذه الأحزاب (الوفد والغد والجبهة الديموقراطية الآن) مؤهلة أكثر من غيرها لإدراك أهمية بناء التوافق اللازم لإقامة كتلة ديموقراطية مؤثرة، بحكم خلفيتها الفكرية التي تقوم أساسا على المبدأ الديموقراطي.
ونقصد بالتوافق، الذي فشلت المعارضة الحزبية المصرية في تحقيقه، أن تصل هذه المعارضة عبر الحوار بينها إلى تراض عام Consensus قد يقتصر على مبادئ عامة للغاية، وربما شديدة العمومية، وقد يتسع ليشمل نقاطا برنامجية في قضايا محددة تحظى بأولوية خاصة لدى المجتمع أو الشعب في لحظة معينة.

والمفترض أن يشمل هذا التوافق تفاهما عاما على كيفية حل الخلافات التي تنشأ بين هذه الأحزاب في مجرى العمل الحزبي، حتى تظل التناقضات بينها ثانوية ولا تتحول إلى صراعات حادة تزيدها ضعفا. ففي غياب مثل هذا التوافق، وفي ظل انشغال الأحزاب بالأحداث اليومية، يحدث أن الفجوة بينها تتوسع والشكوك تزداد، فيصبح بعضها على بعض عبئا، بدلا من أن يكون بعضها لبعض عونا. فالاتفاق على ضرورة الإصلاح الديموقراطي، مع كل أهميته، لا يكفي لتحقيق تقدم مطرد في الطريق إلى الديموقراطية ما لم يقترن بتوافق عام بين الأحزاب المؤمنة بهذا الإصلاح. كما أن السعي إلى التوافق يحدث بالضرورة من خلال الحوار، الأمر الذي يمكن أن يفيد في نشر الثقافة الديموقراطية المفقودة أو الضعيفة في المجتمع. والحوار هو أحد أهم عناصر النسق الثقافي الديموقراطي؛ إذ لا يمكن تعويض غيابه ولا إيجاد بديل عنه.

والمفترض أن تقوم الأحزاب الليبرالية بالدور الأكبر في هذا المجال، لأنها هي الأكثر إيمانا بهذا النسق الثقافي عموما وبقيمة الحوار خصوصا. كما أن هذا الحوار يعلَّم أطرافه، وربما أطراف أخري ينعكس عليها، ما لا يمكن أن يتحقق تحول ديموقراطي بدونه وهو الاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة، وبالتالي عدم التشبث بكل ما يؤمن به هذا الحزب أو ذاك واعتباره هو الخير المطلق. ففي غياب حد أدنى من الثقافة الديموقراطية، يقع الإنسان في خطيئة الاعتقاد في أن ما لديه خير مما عند غيره، وأن الحقيقة المطلقة طوع يديه.

ومن شأن الحوار، الذي يهدف إلى بناء التوافق بين أحزاب المعارضة، أن يرسي تقاليد – لا تتقدم الديموقراطية بدونها – في العلاقة بين الأحزاب المختلفة، وبين الناس عموما. وهي تقاليد تمثل مزيجا من الحرية والمسؤولية؛ لأن كل من يشارك في الحوار إنما يفعل ذلك بمطلق حريته دون إرغام. وهو يستطيع، بالتالي، أن يطرح ما يشاء، وأن يصر على ما يرغب فيه، وأن يقلب حتى مائدة الحوار على رؤوس الجميع، مثلما حدث في بعض الحوارات التي نُظمت بين أحزاب معارضة في مصر مثلا. ولكن المشارك في الحوار لا يفعل مثل ذلك حين يكون لديه حد أدنى من المسؤولية والإحساس بالمصلحة العامة والاستعداد لوضعها فوق المصلحة الحزبية.

والحال أنه باستثناء بعض الأحزاب المغربية، فشلت الأحزاب العربية المعارضة في بلوغ هذا المستوى من الحوار الذي يقود إلى توافق يؤسس لبناء كتلة معارضة ديموقراطية قوية. ومن هنا أهمية حالة (الكتلة الديموقراطية) التي شكلتها أحزاب المعارضة المغربية في عام 1992، بعد فصول من الحوار والتنسيق على مستويات مختلفة. وهي الكتلة التي نجحت في استثمار لحظة تاريخية مواتية للتقدم نحو تداول السلطة للمرة الأولى. وقد لعب حزب الاستقلال (شبه الليبرالي) دورا كبيرا في هذا الإنجاز، لانجد مثله في مصر التى قد لا تعرف أحزابها الليبرالية الكثير عن تجربة المغرب المثمرة فى مجال التوافق الديموقراطى. ففي مصر الآن ثلاثة أحزاب ذات منحى ليبرالي هي الوفد والغد والجبهة الديموقراطية. خرج الثاني من رحم الأول وتباعدت بينهما المسافات. وجاء الثالث جديدا؛ فتزامنت نشأته مع انهيار الثاني (الغد) بعد إدانة رئيسه قضائيا وحبسه. وفي الوقت الذي يميل حزب الوفد إلى تكتيكات مرنة في علاقته مع نظام الحكم سعيًا إلي إصلاحه في الأغلب وبحثًا عن صفقات في بعض الأحيان، اتبع حزب الغد منهجا صداميا يستهدف تغييرا أكثر جذرية مما أدى إلى كسره، في الوقت الذي تعثر حزب الجبهة لوقوعه في أسر صراعات داخلية حادة من اليوم الأول.

وقد عجزت هذه الأحزاب، وغيرها من المنابر والشخصيات الليبرالية، عن الوصول إلى منهج للمعارضة لا يبالغ في تقدير إمكانات إصلاح نظم الحكم العربية من داخلها، ولا يتطرف في تصور إمكانات تغييرها، مثلما فشلت فى إيجاد صيغة للعمل المشترك. وفضلا عن أن هذا التفتت أضعفها كلها، فقد حال أيضا دون قيامها بإحدى الوظائف الرئيسية التي يفترض أن تؤديها، وهي قيادة الحوار الغائب بين أحزاب المعارضة سعيا إلى بناء كتلة ديموقراطية تدعم مركزها في الساحة السياسية وتؤدى إلي تغيير تدريجي في موازين القوى الداخلية في البلاد.

رابعا: مستقبل المعارضة الحزبية: "ديكور" لا يزيَّن

"
عجزت هذه الأحزاب عن بناء كتلة أو ائتلاف ديموقراطي صلب قابل للتوسع. وكان هذا هو العامل الرئيسي وراء فشلها، وليس فقط في التأثير في مسار التطور في بلادها، ولكن في إيجاد مكان يعتد به لها على الخريطة السياسية

"
كان وجود أحزاب المعارضة في نظام تعددي مقيد نجح في تكبيلها على نحو أدى إلى انغماسها في صراعات داخلية، مساعدا في تزيين هذا النظام وتسويق ادعاءاته الديموقراطية، وخصوصا فى الخارج وفى أوساط قطاعات لا يستهان بها في الداخل أيضا. وأدت المعارضة الحزبية هذا الدور "الديكوري"، الذي قنعت به بعد أن فشلت في القيام بدور أكثر جدية، طوال العقدين الأخيرين في القرن الماضي، وخصوصا الأخير (التسعينيات) الذي اتجه فيه معظمها إلى الاستسلام بعد أن حاول بعضها أن يقاوم خلال الثمانينيات في حدود إمكاناته الهشة وفي بيئة سياسية ضاغطة. وما أن انتهى ذلك العقد، وفي مطلع الألفية الجديدة، إلا كان واضحا أن المعارضة الحزبية تعاني سكرات الموت.

وأسهم في ذلك تجميد حزب العمل في مايو 2000؛ فكان صعود تيار إسلامي في داخله في منتصف الثمانينيات قد دفعه إلى تبني خط معارض أكثر جذرية من باقي الأحزاب المعارضة. فكان تغييبه عن الساحة الحزبية تكريسًا لدور ديكوري قبلته الأحزاب الأخرى وعلى رأسها حزب الوفد الجديد والتجمع الوطني التقدمي الوحدوي، وتبعها فيه الحزب الديموقراطي العربي الناصري الذي بدأ بداية قوية، سبقته إلى مثلها أحزاب أخرى في أواخر سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي، ولكنه لم يلبث أن تراجع بسرعة قياسية.

غير أن الدور "الديكوري" للمعارضة الحزبية في مصر بدأ في الانكشاف عندما ظهرت معارضة جديدة خارج إطار النظام الحزبي منذ تأسيس حركة "كفاية" في أواخر عام 2004، وحتى إعلان "الجمعية الوطنية للتغيير" في أوائل عام 2010. ووصل انكشاف هذه الأحزاب إلى حد الاستهانة بها، بل بلغ مبلغا يدفع إلى إنكار وجودها ليس بالمعني الفيزيقي بطبيعة الحال، بل بالمعني السياسي. ولم يكن عالم الجيولوجيا المصري المشهور عالميا د. فاروق الباز مبالغا أو مستخدما لغة مجازية عندما قال -في مقابلة أجرتها معه صحيفة "الأهرام المسائي" ونشرتها في عددها الصادر في الأول من يوليو 2010- : إنه لا أحزاب في مصر.

فقد عبر عن الواقع الذي لم يعد لهذه الأحزاب حضور سياسي فيه بالرغم من التشجيع الذي باتت تلقاه من نظام الحكم لاستخدامها في تغطية عملية إقصاء جماعة "الإخوان المسلمين" من التمثيل البرلماني، وإخراجها من الساحة السياسية بوجه عام. وإذا كان هناك من أصابه الشك في حكم د. الباز على المعارضة الحزبية في حينه، لأنه تزامن مع تجربة بدت مبشرة في حزب الوفد الذي انتقلت رئاسته بيسر وسلام من رئيس إلى آخر في انتخابات كان شكلها بديعًا؛ فالأرجح أن هذا الشك بدأ في الانحسار عندما تبين أن أزمة هذا الحزب كغيره من أحزاب المعارضة هي أعمق وأكبر من أن يغطيها مشهد مهما كان طيبًا.

كان تعطش النخبة السياسية والثقافية المصرية إلى أي مشهد ديموقراطي دافعا إلى المبالغة في أهمية تجربة الانتخابات في حزب الوفد وتمجيد نزاهتها وسلامة إجراءاتها، بدون النظر إلى ما وراء هذا المشهد أو ما في داخل الإطار أو تحت السطح؛ فلم تمض أسابيع قليلة حتى تبين أن الأجواء "المسممة" في داخل هذا الحزب صارت أكثر تسممًا، وأن الصراعات الصغيرة تجددت وتكاثرت في ظل سعى الرئيس الجديد إلى تمكين أتباعه، وانقسام أنصار الرئيس السابق إلى من اختاروا "الصمود والتصدي"، ومن أبدوا استعدادًا للولاء للرئيس الجديد بشرط إبقائهم في مواقعهم وعدم إسقاطهم في انتخابات الهيئة العليا.

وصار موعد هذه الانتخابات موضوعًا لصراع اشتد وأطلق موجة جديدة من التلاسن والاتهامات المتبادلة، وفاقم حالة التربص التي لم تكمن إلا لبضعة أسابيع بعد انتخاب رئيس الحزب في يونيو الماضي لتظهر مرة أخرى في صورة أكثر حدة. ومثلما لم يكن مشهد الانتخابات النزيهة كافيا لتغطية أزمة وصلت إلى نخاع حزب الوفد، لم تفلح مشاهد انضمام مثقفين وأكاديميين إلى الحزب- "ثقة في رئيسه" الجديد- في تغطية التصدع في هذا الحزب، بل أسهم بعضها على الأقل في إظهاره بوضوح أكبر. فالإقبال المفاجيء على حزب كان موجودا على مدى 34 عامًا لمجرد "الثقة في رئيسه" أو "فرحا بانتخابات داخلية فيه" هو دليل على اشتداد المرض، وليس مؤشرا على بدء الشفاء منه.

الحال أن الاتجاه الذي تمضي فيه المعارضة الحزبية، التي اختارت المساعدة في عملية إقصاء تيار "الإخوان المسلمين" مقابل ثمن بخس قد لا يتيح لها مجتمعة نصف عدد المقاعد التي حصل عليها هذا التيار في الانتخابات البرلمانية 2005 (88 مقعدًا)، يعجِّل بإقصائها هي من الشارع السياسي، ويفقدها آخر ما قد يكون باقيا لها من صدقية أو حتى قدرة على أداء دور "الديكور"؛ وعندئذ يكف "الديكور" عن أداء وظيفته "التزينية"، وتغدو هذه المعارضة الحزبية ورقة محروقة، وتقل حاجة من أرادوا لها هذا الدور إليها، في الوقت الذي قد تتنامي بدائلها غير الحزبية على نحو يؤدي تدريجيا إلى إعادة صوغ الساحة السياسية في ظل حال استقطاب بين نظام الحكم ومعارضة جديدة. وفي هذه الحال، قد لا يبقي مكان لمعارضة حزبية تتجه لأن تكف عن كونها معارضة، ولا تصلح لدور "الديكور" الذي قنعت به لفترة طويلة. وهذا هو ما ينتظر المعارضة الحزبية ما لم يدرك قادتها هول ما يأخذونها إليه، أو يظهر فيها من يستهولون هذا المصير ويستطيعون تغيير الاتجاه الذي يقود إليه.
___________________
وحيد عبد المجيد، مستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية.

عودة إلى الصفحة الرئيسة للملف




ثورة أم لا ؟




المدير العام
عضو ممتاز
عضو ممتاز



.....
الباحث عن الحقيقة

.....


****************************


---------------------------------------


----------------------------------------
عدد الرسائل: 4201
العمر: 55
العمل: باحث وكاتب في العلوم ومقارنة الآديان
تاريخ التسجيل: 12/08/2008

http://science.creaforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر.. تبديد أرصدة القوة

مُساهمة من طرف المدير العام في الأحد فبراير 13, 2011 1:51 pm

قوي الحراك السياسي الجديدة في مصر

قوى الحراك السياسي الجديدة في مصر وعمادها الشباب قادت الشعب نحو انتفاضة غير مسبوقة (الأوروبية-أرشيف)

عمرو الشوبكي*

أطلق مصطلح قوى الحراك السياسي الجديد على التيارات والتجمعات السياسية التي رفضت الانخراط في أحزاب المعارضة التقليدية، وانتقدت خطابها وأساليبها، وأسست تيارات جديدة خارج إطار الشرعية القانونية للنظام السياسي القائم.

"
مع خروج السياسة من المجال العام ودخول الفوضى والعشوائية والحلول الأمنية بدلا منها، ومع فقدان قطاع واسع من الجماهير الثقة في كل ما هو شرعي، تحولت الأخيرة إلى الحلول الفردية والاحتجاجات الفردية وظهرت قوي الحراك السياسي الجديد كصرخة احتجاج مدوية على مجمل الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد

"
ولعل أبرز هذه التيارات هو حركة كفاية التي تأسست عام 2004، وأعقبها حركات شبابية جديدة مثل حركة 6 أبريل، والحملة الشعبية لدعم البرادعي وغيرها من التجمعات الشبابية على مواقع الانترنت والفيس بوك. كما فتح الواقع السياسي المصري الباب أمام تصاعد نمط جديد من قوى الحراك الاجتماعي غير المرتبط برؤية سياسية أو حزبية، وينتمي إلي نفس الموجه الجديدة من قوى الحراك السياسي من زاوية عدم ارتباطه بالأحزاب القانونية وصعوبة السيطرة عليه من قوى منظمة، وإمكانية تفجره بشكل تلقائي كما جري في مدينة المحلة الكبرى ذات الطابع العمالي في 2008 بعد أن شهدت حوادث عنف واسعة وعفوية.

أولا: قوى "الجمود السياسي" أم القوى التقليدية

عرفت مصر تحولا نحو التعددية الحزبية المقيدة عام 1976 بقرار من الرئيس الراحل أنور السادات، ومنذ ذلك التاريخ حافظت على هذه التعددية المقيدة لما يقرب من 35 عاما، فبقي هناك حزب كبير مرتبط بجهاز الدولة هو الحزب الوطني الديمقراطي الذي مثل الطبعة الثالثة من أحزاب الدولة المصرية التي نشأت في أعقاب ثورة يوليو، فالأول كان الاتحاد الاشتراكي العربي، التنظيم السياسي الواحد الذي تأسس في ستينات القرن الماضي، والثاني كان حزب مصر العربي الاشتراكي الذي ولد عام 1976 برعاية الرئيس السادات وبزعامة رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت الراحل ممدوح سالم، وعاش عامين فقط إلي أن قرر الرئيس السادات النزول بشكل مباشر إلي "الشارع" وأسس في عام 1978 الطبعة الثالثة من أحزاب النظام الجمهوري وهو الحزب الوطني الديمقراطي الذي ظل في السلطة منذ ذلك التاريخ وحتى الآن.

ويقف كثير من المراقبين أمام دلالة انتقال كل نواب وأعضاء حزب مصر السابق إلي حزب الرئيس السادات بمجرد إعلانه، ونهاية "الحزب القديم" الذي كان يضم الملايين في ساعات، وهو أمر نادر التكرار ويدل على أن قوة الحزب الحاكم تكمن في ارتباطه بالرئيس وبجهاز الدولة.

وقد انعكس هذا الوضع غير الديمقراطي (في النشأة والممارسة) للحزب الحاكم على أحزاب المعارضة، فلم تعرف معظمها انتخابات ديمقراطية حقيقية على موقع رئيس الحزب، وفشلت في تجديد خطابها السياسي والتواصل مع الشباب والتيارات السياسية الجديدة، وبقي زعمائها في قيادتها حتى وفاتهم باستثناء انتخابات حزب الوفد التي أسفرت عن فوز الدكتور السيد البدوي رئيسا للحزب بعد انتخابات ديمقراطية غير مسبوقة في تاريخ الأحزاب المصرية، وبعد أن اعتادت الأحزاب المصرية على انتخابات تنتهي إما بالانشقاق أو بالمحاكم أو بالحد الأدنى بالشتائم والسباب.

أما بالنسبة للإخوان المسلمين فقد كانوا أبناء مخلصين للسياق الذي وضعهم فيه الرئيس مبارك، والذي تميز بعدم الإقدام على أي مواجهة إستئصالية أو شامله معهم، واختاروا إستراتيجية "المواجهة المحسوبة " التي لا تميل إلي أسلوب المواجهة الشاملة مع خصومه السياسيين، وأبدا النظام حرصا على الاحتفاظ ببنية الإخوان المسلمين التنظيمية متماسكة دون انقسام يفتتها، وأن يكون الضغط المفروض عليها ضغطا محسوبا يضعها في موقع الدفاع ويقلص من قدرتها على المبادرة دون الدخول في مواجهة صفرية تؤدي إلي انقسام التنظيم لأكثر من جماعة قد يمارس بعضها عمليات تحريض ومواجهة مفتوحة ضد النظام لا يحكمها أي رادع تنظيمي.

وقد أدت هذه السياسة إلي وضع الإخوان هدف الحفاظ على وحده الجماعة، كقيمة عليا في حد ذاتها يجب الدفاع عنها، وبدت الدولة أيضا وكأنها ليست ضد "هذه القيمة " بشرط ألا تتجاوز في نشاطها وفاعليتها التنظيمية "الخطوط الحمراء"، بشكل يؤدي إلي تهديدها النظام القائم، وهذا ما جعل هدف الاستبعاد الحالي للجماعة ذو طابع إقصائي وليس استئصالي، أي إقصائها بقدر الإمكان من المجال السياسي خاصة البرلمان دون العمل على استئصال كامل لكيان الجماعة. والمؤكد أن هناك ثمن لا بد وأن يدفعه النظام والإخوان المسلمين لنجاح عملية "الدمج الآمن" للإخوان في العملية السياسية، فالإخوان قادمون من خارج تراث الدولة المدنية المصرية، والنظام الجمهوري، بل كانوا نقيض له في بعض الفترات، ترتاب فيهم أجهزة الدولة ولا تعرف عنهم إلا صورة نمطية سلبية صنعتها مبالغات الأجهزة الأمنية وأخطاء الإخوان وخاصة السابقة منها، وبالتالي فإن عملية "التطبيع" هذه بين النظام والإخوان لن تكون بالمسألة السهلة، لأن برنامج الإخوان وجانب كبير من أفكارهم غير منسجم مع قيم الديمقراطية ومبادئها، كما أن النظام لم يطور من قدراته وكفاءة عناصره حتى يستطيع أن ينافس الإخوان وباقي قوى المعارضة في ساحة الانتخابات الحرة وليس عبر الاعتقال والحصار الأمني.

ثانيا: الطريق إلي قوى الحراك الجديدة

1 ـ تدهور أداء الدولة

شهدت مصر في الفترة الأخيرة مجموعة من الحوادث "الصادمة" التي عكست حجم التدهور الذي أصاب الأداء العام لمؤسسات الدولة، وطريقة التعامل مع المشكلات المختلفة. فمنذ غرق العبارة المصرية في عرض البحر الأحمر منذ أكثر من أربع سنوات والحديث لا ينتهي على التدهور الذي أصاب أداء الدولة المصرية، عمقه كثير من القرارات العشوائية منها مثلا قيام الحكومة بإعدام الخنازير التي تربى وسط المناطق السكنية، لمواجهة ما عرف بوباء أنفلونزا الخنازير. والحقيقة أن قرار الحكومة بإعدام الخنازير وتراجعها عن ذلك، ثم قيامها بذبحها، رغم أن منظمة الصحة العالمية اعتبرته قرارا خاطئا ولا مبرر له، دل على تخبط واضح، خاصة إنه تجاهل مصالح عشرات الآلاف من المواطنين الذين يعملون في هذا المجال. والسؤال البديهي الذي كان يجب أن يطرح أولا، هل هناك حاجة طبية لذبح الخنازير من أجل مواجهة الوباء؟ الإجابة القادمة من المنظمات العالمية ومن بعض الأطباء المتخصصين أنه لا حاجة لذبح كل الخنازير. وقد ارتبك أداء الحكومة طوال تلك الأزمة واتهمها البعض بأن قرارها وراءه دوافع طائفية، - وهو أمر غير صحيح - ولكن دفاعها عن نفسها كان باهتا ومرتبكا، وفشلت في إرجاع المشكلة إلى أصلها أي البعد الصحي والاجتماعي.

وقد شهدت البلاد حادثة دخول قمح فاسد غير صالح للاستخدام الآدمي، دون أن تستوقفه أي جهة رقابية أو صحية، رغم وجود ثلاث جهات مخصصة لهذا الشأن، وهي الحجر الزراعي التابع لوزارة الزراعة، والحجر الصحي التابع لوزارة الصحة، والهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، مما دفع النائب العام لإصدار قرار بإعادة شحنة القمح إلى روسيا مرة أخرى، وردّ أموال الدولة من جانب الشركة الخاصة التي قامت باستيراده، والمؤسف في الأمر أن مناقشات مجلس الشعب حول تلك الصفقة لم تؤخذ بشكل جدي منذ بداية تقديم العديد من طلبات الإحاطة حول الموضوع، إلى أن قام النائب العام بفتح التحقيق في الموضوع.

وتكرر سوء الأداء وعشوائيته ليشمل مجالات أخرى امتدت إلى حوادث مميتة على الطرق، وتراجع في الخدمات العامة من صحة وتعليم ومواصلات وغيرها، وتزايد حالات التعذيب، وغياب الثقة في مؤسسات الدولة بما فيها تلك التي تمتعت بسمعة طيبة واحترام.

"
رغم أن الدولة المصرية اعتادت تاريخيا أن تتخاصم مع المعارضين السياسيين، ولكننا لأول مرة نشاهد الدولة غير السياسية تتخاصم مع المواطنين غير السياسيين، الذين تقف طموحاتهم عند حدود وسيلة انتقال آدمية لا تزهق أرواحهم، ومياه صالحة للشرب لا تختلط بمياه الصرف الصحي، وبيت متواضع لا يسقط على رؤوسهم، وحد أدني من العدالة والكرامة الإنسانية

"

ورغم أن الدولة المصرية اعتادت تاريخيا أن تتخاصم مع المعارضين السياسيين، ولكننا لأول مرة نشاهد الدولة غير السياسية تتخاصم مع المواطنين غير السياسيين، الذين تقف طموحاتهم عند حدود وسيلة انتقال آدمية لا تزهق أرواحهم، ومياه صالحة للشرب لا تختلط بمياه الصرف الصحي، وبيت متواضع لا يسقط على رؤوسهم، وحد أدني من العدالة والكرامة الإنسانية.

والمؤكد أنه لا ينتظر أن تقدم الدولة في مجتمع عسر كمصر، خدمات متطورة وحديثة لمواطنيها، كتلك التي تقدمها الدولة في بريطانيا أو فرنسا، على سبيل المثال، إنما كانت الدولة في مصر دائما ذات تقاليد (بما فيها أجهزتها الأمنية) منذ تأسيسها بصورة حديثة على يد محمد على في 1805، قادرة بكفاءتها النسبية وبتقاليدها أن تحد من أخطاء السياسة، وظل جانب كبير من هذه المؤسسات حاميا للمواطن من بطش السياسة وانحرافها، وقادرا على تقديم الحد الأدنى من الخدمات للمواطنين البسطاء ولو بكفاءة محدودة.

وأدى تراجع احترام القانون وفرض هيبة الدولة (غير الأمنية) على المجتمع وتدهور أداء مؤسسات الدولة وعشوائيته، إلى انتقال الحكومة من حالة إدارة العمل اليومي إلى حالة إدارة التسيب اليومي، واستقر الجمود في السياسة الذي انتقل بدورة إلى الإدارة والمؤسسات العامة والخاصة، وأصبح من الصعب أن نرى رقابة سياسية أو قانونية جادة أو فاعله على الأداء العام وعلى مؤسسات الدولة.

والمؤكد أن نظام الرئيس مبارك واجه في بدايته تحديا صعبا تمثل في الإرهاب الذي نجح في هزيمته عقب مواجهات أمنية عنيفة، حصل خلالها النظام على دعم أحزاب المعارضة، ومع نهاية عقد التسعينيات استقرت أوضاع البلاد أمنيا وبقي الوضع السياسي على ما هو عليه، حيث تآكل دور النخبة السياسية بعد أن عجز النظام عن فرز نخبة سياسية مؤثرة مؤمنة بخطه أو بحزبه، وتراجعت أيضا أحزاب المعارضة، وتراجع دور النقابات، وخاصة العمالية منها، والتي باتت أقرب إلى مؤسسة حكومية أكثر منها نقابات مستقلة.

ومع خروج السياسة من المجال العام ودخول الفوضى والعشوائية والحلول الأمنية بدلا منها، ومع فقدان قطاع واسع من الجماهير الثقة في كل ما هو شرعي، تحولت الأخيرة إلى الحلول الفردية والاحتجاجات الفردية وظهرت قوي الحراك السياسي الجديد كصرخة احتجاج مدوية على مجمل الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد.

كما عرفت البلاد انتفاضات غير سياسية أكثر خطورة من أي تحركات سياسية منظمة، واتسمت بنفس سمات المؤسسات العامة للدولة من فوضى وعشوائية، وتلك ستكون أكثر خطورة من أي احتجاجات سياسية منظمة تطالب بالإصلاح السياسي وتعديل الدستور، أو احتجاجات اجتماعية ورائها قوى سياسية أو نقابية.

إن مساحات التساهل التي أبدتها الدولة تجاه مظاهر التسيب المختلفة في المجتمع المصري وفي قلب النظام السياسي المصري، دفعت بقطاع واسع من المصريين إلى صناعة ما يشبه الدولة الموازية، كبديل عن غياب الدولة الحقيقية، فعرفنا القوانين الموازية، والهيئات والنقابات الموازية، كما شهدنا الأحزاب الموازية والأحزاب الأصلية، والجماعة المحظورة بجوار الأحزاب القانونية، والقوى السياسية القديمة والجديدة، وتيارات الحراك السياسي والاجتماعي الجديدة التي تحركت خارج شرعية الدولة بالكامل وأسست لشرعية جديدة مكانها الشارع.

والمؤكد أن أداء الدولة المصرية والتدهور والجمود الذي أصابها انعكس على النظام السياسي ودفع قطاعات واسعة من الناس إلي تأسيس حركات احتجاج سياسي واجتماعي جديدة خارج الأطر القانونية والدستورية القائمة التي ضاقت على الجميع ولم يعد من الممكن تصور قدرتها على دمج قوى الحراك السياسي في الشرعية القانونية.

2 ـ انتخابات لا تجلب الديمقراطية

على عكس بعض تجارب التعددية المقيدة في بعض دول العالم التي نجحت عن طريق الانتخابات في تغيير النظم القائمة وإجراء إصلاحات ديمقراطية، فإن الحالة المصرية تبدو بعيدة عن هذه التجارب، وهو الأمر الذي فتح الباب بدوره أمام قوى الحراك السياسي الجديد التي تطالب بمقاطعة الانتخابات لعدم جدواها، وفتحت عمليات التزوير والفوضى التي تشهدها الانتخابات الباب أمام هذه القوى للتشكيك في العملية الانتخابية بل والعملية السياسية برمتها.
وباستثناء انتخابات الأندية والنقابات المهنية من الصعب اعتبار انتخابات مجلسي الشعب والشورى، والانتخابات المحلية تحمل أي آلية لتداول السلطة أو تتمتع بشروط النزاهة الواجب توافرها في أي انتخابات ديمقراطية.

وقد شهدت مصر طوال العام الماضي عدد من الانتخابات التكميلية في مجموعة من الدوائر اتسمت بغياب النزاهة وعادت انتخابات مجلس الشورى لتشهد ضعف المشاركة الانتخابية وعمليات تزوير واسعة شملت تسويد غير مسبوق للكشوف الانتخابية، وتحدثت كثير من منظمات المجتمع المدني التي راقبت انتخابات الشورى عن نسبة مشاركة بلغت حوالي 3% وحولتها أجهزة الدولة إلي 30%.

والمفارقة أن مصر اعتادت أن تشهد تزوير في الانتخابات عندما ينجح مرشحي المعارضة والإخوان المسلمين في تهديد المرشح الحكومي، فتتدخل أجهزة الدولة الإدارية والأمنية لصالح المرشح الحكومي إذا كان الخصم معارضا وخاصة إذا كان من الإخوان المسلمين، ولكن ما جرى في انتخابات الشورى أن التزوير تحول إلي ثقافة وممارسة عامة يقوم بها كل المرشحين وتحولت الانتخابات لحالة من الفوضى والعشوائية مورست فيها عمليات بلطجة وشراء أصوات واسعة، في ظل غياب كامل لرقابة الدولة وأجهزتها الأمنية.

ولم يطبق النص القانوني الذي وضع حد أقصى لنفقات المرشحين، وجري تجاوزه بالكامل أثناء كل الانتخابات السابقة، وتصاعد استخدام المال بصورة واسعة، أدت إلي تراجع ليس فقط نواب السياسة إنما أيضا "نواب الخدمات" الذين اعتاد الناخبون أن يتفاعلوا معهم، لصالح نموذج جديد ظهر في انتخابات 2000 وتعمق في انتخابات 2005، وسيكتسح في الانتخابات المقبلة، وهو نموذج نواب "شراء الأصوات".

فقد عرفت الانتخابات التشريعية المصرية منذ عام 1976 دور مستمر لنواب الخدمات، الذين اعتادوا أن يترشحوا على قوائم الحزب الحاكم أو كمستقلين وأحيانا على قوائم أحزاب المعارضة وخاصة حزب الوفد، لتقديم مساعدات لأبناء الدوائر المختلفة من رصف طرق وبناء مدارس ومستوصفات طبية، ومساعدتهم على إيجاد فرص عمل وغيره.

ومع عجز جانب كبير من هؤلاء النواب على تقديم مثل هذه الخدمات لأبناء الدوائر المختلفة، ومع عدم رغبة كثير من الوزراء لتلبية مطالب نواب الخدمات من أعضاء الحزب الوطني، عجز جانب كبير منهم على تنفيذ معظم وعوده الانتخابية في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية والسياسية، وتراجع قدرة الدولة والحزب الحاكم على تنفيذ الوعود الانتخابية التي قطعها نواب الخدمات على أنفسهم وخاصة في انتخابات 2000.

وأدى هذا الوضع إلي قيام نواب شراء الأصوات بالإحلال ولو جزئيا محل نواب الخدمات، وطغت على السطح عمليات شراء أصوات لم تشهدها مصر طوال تاريخها المعاصر، وبدا أمرا مؤلما تدافع بعض المصريين نحو بيع أصواتهم لمن يدفع، بعد أن تأكدوا أنهم لن يروا هؤلاء النواب مرة أخري، ففضلوا بيع أصواتهم لمن يدفع نتيجة غياب نواب السياسة وتراجع قدرة معظم نواب الخدمات على تقديم أي شيء يذكر لأبناء دوائرهم.

إن أخطر مؤشرات انتخابات مجلسي الشعب والشورى تتمثل في تراجع دور "المؤسسة الحزبية" في العملية السياسية والانتخابية وتصاعد دور الجماعات غير المرخص لها قانونيا كالإخوان المسلمين والجماعات الاحتجاجية الجديدة.

إن ساحة الشرعية في النظم الديمقراطية، هي الساحة التي لا يتم فيها فقط صراع صحي بين الأفكار والتوجهات السياسية والحزبية، إنما أيضا هي "المصفاة" التي عبرها يتم السماح بوجود قوى جديدة تدمج في الساحة السياسية وفق شروط النظام الديمقراطي، وتساهم في خلق قواعد جديدة للمنافسة تدفع القوى الحزبية القديمة نحو ابتكار وسائل جديدة من أجل البقاء والاستمرار في ساحة المنافسة الشرعية، أو تعجز عن التجديد والتطور فتنهار وتغيب عن ساحة المنافسة.

لقد امتدت مثالب الانتخابات المصرية من بعدها السياسي والديمقراطي لتصل أيضا إلي جوانبها الإجرائية بكشوف غير دقيقة تضم الموتى والأحياء، وبفوضى عارمة في اللجان، بالإضافة لحالات البلطجة والتزوير الجماعي التي تشهدها معظم اللجان الانتخابية حتى لو كانت بين "الحلفاء" من أعضاء الحزب الوطني والمنشقين عنه أو المستقليين المرتبطين به.

"
لم تعد الانتخابات في مصر آلية لتداول السلطة، لأن المعضلة ليست فقط في التدخل السياسي والأمني الذي يمكن حصاره بالضغوط الشعبية والسياسية، إنما في مجمل العملية الانتخابية بجوانبها الفنية والإدارية وانتهاء بسلوك المرشحين والناخبين، وهو الأمر الذي يجعل الانتخابات بوضعها الحالي غير مهيأة لأن تكون آلية لتداول السلطة،

"

ولعل هذه المشاهد تجعل هناك استحالة لأن تصبح الانتخابات في مصر آلية لتداول السلطة، لأن المعضلة ليست فقط في التدخل السياسي والأمني الذي يمكن حصاره بالضغوط الشعبية والسياسية، إنما في مجمل العملية الانتخابية بجوانبها الفنية والإدارية وانتهاء بسلوك المرشحين والناخبين، وهو الأمر الذي يجعل الانتخابات بوضعها الحالي غير مهيأة لأن تكون آلية لتداول السلطة، وهو ما أدى إلى ظهور قوى الحراك السياسي الجديد التي خرجت في ظل حالة عدم ثقة شبة كامل في العملية الانتخابية، وتدهور كبير في أداء مؤسسات الدولة، فكان لابد من "صرخات الاحتجاج" المتتالية التي عبرت عنها قوى الحراك السياسي الجديدة.

ثالثا: قوى الحراك السياسي الجديد

عرفت قوى الحراك السياسي الجديد موجتين رئيسيتين الأولى في عام 2004 قادته حركة كفاية والثانية كانت مع عودة الدكتور محمد البرادعي في فبراير 2010.

1 ـ حركة كفاية بداية طريق الاحتجاج

ظهرت حركة كفاية في 2004 كصرخة احتجاج على الجمود والتكلس داخل النظام السياسي المصري، ونجحت كفاية وأخواتها في تحريك كثير من المياه الراكدة وإلقاء الضوء على مشكلة الديمقراطية في مصر، خاصة أن ثقافة الاحتجاج التي فجرتها نجحت أن تنتقل إلى الشباب بظهور حركة 6 أبريل وتجمعات المدونين وما عرف بتيار الاستقلال بين القضاة والصحفيين وأساتذة الجامعات.

وبدا واضحا أن هذه القوى نجحت في الاحتجاج على الوضع القائم وفشلت في خلق بديل قادر على البناء ومقنع للجماهير، ولأن كل الحركات السياسية التي شهدها المجتمع المصري في السنوات الست الماضية كانت بدائل احتجاجية اعتمدت على الصوت العالي والصراخ ضد الفساد وغياب الديمقراطية، ولكنها لم تبن تيار مؤثر يقنع الجماهير بأنه بديل حقيقي للنظام.

والمؤكد أن "الصوت الاحتجاجي" مطلوب لفترة ولكن ليس دائما، ولا يمكن لأي مجتمع أن يتقبل إلي الأبد حركة احتجاجية قد تؤثر في الناس لفترة وتثير إعجابهم من بعيد ولكنهم لن يثقوا فيها ولن يدعموها إذا ظلت إلي الأبد فقط صوت احتجاجي.

والسؤال المطروح لماذا شهدنا هذا العدد الهائل من حركات الاحتجاج وقوى الحراك السياسي الجديد، والتي فشلت رغم حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي الكبيرة الموجودة في الشارع أن تؤسس بديلا للنظام القائم؟

إن الإجابة على هذا السؤال تعود بنا إلي تجربة حركة كفاية التي ظهرت في 2004 كصرخة احتجاج على الجمود والتكلس داخل النظام السياسي المصري، وحين انطلقت حاملة هذه الصرخة إلي الواقع نقل إليها هذا الأخير كثير من أمراضه وفشلت في التواصل مع الناس وتراجع دورها مؤخرا.

"
أدى تراجع احترام القانون وفرض هيبة الدولة (غير الأمنية) على المجتمع وتدهور أداء مؤسسات الدولة وعشوائيته، إلى انتقال الحكومة من حالة إدارة العمل اليومي إلى حالة إدارة التسيب اليومي، واستقر الجمود في السياسة الذي انتقل بدورة إلى الإدارة والمؤسسات العامة والخاصة، وأصبح من الصعب أن نرى رقابة سياسية أو قانونية جادة أو فاعله على الأداء العام وعلى مؤسسات الدولة

"

ومن المهم التمييز بين مسألة مواجهة الوضع القائم بالاحتجاج، وبين مواجهته ببديل قادر على البناء، ولأن كل الحركات السياسية التي شهدها المجتمع المصري في السنوات الست الماضية كانت بدائل احتجاجية اعتمدت على الصوت العالي والصراخ ضد الفساد والقهر وغياب الديمقراطية، ولكنها لم تستطع أن تبني تيارا مؤثرا بين النخبة و الجماهير، وظلت فقط حالة من الصخب أخرجت طاقة هائلة من الكبت والإحباط و في وقفات احتجاجية متفرقة.

2 ـ 6 أبريل حدود النجاح في العالم الافتراضي

حين ظهرت حركة 6 أبريل قدمت نفسها باعتبارها الحركة النقية "المنزهة" عن أخطاء الأحزاب السياسية الأخرى والخالية من "شوائب" الأجيال الأكبر سنا، على اعتبار أنهم جيل ثوري نقي، معظمهم من شباب العشرينات حديثي التخرج الذين عاشوا أحلام النقاء الجيلي والسياسي، ونظروا لأنفسهم باعتبارهم نموذج للتطهر والخلاص الذي على أيديهم ستأتي الثورة والتغيير.

ومن المعروف أن الحركة تصاعد تأثيرها بعد أن استثمرت إضراب عمال المحلة في 6 أبريل 2008، وأسست حركتها معلنة أنها ستقدم نموذج "تطهري" جديد يتجاوز كل أمراض الساحة السياسية المصرية.

والمؤكد أن ضعف الأحزاب السياسية وحصار منظمات المجتمع المدني وغياب أي أفق لتداول سلمي للسلطة، أدى إلي قيام قطاعات واسعة من الأجيال الشابة إلي التمرد وتأسيس حركات جديدة تعتمد في تواصلها على الفضاء الالكتروني بدرجة كبيرة.

والمؤكد أن 6 أبريل قد نجحت في بدايتها في استقطاب قطاع معقول من الشاب الراغبين في ممارسة العمل السياسي (وليس كل الشباب)، وانضم إليها في أسابيع قليلة أكثر من 70 ألف مصري على الانترنت، وشهدت ساحات الحوار فيها مناقشات واسعة لم تخلو من تنوع وصل أحيانا إلي حد التشتت.

والمؤكد أن هناك ملامح خاصة للاستخدام السياسي لعالم النضال الإلكتروني دفعت الشباب إلي التواصل معه أولها احباطات الواقع السياسي الطارد، في مقابل التعبير الحر عن كل الهواجس والطموحات والأحلام الشخصية والعامة مباشرة على الشبكة العنكبوتية، دون الحاجة لوصاية جيل آخر أو رقابة رئيس في العمل أو توجيهات مسئول كبير أو قيادة حزبية، فعبر شبكة الإنترنت كل شخص "زعيم بمفرده" وأن هذا النزوع الهائل للشباب نحو الانترنت يعني أن هناك مجال واسع للتعبير عن النفس غير موجود في الواقع العملي.

إن هناك سلسلة من الاحباطات والصعوبات الواقعية دفعت هؤلاء الشباب إلي الانخراط في حركة تقوم فكرتها على "البديل النقي" الذي سيغير مصر من أولها إلي آخرها، وفتح له فضاء العالم الافتراضي أحلام واسعة، فانتخب رؤساء للجمهورية وهاجم الحكومة والمعارضة.

إن المجتمعات الصحية هي التي تتفاعل مع الشباب المتمرد بأفكاره الجريئة والحالمة، وتضيف إليهم عبر تفاعل مؤسساتها السياسية والاجتماعية والنقابية معهم، فتنقل لهم خبرة الممارسة المؤسسية وتقاليد العمل الجماعي والعقلانية، وتحول التمرد والاحتجاج إلي طاقة إبداع وتطوير، وهكذا تطور المجتمعات عبر نظم تنفتح أمام الجديد لتعقلنه، وجديد يدمج في النظام ليطوره ويضفي عليه بعض الحيوية.

ولأن هذا غير موجود فبقيت احتجاجات الشباب تعبر عن جانب من المجتمع وشريحة من الشباب، وبجوارها احتجاجات "الكبار" من الموظفين والعمال، واحتجاجات السياسيين أمام نقابة الصحفيين، وصرخات الإصلاحيين أو همسهم داخل النظام وخارجه، وفي كل الأحوال سيبقى كل طرف منعزلا عن الآخر، ولا يمكن لظاهرة "الاحتجاج عبر النت" أن تحدث عملية التغيير والإصلاح السياسي، إلا إذا خلقت جسرا قادرا على التواصل مع الواقع السياسي والاجتماعي المعاش بأجياله المختلفة وبظواهره الصحية، لا أن يكون مجرد صوت احتجاج على السلبيات والاحباطات المختلفة.

3 ـ تيار البرادعي أو الموجه الثانية من الحراك السياسي

مع عودة الدكتور محمد البرادعي إلي مصر في فبراير 2010، ولدت الموجه الثانية من الحراك السياسي، وتكررت المخاوف مرة أخري من تكرار نفس الأخطاء السابقة، فالرجل حرك مياه راكدة كثيرة، وبدا أمام الرأي العام في صورة "رجل الدولة" الذي احتل مكانه دولية مرموقة، وراغب في إصلاح أحوال وطنه، وحرك في الناس قيم الحداثة والديمقراطية والمهنية والاعتدال، وكسر جزئيا ثنائية الوطني والإخوان، وأثبت تيار واسع لدى الرأي العام والنخبة المصرية أن هذا المجتمع لازال ينبض بالحياة وأن تعاطفه مع الرجل كان في نفس الوقت اختيارا لقيم غابت أو غيبت عن المجتمع المصري.

وبدا هناك فارق بين الحالة التي مثلها البرادعي وبين الأدوات التي اختارها، فقد حصل على تعاطف فطري ناله من قبل قطاع واسع من الرأي العام والنخب المختلفة وشرائح عليا من الطبقة الوسطي لم تمارس العمل السياسي من قبل، وبين أدواته مثل الجمعية الوطنية للتغيير التي تسرع في تأسيسها عشية عودته من الخارج دون أي حوارات عميقة بين أعضائها ومعايير جديدة لاختيارهم تختلف عن التي سادت الموجه الأولي من قوى الحراك السياسي.

لقد اتبعت الحكومة مع "حراك البرادعي" أسلوب "دعهم ينقسموا من داخلهم" وتناست إنها مسئوله عن إفقار الحياة السياسية وتجريف المجتمع من السياسة والسياسيين، وتغيب التقاليد الديمقراطية عن المجتمع وبالتالي عن حركاته السياسية ونقاباته ومجتمعه الأهلي.

إن هناك رغبة في الإصلاح لدى قطاعات واسعة من المصريين، وهناك حراك سياسي جديد أنجز الكثير على أرض الواقع فخلق ثقافة احتجاج في الشارع ومارس ضغوط مختلفة على النظام، ولايزال أمامه الكثير لينجزه في عملية التغيير والإصلاح السياسي.

______________

خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية.

أعد الباحث هذه الورقة قبل نحو شهرين من اندلاع الاحتجاجات الشعبية التي فجرها شباب قوى الحراك السياسي الجديد في مصر يوم 25 يناير 2011.(المحرر)




ثورة أم لا ؟




المدير العام
عضو ممتاز
عضو ممتاز



.....
الباحث عن الحقيقة

.....


****************************


---------------------------------------


----------------------------------------
عدد الرسائل: 4201
العمر: 55
العمل: باحث وكاتب في العلوم ومقارنة الآديان
تاريخ التسجيل: 12/08/2008

http://science.creaforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر.. تبديد أرصدة القوة

مُساهمة من طرف المدير العام في الأحد فبراير 13, 2011 1:52 pm

مبارك والإخوان.. خبرة الثلاثين عاما


خليل العناني

على مدار العقود الثلاثة الماضية، مرت العلاقة بين جماعة "الإخوان المسلمين" ونظام مبارك بمراحل مختلفة تراوحت بين اللين والشدّة فيما يشبه "الكرّ والفرّ" بين غريمين. وتنوعت الإستراتيجيات التي تعاطى بها كل طرف مع الآخر، بحيث باتت قواعد اللعبة معروفة للجميع. صحيح أن النظام قد بدا دومًا الطرف المتحكم فى تحديد درجة ووجهة العلاقة، إلا أن الجماعة -بخبراتها السابقة- بدت أيضا قادرة على مجاراة النظام والصمود أمام محاولات الإقصاء والعزل التي مورست تجاهها طيلة ثلاثين عامًا.

حكمة التاريخ
خبرة الثلاثين عاما
سياسة الأمر الواقع
الإخوان وغريزة البقاء
مستقبل العلاقة


تقوم هذه الدراسة على فرضيتين أساسيتين، الأولى: هي أن نظام مبارك، وعلى خلاف نظامي عبد الناصر والسادات، نجح فى تهذيب السلوك السياسي للجماعة وتحديد سقفها وطموحها فيما يعرف بعملية co-optation أي دفع الجماعة للتعايش مع الأمر الواقع والرضا بما هو قائم. والثانية -وهي مترتبة على الأولى: أن الهدف الأساسي للجماعة بات هو البقاء كتنظيم اجتماعي تعبوي متماسك يلبي احتياجات أعضائه ويمتص حماستهم، وليس كحركة سياسية تستهدف التغيير أو حركة دينية تسعى لإقامة الدولة الإسلامية.

وإذا كانت أية دراسة جادة عن جماعة الإخوان المسلمين وعلاقتها بنظام مبارك يجب أن تأخذ بعين الاعتبار كافة العوامل والمتغيرات التي مرّ بها المجتمع المصري طيلة الفترة محل الدراسة، باعتبار ذلك أحد المحددات الحاكمة لتطور تلك العلاقة، إلا أنه لظروف المساحة والمقصد الأساسي من هذه الدراسة سوف يتم التركيز على اختبار متغيرين أساسيين، هما: هيكل الفرص المتاحة أو ما يُعرف بـ Opportunity Space Structure، وسياسات السخط أو ما يُعرف بـ contentious politics.

حكمة التاريخ

لجماعة "الإخوان المسلمين" علاقة خاصة مع التاريخ، ليس فقط لأنها تعد تاريخيًا واحدة من أقدم الحركات الاجتماعية والدينية في مصر، وإنما أيضا لأن علاقتها مع الأنظمة الحاكمة في مصر كثيرًا ما شابها اللغط والغموض. وللحق، فإن التاريخ كان قاسيًا على جماعة الإخوان منذ قيامها وحتى أوائل الثمانينيات، سواء نتيجة العسف السياسي الذي تعرضت له الجماعة خلال الحقبة الناصرية وما تلاها من تشتت وتفكيك للبنية التنظيمية للجماعة، أو نتيجة لتحيز الكثيرين ممن تعرّضوا للجماعة خلال تلك الفترة بحثًا أو تأريخًا . لذا فإنه إذا كان من الصعب منهجيًا وموضوعيًا أن يتم تقييم الأداء السياسي والتنظيمي والاجتماعي لجماعة الإخوان خلال فترتي الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات -الأول بسبب العداء الشخصي للرئيس عبد الناصر مع الحركة لأسباب كثيرة لا مجال للاستطراد فيها. والثاني بسبب قصر فترة حكمه من جهة، وعدم اكتمال النضج السياسي والتنظيمي للجماعة من جهة أخرى؛ ما قد يفقد أي تحليل للجماعة نزاهته وموضوعيته- فإن فترة حكم الرئيس مبارك، والتي تقارب ثلاثة عقود حتى الآن، تعد ملاءمة من أجل تقديم رؤية موضوعية للجماعة وعلاقتها بالنظام المصري.

وكما أن للتاريخ عيوبه، فإن له أيضا حسناته، فقد استفاد كلا الطرفين، الجماعة ونظام مبارك من تجارب الخمسينيات والستينيات والسبعينيات؛ فالأولى تعلمت الدرس جيدًا وآثرت العودة لاتباع المنهج التدريجي السلمي في العمل السياسي، والقبول بقواعد اللعبة السياسية، والابتعاد عن مواجهة السلطة. والثاني تعلّم من سلفيه كيفية التعاطي مع الجماعة بشكل ذكي، فلم يدخل في مواجهة شاملة تستهدف استئصال الحركة أو شلّها كليًا على غرار ما حاول عبد الناصر فعله وفشل، كما لم ينفتح على الجماعة بشكل غير محسوب على غرار ما فعل السادات؛ لذا فقد تراوحت إستراتيجية مبارك تجاه الجماعة ما بين الاستيعاب الجزئي والقمع الذكي، وبين هذين الحدّين دارت رحا العلاقة بين الطرفين طيلة العقود الثلاثة الماضية على نحو ما سنرى لاحقًا.

خبرة الثلاثين عاما

يمكن تقسيم العلاقة بين جماعة "الإخوان المسلمين" ونظام مبارك إلى ثلاث مراحل أساسية، وهو تقسيم موضوعي يتعلق بتحولات العلاقة بين الطرفين أكثر من كونه تقسيمًا زمنيًا. المرحلة الأولي هي الممتدة طيلة الثمانينيات وقد اتسمت العلاقة فيها بقدر من الاستيعاب الجزئي للإخوان، فضلاً عن استغلال الجماعة للانفتاح السياسي المحدود من أجل تعظيم حضورها في البرلمان والجامعات والنقابات والمساجد المصرية. والمرحلة الثانية هي مرحلة الصدام المبكر أو المواجهة المحدودة وهي تمتد طيلة فترة التسعينيات، وقد حاول النظام خلالها تضييق المساحة المتاحة للإخوان خاصة في المجال السياسي مع السماح بالتواجد التنظيمي والمجتمعي. أما المرحلة الثالثة فهي الممتدة طيلة العقد الأول من الألفية الجديدة، واتسمت العلاقة فيها بالتعقيد وتراوحت خيارات النظام فيها بين القمع النوعي للجماعة والعمل على تحجيم طموحاتها السياسية.

أولاً: مرحلة الاستيعاب الجزئي

تولَّى الرئيس مبارك السلطة في مصر فى ظرف سياسي وتاريخي بالغ الحساسية، ففضلاً عن الفراغ السياسي "المؤقت" الذي خلّفه اغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981، فقد دخلت البلاد في دوامة من العنف السياسي والاجتماعي بسبب ثوران التيارات والحركات الجهادية. ولم يكن أمام مبارك من أجل تثبيت حكمه وشرعيته سوى الاختيار بين بديلين: أولهما: الدخول فى مواجهة شاملة مع الإسلاميين بكافة أطيافهم بمن فيهم الإخوان من أجل نزع شوكتهم، وهو خيار غير مأمون العواقب وقد يؤدي إلى عدم استقرار الحكم. وثانيهما: أن يركز مواجهته مع الجهاديين والمتطرفين على أن يؤجل حسم مسألة العلاقة مع الإخوان إلى مرحلة لاحقة. وقد كان الخيار الثاني هو الأكثر أمنا ورشادًا بالنسبة للنظام فى تلك الفترة.

"
نجح نظام مبارك في وضع حدود واضحة للسقف السياسي والاجتماعي للإخوان. وبات أقصي ما يفعله الإخوان هو العمل على الحفاظ على هذه المساحة السياسية دون القدرة على توسيعها أو الانتقال بها إلى مرحلة جديدة قد تسهم في تحقيق الأهداف الكبرى للجماعة أو إنجاز الإصلاح والتغيير الذي كثيرًا ما تتخذه الجماعة شعارًا لها

"
بدورها لم تتردد جماعة الإخوان في اقتناص الفرصة من أجل إعادة بنائها التنظيمي من جديد، خاصة بعد انتهاء مرحلة اعتقالات سبتمبر 1981 ونهاية نظام السادات الذي انقلب على الجماعة (مثلما فعل مع معظم القوى السياسية) أواخر أيامه. وقد عملت الجماعة على زيادة حضورها السياسي والمجتمعي بعدما حسمت الكثير من القضايا التي كانت عالقة دون إجابات واضحة، وأهمها مفارقة العمل السري، والقبول بمبدأ التعددية الحزبية، وحسم خيار المشاركة السياسية كسبيل وحيد للإصلاح التدريجي.

وانطلاقًا من الرؤية الجديدة للإخوان، فإنها نجحت في تطوير أدائها السياسي؛ وذلك من خلال المشاركة في انتخابات 1984 و 1987 من خلال الدخول في تحالفات انتخابية مع أحزاب المعارضة، وهو ما حدث أولاً في انتخابات عام 1984 التي خاضتها الجماعة على قائمة حزب الوفد، وحصلت الجماعة آنذاك على تسعة مقاعد• من إجمالي 58 مقعدًا حصل عليها ائتلافها مع حزب الوفد.

وفي انتخابات 1987 دخلت الجماعة فى تحالف جديد ضم حزبي الأحرار والعمل وذلك تحت مسمي "التحالف الإسلامي" الذي نجح فى الحصول على حوالي 56 مقعدًا ذهب منها 36 للإخوان وهي الانتخابات التي شهدت ظهور شعار الإخوان الشهير "الإسلام هو الحل".

كما نجحت الجماعة فى توسيع قاعدتها الاجتماعية ومد شبكتها التنظيمية من خلال الجامعات والمدارس والمساجد. وقد استفاد الإخوان من صمت النظام تجاه هذا التمدد الذي كان يصب بالأساس فى مصلحة هذا الأخير في مواجتهه مع الجماعات الراديكالية العنيفة مثل "جماعة الجهاد" و"الجماعة الإسلامية" وما تفرع عنهما من خلايا وجماعات أخرى صغيرة . وكأن ثمة اتفاقًا ضمنيًا بين الطرفين لمحاصرة التيار المتشدد، النظام من أجل تحقيق الاستقرار وتثبيت الشرعية، والإخوان من أجل احتكار الفضاء الديني والاجتماعي.

ومع نهاية الثمانينيات كانت جماعة الإخوان قد وصلت إلى ذروة حضورها المجتمعي، وذلك بعد فوزها الكبير فى عدد من النقابات المهنية كالأطباء والمهندسين والمحامين والصيادلة والعلميين. وقد ساعد الحضور النقابي والتنظيمي للجماعة على زيادة التأثير داخل الطبقة الوسطي وشرائح من الطبقة الدنيا، وهو ما كان بمثابة جرس إنذار للسلطة بضرورة الالتفات للجماعة والعمل على الحد من نشاطها السياسي.

ثانيًا: مرحلة المواجهة المحدودة

مع أواخر الثمانينيات بدأ نظام مبارك يعيد النظر في إستراتيجيته تجاه جماعة الإخوان المسلمين، وبدا أن صدره بدأ يضيق بالحضور السياسي والمجتمعي للجماعة؛ لذا فقد سعى النظام إلى تحجيم هذا الحضور تدريجيًا؛ فعلى سبيل المثال تم إصدار قرار بضم جميع المساجد كي تصبح تحت إشراف وزارة الأوقاف المصرية، كما تم إدخال تعديلات على قانون الجمعيات الأهلية (القانون رقم 32 لعام 1964) كي يعطي صلاحيات أوسع لوزارة الشؤون الاجتماعية فيما يخص مسألة إنشاء وتأسيس الجمعيات غير الحكومية والعضوية في مجالس إدارتها؛ وذلك من أجل ضمان السيطرة على النقابات والجمعيات الخيرية "الإخوانية" التي تقدم خدمات متنوعة للجمهور. وقد جاءت نقطة الصدام الأولي لنظام مبارك مع الإخوان أواخر عام 1992 فيما عُرِف إعلاميًا بقضية "سلسبيل" والتي اتهمت فيها الجماعة بالعمل على إحياء تنظيمها "غير المشروع"، وتم القبض فيها على عدد من قيادات الجماعة، من بينهم خيرت الشاطر وحسن مالك ومحمود عزت ومحي الدين حامد. وفي عام 1995 شهدت الجماعة أول محاكمة عسكرية فى عهد مبارك وذلك ضمن ما عُرف بالقضايا العسكرية 8 و 11 و 13 لعام 1995 والتي تم القبض فيها على ما يقرب من 82 عضوًا من أعضاء الجماعة بتهمة العمل على إحياء تنظيم يسعي لإسقاط نظام الحكم، والتي ارتبطت جميعها بالقضية 136 لعام 1995 أمن دولة عليا. تلتها قضية تأسيس حزب سياسي "الوسط" عام 1996 والتي ضمت 11 شخصًا تمت إحالتهم جميعًا للقضاء العسكري وكان على رأسهم آنذاك محمد مهدي عاكف المرشد العام السابق للجماعة . على أن القمع السياسي للجماعة لم يواكبه تراجع تنظيمي أو مجتمعي لها، فقد حافظت الجماعة على نشاطها المجتمعي والنقابي؛ فعلى سبيل المثال احتفظت الجماعة بتواجدها داخل معظم النقابات المهنية مثل الأطباء والمحامين والمهندسين والصيادلة وذلك حسبما يوضح الجدول (1).

جدول (1)
عدد الإسلاميين فى النقابات المهنية المصرية عام 1995*

النقابة
إجمالي مقاعد مجلس الإدارة
عدد الأعضاء الإسلاميين (إخوان + إسلاميين مستقلين)
النسبة المئوية
الأطباء
23
20
87%
المهندسون
61
45
74%
الصيادلة
25
17
68%
العلميون
25
17
68%
المحامون
25
18
72%
ولعل أبرز ما ميّز العلاقة بين نظام مبارك والإخوان طيلة هذه المرحلة هو محاولة كل طرف تثبيت شكل العلاقة حسب مصالحه وأهدافه؛ فالنظام كان يدرك جيدًا مخاطر بقاء الإخوان خارج نطاق السيطرة مجتمعيًا وسياسيًا، فكانت الوسيلة المثلى أمامه لإرباك الجماعة وإشغالها هو استمرار الملاحقة الأمنية واللجوء للمحاكمات العسكرية التي وصلت إلى حوالي ست محاكمات خلال أقل من خمس سنوات. وقد بدأت هذه المحاكمات عام 1995 -كما تمت الإشارة من قبل- واستمرت حتى عام 2000؛ حيث تم تحويل عدد من قيادات الإخوان إلى المحاكمة العسكرية فيما يعرف بقضية "النقابيين" التي تم خلالها اعتقال ما يقرب من 20 قياديا من أبرز رموز العمل النقابي الإخواني، وتم الحكم عليهم بمدد تتراوح ما بين ثلاث وخمس سنوات كان من بينهم محمد بديع المرشد الحالي للجماعة ومحمد علي بشر عضو مكتب الإرشاد الحالي. وقد ساعد النظام على ذلك نجاحه فى كسر شوكة الجماعات الراديكالية، وتفرغه للتضييق على جماعة الإخوان ومحاصرة نشاطهم.

وخلال هذه المرحلة تفادت جماعة الإخوان الدخول في أي صدام خشن مع النظام قد يؤدي إلى تكرار مأساة الخمسينيات والستينيات، فلم تحاول الجماعة استفزاز النظام، واضطرت للقبول بالحد الأدني الذي يسمح لها بالبقاء وممارسة العمل السياسي والنقابي.

ثالثًا: مرحلة الإقصاء الذكي

كان العقد الأول من الألفية الثانية بمثابة مرحلة فارقة سواء في علاقة نظام مبارك بجماعة الإخوان المسلمين، وذلك ليس فقط على مستوى السياسة الرسمية وإنما أيضا على مستوى الإستراتيجيات والتكتيكات، أو بالنسبة لجماعة الإخوان التي شهدت تحولات نوعية سواء على مستوى الخطاب السياسي أو الأداء التنظيمي كما سيتضح لاحقًا. ويمكن القول: إن حصيلة هذا العقد هو توصل النظام إلى نتيجة مهمة مفادها أنه لا ضير من بقاء جماعة الإخوان، كبناء تنظيمي مكشوفة قواعده وهياكله ومحسوبة أنفاسه وتحركاته، ما دامت لا تمثل تهديدًا حقيقيًا لبقاء النظام أو تحديا جادا لسياساته.

وللتوضيح، يمكن تقسيم العلاقة بين نظام مبارك وجماعة الإخوان طيلة العقد الماضي (2000-2010) إلى مرحلتين: أولاهما: ما قبل انتخابات 2005، وثانيتهما: ما بعد 2005 وحتى الآن. خلال المرحلة الأولى استمرت علاقة الشد والجذب بين النظام والجماعة؛ فقد استمرت سياسة الملاحقة الأمنية لقيادات الجماعة على حالها؛ حيث شهد عام 2001 المحاكمة العسكرية الأولى في هذا العقد والسادسة تحت حكم مبارك. وقد تم الحكم على حوالي 16 عضوًا بالسجن لفترات تتراوح ما بين ثلاث وخمس سنوات كان من بينهم محمود غزلان عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان، وهي القضية المعروفة باسم قضية "أساتذة الجامعات" . وكان تصريح الرئيس مبارك الذي أورده فى حوار مع مجلة "دير شبيجل" الألمانية بأن جماعة الإخوان "لها تاريخ إرهابي" بمثابة تأكيد على استمرار سياسة القمع الأمني تجاه الجماعة.

في المقابل اتخذت جماعة الإخوان عددا من الخطوات التي مثلت محاولة للرد سياسيًا على الموقف الرسمي تجاهها، ولتأكيد عدم تأثرها بمثل هذه الإجراءات القمعية، كان من أهمها:

• أصدرت الجماعة وثيقة للإصلاح السياسي في مارس 2004 كانت الأولي منذ أكثر من عقد وتحديدًا منذ إصدار "وثيقة المرأة والمواطنة" عام 1994 التي تمت الإشارة إليها آنفًا. وقد رسمت الوثيقة الجديدة الخطوط العامة للخطاب السياسي والفكري لجماعة الإخوان، وكانت بمثابة وثيقة مبدئية تم تطويرها فيما بعد كي تصبح نسخة أولية من برنامج الحزب الذي أطلقته الجماعة في أغسطس 2007. وبغض النظر الجدل الذي أثارته بعض نقاط المبادرة خاصة فيما يتعلق بالموقف من المرأة والأقباط، فإنها تظل إحدى محطات التحول في تاريخ الجماعة خلال عهد مبارك.

• قامت الجماعة بالتواصل مع كثير من القوى السياسية مثل حزب الوفد والحزب العربي الناصري وحزب التجمع بل وصل الأمر إلى حد التنسيق مع الشيوعيين من أجل الضغط على النظام وإجباره على القيام بإدخال تعديلات سياسية ودستورية تسمح بالمنافسة الحرة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

"
فيما يتعلق بمستقبل الإخوان كقوة سياسية فاعلة، فإن ذلك يظل مرتبطًا بقدرة الجماعة على تطوير خطابها السياسي كي يصبح أكثر انفتاحًا وديمقراطية. وهو ما يعني أن تعيد الجماعة النظر فى مشروعها الفكرى برمته وهو ما يصعب التنبؤ به في ظل عملية الإقصاء المستمرة للعناصر الإصلاحية داخل الجماعة

"
• نجحت الجماعة في الدخول في تحالفات سياسية مع عدد من قوى المعارضة الجديدة مثل حركة كفاية وحزب الكرامة (تحت التأسيس)، وحزب الغد (قبل تأسيسه أواخر 2004)؛ وذلك ضمن ما أُطلِق عليه "الجبهة الوطنية المعارضة" التي تشكلت فى الرابع من نوفمبر 2004 بمشاركة العديد من القوى السياسية، خاصة بعد إخفاق الحوار بين أحزاب المعارضة والحزب الوطني الحاكم الذي كان قد انطلق منتصف عام 2004.
أما المرحلة الثانية فهي تلك الممتدة ما بعد انتخابات 2005 وحتي العام الجاري 2010. وهي مرحلة اتسمت بالكثير من التحولات والتغيرات سواء فى علاقة نظام مبارك بجماعة الإخوان، أو بما حدث داخل جماعة الإخوان خاصة على المستويين القيادي والتنظيمي. ولكن قبل الدخول في تفاصيل ذلك، تجب الإشارة إلى أنه خلال هذه المرحلة حققت جماعة الإخوان أكبر فوز برلماني في تاريخها وفي تاريخ المعارضة المصرية حين فازت بحوالي 88 مقعدًا أو ما يوازي 20% من مقاعد مجلس الشعب المصري. وقد احتار كثيرون في كيفية تفسير هذا الفوز ودلالاته. بيد أنه بعد مرور خمس سنوات فإن الصورة تبدو أكثر وضوحًا؛ فقد بدا جليًا أن نظام مبارك، وفي محاولة للتماشي مع الضغوط الأميركية المتعلقة بمسألة دعم الديمقراطية والانفتاح السياسي، قد سمح بفتح نافذة "ضيقة" للإخوان يمكنه من خلالها توظيف هذا الفوز لاحقًا لمصلحته؛ فمن جهة لم يعد خافيًا أن فوز الإخوان بهذا العدد من المقاعد قد جاء فى إطار صفقة باتت معروف للجميع بعدما كشف تفاصيلها المرشد العام السابق للجماعة محمد مهدي عاكف فى حواره مع جريدة "المصري اليوم" فى أكتوبر 2009 وهو ما أكده أيضا عبد الحميد الغزالي المستشار السياسي لعاكف . وهو فوز أفاد النظام أكثر مما أضره؛ فقد وجه نظام مبارك من خلاله رسالة قوية لإدارة الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش مفادها أن التسرع فى فرض الديمقراطية على مصر قد يؤدي إلى نتائج وخيمة ليس أقلها تهديد المصالح الأميركية في المنطقة، خاصة في ظل المواقف الأيديولوجية للإسلاميين تجاه الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل. ومن جهة ثانية، أسقط هذا الفوز أية ادعاءات إخوانية بالتضييق وعدم الدمج السياسي، فقد نجح مرشحو الجماعة فى الفوز بأكثر من ستين بالمائة من المقاعد التي نافسوا عليها؛ حيث دخلت الجماعة الانتخابات بحوالي 155 مرشحًا فاز منهم 88 نائبًا. ومن جهة ثالثة أعطى فوز الإخوان بهذا العدد من المقاعد شرعية ومصداقية للانتخابات البرلمانية، وهو أمر كثيرًا ما حرص على تحقيقه نظام مبارك من أجل تبييض صورته فيما يخص نزاهة المنافسة السياسية وحرية المشاركة.

وبغضِّ النظر عن ملابسات هذا الفوز يبقى المهم هو ما نجم عنه فيما يخص علاقة الجماعة بالنظام؛ فبالرغم من ثبات مبدأ القمع والمطاردة الأمنية، إلا أنه قد اتخذ منحى جديدًا من حيث الدرجة والنوع، فلم تعد هناك خطوط حمراء فيما يخص اعتقال القيادات الإخوانية. وقد كانت البداية مع ما بات يُعرَف بقضية "ميليشيات الأزهر" التي تم على إثرها اعتقال ما يقرب من 40 قياديًا من رموز الجماعة مثل خيرت الشاطر النائب الثاني للمرشد العام للجماعة، ومحمد على بشر عضو مكتب الإرشاد، وحسن مالك رجل الأعمال الإخواني المعروف وغيرهم. وقد تم الحكم على حوالي 25 معتقلاً بالسجن لمدد تتراوح ما بين 3-10 سنوات في محاكمة عسكرية امتدت جلساتها لأكثر من سبعين جلسة تجعلها الأطول في تاريخ المحاكمات المصرية. ناهيك عن ضرب البنية الاقتصادية والاستثمارية للجماعة من خلال اعتقال عدد كبير من رجال الأعمال المحسوبين على الجماعة مثل مدحت الحداد وعبد الرحمن سعودي.

وفيما يخص تقييد النشاط السياسي للإخوان فقد تم في 27 مارس/أذار 2007 إقرار أكبر عملية تغيير دستوري في مصر؛ حيث تم تعديل ما يقرب من 34 مادة خص الإخوان منها مادتان: الأولي هي المادة الخامسة التي تحظر قيام الأحزاب على أساس ديني، والمادة (88) التي تقيد السلطة القضائية في مراقبة الانتخابات ما يعني حرمان الإخوان، وغيرهم من المرشحين المستقلين، من أية ضمانات قد تتيح فوزهم فى أية انتخابات. وقد اتضح لاحقًا أن الإخوان هم الطرف الرئيسي المتضرر من هذه الانتخابات؛ حيث لم ينجح أي مرشح للجماعة فى الانتخابات التي أجريت خلال السنوات الثلاث الماضية.

أما فيما يخص التحولات داخل جماعة الإخوان فيمكن تناول أبرز تحولين حدثا خلال العقد الماضي: الأول: هو إصدار الجماعة لوثيقة مبدئية لإنشاء حزب سياسي؛ وذلك في أغسطس/آب 2007، والثاني هو انسحاب المرشد العام السابق للجماعة مهدي عاكف واختيار محمد بديعًا مرشدًا جديدًا.

فيما يخص برنامج الحزب، فقد أثار من الجدل الكثير، ودون الخوض فى تفاصيل هذا الجدل وتداعياته، يمكن الإشارة فقط إلى ثلاث نقاط أساسية، أولها يتعلق بمغزى الإعلان عن البرنامج قبل أن تحسم الجماعة كثيرا من القضايا الفكرية والسياسية العالقة. وإذا كنا لا نشكك فى رغبة الجماعة في إنشاء حزب سياسي، وهو ما كرره جميع المرشدين السابقين ، فإن المشكلة تظل كامنة في كيفية حل إشكالية العمل الدعوي والعمل السياسي، أو بين الجماعة والحزب، وهي معضلة مؤجلة بحجة عدم موافقة السلطات على إعطاء الجماعة ترخيص بإقامة حزب سياسي. ثانيًا، ما يتعلق بمدى تطور الخطاب السياسي والفكري للجماعة والذي عكسه بوضوح محتوى البرنامج الحزبي؛ فعلى الرغم من نجاح الجماعة فى إصدار وثيقة سياسية شبه مكتملة، إلا أن هذه الوثيقة أكدت استمرار اللبس والغموض في موقف الجماعة من العديد من القضايا ومنها طبيعة الدولة وسلطاتها، والموقف من المرأة والأقباط. وثالثها، توقيت إصدار برنامج الحزب والذي لا يخلو من دلالة تؤكد تحرك الجماعة بطريقة رد الفعل وليس العمل الإستراتيجي، فإلى الآن لا يوجد تفسير لإصدار الوثيقة الأولية للحزب، ولماذا تم سحبها وعدم إصدراها فى شكلها النهائي سوى أنها كانت مناورة سياسية بهدف رفع الضغط الأمني عن الجماعة، ونقل الصراع من السياسة إلى الفكر وهو ما أتى بأثر عكسي على الجماعة بسبب انتقادات المثقفين والنخبة لبرنامج الحزب.

أما فيما يخص مسألة اختيار مرشد عام جديد للجماعة فقد أثارت واحدة من أهم الأزمات التي واجهتها الجماعة منذ عودتها للحياة السياسية قبل أربعين عامًا؛ فقد كان مفاجئًا أن يعلن المرشد العام السابق للجماعة محمد مهدي عاكف رغبته في الانسحاب وعدم الترشح لفترة جديدة رغم أن اللائحة الداخلية للإخوان تتيح له ذلك ؛ لذا فقد قرر عاكف في مارس/أذار 2009 عدم نيته البقاء في منصبه وهو ما أثار زوابع كثيرة داخل الجماعة وخارجها ؛ فهي المرة الأولي التي يتنحى فيها المرشد العام للجماعة طواعية عن منصبه؛ حيث كانت الوفاة هي الطريق الوحيدة للتنحي مع مرشدي الجماعة الستة السابقين. وقد كان خروج عاكف من منصبه سببًا أساسيًا فى حدوث انقسامات وصراع داخل مكتب الإرشاد حول هوية المرشد العام الجديد للجماعة خاصة بين الأمين العام للجماعة الدكتور محمود عزت، والمعروف بالرجل الحديدى الذي يهيمن على التنظيم بشكل كبير، وبين الدكتور محمد حبيب النائب الأول السابق لمهدي عاكف.

ومن الجدير بالذكر أن مجلس الشورى العام للإخوان والذي يتكون من حوالي 100 عضو هو المسؤول عن اختيار أعضاء مكتب الإرشاد والمرشد العام للجماعة. وبعد صراع قوي بين كلا التيارين تم حسم الأمر وأُجريت الانتخابات العامة لمكتب الإرشاد وحملت أكثر من مفاجأة؛ حيث تم إقصاء النائب الأول للمرشد محمد حبيب والإصلاحي عبد المنعم أبو الفتوح من عضوية المكتب. وبذلك تم إقصاء التيار الإصلاحي تمامًا في الجماعة، في حين تم تصعيد عصام العريان ليكون عضوًا بمكتب الإرشاد للمرة الأولى فى تاريخه. وفي السادس عشر من يناير/كانون الثاني 2010 تم اختيار محمد بديع كي يصبح المرشد العام الثامن بعد جدل طويل بين قيادات الجماعة وتشكيك من قبل بعض القيادات في شرعية الاختيار ومدى قانونيته.

سياسة الأمر الواقع

"
نظام مبارك قد نجح في "نزع مخالب" جماعة الإخوان المسلمين، ودفعها للتعايش مع الواقع دون الجرأة على تغييره. صحيح أن النظام قد سمح للجماعة بقدر من التواجد السياسي والنشاط التنظيمي، بيد أن هذه المساحة ارتبطت دومًا بظروف النظام وأهدافه في كل مرحلة من المراحل السابق الإشارة إليها

"
بالعودة إلى الفرضية التي تم وضعها فى مقدمة هذه الدراسة، يتضح أن نظام مبارك قد نجح في "نزع مخالب" جماعة الإخوان المسلمين، ودفعها للتعايش مع الواقع دون الجرأة على تغييره. صحيح أن النظام قد سمح للجماعة بقدر من التواجد السياسي والنشاط التنظيمي، بيد أن هذه المساحة ارتبطت دومًا بظروف النظام وأهدافه في كل مرحلة من المراحل السابق الإشارة إليها. وهنا يبرز دور المتغير الأول المشار إليه فى صدر الدراسة وهو "هيكل الفرص المتاحة" وهو مفهوم يُقصد به نظريًا قدرة الفاعلين السياسيين على الاستفادة من الفرص السياسية، كالانفتاح السياسي والتحولات في بنية النظام السياسي، من أجل فرض مطالبهم وتعزيز مكانتهم السياسية والاجتماعية . وهو ما فعله الإخوان خلال العقود الثلاثة الماضية. فقد نجحوا فى الاستفادة من الانفتاح السياسي المحدود الذي سمح به نظام مبارك سواء خلال الثمانينيات أو خلال العقد الماضي، من أجل تعزيز وجودهم السياسي والمجتمعي؛ ففي عقد الثمانينيات كان نظام مبارك في حاجة للإخوان -كما قلنا سابقًا- من أجل دعم شرعيته السياسية الناشئة وإعطاء انطباع بأنه منفتح على جميع التيارات بما فيها الإخوان، فكانت المحصلة أن دخل الإخوان البرلمان للمرة الأولي فى تاريخهم عامي 1984 و 1987. وخلال عقد التسعينيات احتاج مبارك للإخوان من أجل مواجهة جماعات العنف والتطرف، فسمح لهم بالتواجد المجتمعي من أجل سحب البساط من تحت أقدام الجماعات المتشددة، وإن حاول تقييد المجال السياسي أمام الجماعة كما حدث فى انتخابات 1990 و1995. ثم عاد نظام مبارك وحاول توظيف الإخوان من أجل وقف الضغط الأميركي عليه فيما يخص الإصلاح السياسي والدمقرطة؛ فأعطى مساحة جديدة للإخوان للفوز بمقاعد برلمانية تذرو الرماد فى العيون. وفي كلا المرحلتين اقتنص الإخوان الفرصة من أجل تدعيم حضورهم السياسي وزيادة دورهم فى الفضاء العام.

ومن خلال هذه السياسة نجح نظام مبارك في وضع حدود واضحة للسقف السياسي والاجتماعي للإخوان. وبات أقصي ما يفعله الإخوان هو العمل على الحفاظ على هذه المساحة السياسية دون القدرة على توسيعها أو الانتقال بها إلى مرحلة جديدة قد تسهم في تحقيق الأهداف الكبرى للجماعة أو إنجاز الإصلاح والتغيير الذي كثيرًا ما تتخذه الجماعة شعارًا لها.

وفي هذا الإطار يمكن تفسير كثير من القرارات التي اتخذتها جماعة الإخوان وكان آخرها قرار المشاركة في الانتخابات البرلمانية 2010 . وبعيدًا عن كواليس هذا القرار وما أثاره من انتقادات داخل البيت الإخواني وخارجه، فإنه يعكس الحقيقة التي أشرنا إليها آنفًا وهي أن الجماعة لا تريد التفريط فى المساحة التي منحها لها النظام، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من خلال عدة مؤشرات، أولها: تخوف الجماعة من أن تؤدى مقاطعة الانتخابات المقبلة إلى الانزواء وفقدان التواجد المجتمعي والإعلامي.

صحيح أن الجماعة حاولت تغطية قرار مشاركتها بقرار مشاركة حزب الوفد ، إلا أن ذلك يكشف عدم وجود رؤية إستراتيجية مستقلة لدى الجماعة، بقدر ما تتصرف بطريقة رد الفعل. ثانيها: أن قرار الجماعة بالمنافسة على 30 بالمائة من المقاعد أي خوض الانتخابات بحوالي 150 مرشحًا وهو نفس الرقم تقريبًا الذي خاضت به الجماعة انتخابات 2005، بقدر ما يعكس قراءة ذكية جوهرها عدم استفزاز النظام، إلا أنه يعكس أيضا الرضا والقبول بالأمر الواقع. وثالثها: باتت مشاركة الإخوان في الانتخابات بوجه عام كما لو كانت طقسًا روتينيًا أو "أداء بيروقراطيًا" لا يحمل أية رؤية إستراتيجية أو فهم للمغزى السياسي للمشاركة في الانتخابات. وهو أمر تعكسه بجلاء المقولة التي كثيرًا ما ترددها قيادات الإخوان في جميع المناسبات الانتخابية بالقول بأن "المشاركة في الانتخابات هي أحد المبادئ الثابتة لدى الجماعة" . وهي مقولة تشي بأن المشاركة في الانتخابات باتت هدفًا في حد ذاته وليست وسيلة لتحقيق أهداف وغايات أخرى.

ويعكس هذا التحول نجاح نظام مبارك في تحويل جماعة الإخوان من مصدر تهديد "محتمل" إلى عامل مساعد فى تجديد شرعيته، وذلك من خلال القبول بالمشاركة في اللعبة السياسية حسب قواعده وشروطه دون العمل على تغييرها.

الإخوان وغريزة البقاء

تشير الفرضية الثانية في هذه الدراسة إلى أن الهدف الأساسي لجماعة الإخوان بات مجرد البقاء كتنظيم تعبوي يستجيب لاحتياجات أعضائه الدينية والاجتماعية من جهة، وصياغة هوية خاصة بهم تجعلهم متمايزين عن غيرهم من جهة أخرى، وليس السعى من أجل إنجاز التغيير فى مصر . صحيح أن الجماعة كثيرًا ما تنفي عن نفسها صفة الخيار البديل أو الرغبة فى الوصول للسلطة ، إلا أن ذلك يضعف موقفها ويثير الكثير من التساؤلات حول جدوى انخراطها في العمل السياسي. وقبل التدليل على صحة هذه الفرضية، وهي بالمناسبة وردت على لسان كثير من قيادات الصف الثاني بالجماعة ، تجدر الإشارة إلى أنه من المحتمل ألا تكون جماعة الإخوان وقيادتها على وعي بعملية التحول التي جرت للحركة طيلة العقود الماضية؛ وذلك بفعل الضغوط الشديدة التي فرضها عليها النظام وجعلها ترى البقاء هدفًا أصيلاً وليس وسيلة لتحقيق أهداف أخرى. ويبدو أن هاجس عدم الشرعية "القانونية" يجعل الجماعة حريصة بشكل مبالغ فيه على البقاء على قيد الحياة حتى وإن كان الثمن هو الجمود والتكلس.

تستند فرضية البقاء إلى المتغير الثاني المشار إليه في صدر هذه الدراسة وهو متغير "سياسات السخط" contentious politics وهو مفهوم يشير إلى قدرة الحركات الاجتماعية على تحويل الغضب والسخط العام إلى فعل سياسي منظم؛ وذلك من خلال امتصاص من يقومون به وإعادة دمجهم وتوظيفهم في بنية التنظيم، الذي يتحول مع مرور الوقت، وفي ظل الانسداد السياسي، إلى هدف بحد ذاته وليس أداة لتغيير الواقع. وهو ما يكاد ينطبق على جماعة الإخوان، ليس فقط بسبب تمدد التنظيم للجماعة كمًّا وحجمًا طيلة العقود الثلاثة الماضية، وما يعنيه ذلك من زيادة الأعباء الإدارية والتنظيمية على قيادات الحركة، وإنما أيضا بسبب فشل الحركة فى إنجاز تغيير سياسي ملموس خلال هذه الفترة. وقد بات الانضمام للإخوان هدفًا بحد ذاته، وليس غاية لتحقيق أهداف أخرى، دليل ذلك أن الجماعة تُولِي اهتمامًا شديدًا لمسألة التجنيد والاستقطاب والتعبئة، دون القدرة على توظيف رأسمالها المجتمعي سياسيًا. وتدلل طريقة اتخاذ القرارات داخل الجماعة على غلبة مصلحة التنظيم على ما عداها؛ فعلى سبيل المثال يمكن تفسير قرار الجماعة بالمشاركة فى الانتخابات التشريعية 2010 رغم مناشدات الكثيرين لها بالمقاطعة، بأنه يخدم التنظيم أكثر مما قد يخدم مسألة الإصلاح والتغيير فى مصر؛ فالمشاركة رغم كلفتها الباهظة، إلا أنها تضمن للإخوان كتنظيم تنشيط قواعده، وضمان التواجد الاجتماعي والإعلامي بين مختلف الفئات.

ويمكن القول بأن الإستراتيجية التي اتبعها نظام مبارك تجاه الجماعة منذ أوائل التسعينيات وحتى الآن جعلت الجماعة حريصة على عدم استفزاز النظام بأية أفعال سياسية أو تنظيمية، وهو ما يعني فعليًا عدم اتخاذ قرارات مصيرية سواء فيما يتعلق بسقف المشاركة السياسية أو تحريك الشارع المصري ضد النظام. وقد يرى البعض فى ذلك ذكاء سياسيًا ولكنه فى الحقيقة يعبر عن خوف مزمن لدى الجماعة من مواجهة الأنظمة المصرية حتى في أضعف حالاتها كما هو الوضع الآن.

مستقبل العلاقة

"
يمكن القول بأن الإستراتيجية التي اتبعها نظام مبارك تجاه الجماعة منذ أوائل التسعينيات وحتى الآن جعلت الجماعة حريصة على عدم استفزاز النظام بأية أفعال سياسية أو تنظيمية، وهو ما يعني فعليًا عدم اتخاذ قرارات مصيرية سواء فيما يتعلق بسقف المشاركة السياسية أو تحريك الشارع المصري ضد النظام

"
إذا كان من الصعب استشراف مستقبل العلاقة بين جماعة الإخوان والنظام المصري وذلك بسبب حالة الغموض والجدل التي تحيط بمسألة نقل السلطة فى مصر، إلا أنه يمكن القول بأنه حتى مع وصول شخص جديد للسلطة فإن بنية النظام السياسي نفسها لن تتغير كثيرًا وبالتالي سياساته تجاه الإخوان ستظل كما هى وإنْ صاحَبَها تغيّر فى التكتيكات فقط. وإذا كان الهدف الأساسي للجماعة بات هو البقاء بصيغة "كربلائية"، فلن يكون صعبًا على أي نظام جديد أن يحقق للجماعة هذا الهدف مقابل تجميدها فكريًا وسياسيًا. أي أننا وصلنا في النهاية إلى علاقة يمكن أن نطلق عليها "التوظيف المتبادل"، النظام يوظِّف الإخوان من أجل تحقيق مكاسب عديدة ليس أقلها الإبقاء على حالة الجمود السياسي داخليًا، وتخويف القوى الدولية من صعود الإخوان خارجيًا. فى حين تبدو الجماعة راضية ومستفيدة من بقاء الأوضاع على ما هي عليه ما دامت قواعدها نشطة ومكاتبها الإدارية تعمل بكفاءة.

أما فيما يتعلق بمستقبل الإخوان كقوة سياسية فاعلة، فإن ذلك يظل مرتبطًا بقدرة الجماعة على تطوير خطابها السياسي كي يصبح أكثر انفتاحًا وديمقراطية. وهو ما يعني أن تعيد الجماعة النظر فى مشروعها الفكرى برمته وهو ما يصعب التنبؤ به في ظل عملية الإقصاء المستمرة للعناصر الإصلاحية داخل الجماعة. كذلك أيضا إعادة النظر في الثقافة التحتية والبنية التنظيمية داخل الجماعة بحيث تصبح أكثر مرونة. وهو ما لن يتحقق دون إحداث تغيير جاد في اللائحة التنظيمية الحالية التي تثير العديد من الخلافات خاصة فيما يتعلق بنطاق صلاحيات وسلطات المستويات القيادية في الجماعة خاصة مجلس الشورى العام ومكتب الإرشاد. فضلاً عن حسم بعض القضايا المعلقة، منها مثلاً مسألة الحزب السياسي، ليس فقط على مستوى الأفكار والسياسات وإنما على مستوى الرغبة فى التحول لحزب سياسي والفصل بين الوظيفتين: السياسية والدعوية وهو أمر سيظل محل شك دائم. وأخيرًا يبقى مهمًا أن تحسم الجماعة موقفها من العلاقة بين الوطنية والأممية؛ فالجماعة لا تزال حتى الآن مترددة بين أن تصبح جماعة وطنية مصرية ليس لها أجندة دولية أو أممية، وبين أن تظل حركة دينية ذات أجندة عالمية. وإذا كان لا مانع من أن يكون للجماعة مواقف دولية مؤيدة للبلدان الإسلامية وحركات المقاومة، إلا أن ذلك لا يجب أن يأتي على حساب المصالح الوطنية المصرية. وقد وقعت الجماعة فى أخطاء عديدة فى هذا الصدد طيلة الأعوام الثلاثة الماضية.

ربما لن تَضمُر حركة "الإخوان المسلمين" تنظيميًا أو حركيًا، على الأقل فى المدى المنظور، بيد أنها بلا شك فقدت زمام المبادرة السياسية ولم تعد قادرة على فرض نفسها كبديل مقنع للنظام المصري، وهو ما قد يمثل خطرًا وجوديًا على المشروع الإخواني ذاته ما لم يتم الالتفات للنقاط السابقة.
__________________
خليل العناني، باحث في سوسيولوجيا الإسلام والحركات الدينية، ومحاضر في جامعة "دورهام" البريطانية.




ثورة أم لا ؟




المدير العام
عضو ممتاز
عضو ممتاز



.....
الباحث عن الحقيقة

.....


****************************


---------------------------------------


----------------------------------------
عدد الرسائل: 4201
العمر: 55
العمل: باحث وكاتب في العلوم ومقارنة الآديان
تاريخ التسجيل: 12/08/2008

http://science.creaforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر.. تبديد أرصدة القوة

مُساهمة من طرف المدير العام في الأحد فبراير 13, 2011 1:55 pm

الدولة والكنيسة في مصر: أسباب التوتر وعوامل الانفراج



كمال زاخر موسى

حتى نرصد ونحلل اللحظة المعيشة في علاقة الدولة والكنيسة بمصر، لابد من أن نتتبع - في إيجاز شديد- جذورها التاريخية، فهي قد وُلِدت من رحم تراكمات متتالية أسهمت بقدر وافر في تحديد ملامحها ومحاورها، فمسيحيو مصر (الأقباط) (1) هم الامتداد الطبيعي للمصريين الذين اعتنقوا المسيحية وبقوا عليها حتى اللحظة، ومن المتيقن أيضًا أن مسلمي مصر هم أيضًا امتداد طبيعي للمصريين القدماء الذين اعتنقوا الإسلام على مراحل وفي تدرج بلغ أَوْجَه فيما بين القرنين العاشر والخامس عشر الميلاديين (2)، وحتى من تمتد جذوره إلى أعراق أخرى انصهر بحكم التزاوج والاختلاط المعيشي في النسيج المصري، إلى الدرجة التي يمكن أن نقول معها بوحدة العِرق المصري.

"
في عصر عبد الناصر لم يكن هناك مكان لنزاعات أو أطروحات يكون الجدل "الديني/السياسي" محورها، فالجهد كله كان مكرسًا لتحقيق زعامة عبد الناصر في الدوائر العربية والإفريقية والشرق أوسطية، وربما فيما هو أوسع
"
وقد شهدت العلاقات بين المسيحيين (الأقباط) والمسلمين أو بينهم وبين الحكام تباينات عديدة كانت تحكمها طبيعة المرحلة، خاصة مع توالي وتبدل القوى الحاكمة، على خلفية أن مصر شهدت على مدى تاريخها بعد حقبة المصريين القدماء (الفراعنة) طابورًا ممتدًا من المحتلين، ربما بحكم موقعها الجغرافي المتميز وثقلها الإقليمي والذي ظل مطمعًا لكل القوى الكبرى عبر التاريخ ولا يزال.

وبين سطور التاريخ نلمح تنامي توجه اختزال الأقباط في المؤسسة الكنسية، تبدَّى هذا بشكل ما بعد إعلان الإمبراطورية الرومانية المسيحية دينًا رسميًا لها (القرن الرابع الميلادي)، وتعمّق في حقبة الانشقاق العقدي والصراع من أجل السيطرة على الشارع المصري بين الحاكم الروماني الذي ناصر الجناح البيزنطي وأقام بطريركًا منه، بينما تمسك المصريون ببطريركهم الوطني وناصروه ودفعوا الثمن غاليًا حتى الموت (القرنين السادس والسابع) (3)، وهى الصورة التي كانت عليها مصر لحظة الفتح العربي (4) -المقوقس والأنبا بنيامين-، وقد استقر نمط اختزال الأقباط في الكنيسة بعد الفتح العربي باعتبار البابا البطريرك "عظيم القبط" (5)، واستمر هذا النسق من التعامل مع الأقباط حتى بعد تأسيس الدولة الحديثة مع قدوم محمد علي باشا (1805 ـ 1848) وعبر حكم الأسرة العلوية (6) إلى أن نقف على أعتاب حركة الضباط الأحرار في يوليو/تموز العسكري 1952.

مرحلة عبد الناصر: عهد الزعامة
مرحلة السادات: عزل البابا
مرحلة مبارك: المواطنة والفتنة
الأقباط والدولة: توجس وانقطاع في الاتصال
رهان الدولة المدنية

مرحلة عبد الناصر: عهد الزعامة

في غير مرة تحدث المحللون عن تأثر ضباط يوليو– وبالأخص الرئيس جمال عبد الناصر- بما كتبه الأديب المصري الكبير توفيق الحكيم، وبخاصة روايته "عودة الروح"(7) التي كانت ملهمته في الترتيب للثورة والقيام بها، وتكشف الرواية في تصديرها المنقول عن "نشيد الموتى" المصري الفرعوني القديم جانبًا من توجه ناصر، والذي تقول سطوره:

عندما يصير الزمن إلى خلود سـوف نـراك مـن جـديد
لأنـك صـائر إلى هنـاك حيـث الكـل فـي واحــد

فوجد هذا التوجه قبولاً لديه وهو يؤسس للمجتمع الأبوي الذي يختزل الوطن في شخصه، وهو ما انسحب على كافة مؤسسات مصر، وفيها صارت الكنيسة ممثلة للأقباط وبدورها صارت ممثلة في قداسة البابا البطريرك.

وفي عصر عبد الناصر لم يكن هناك مكان لنزاعات أو أطروحات يكون الجدل "الديني/السياسي" محورها، فالجهد كله كان مكرسًا لتحقيق زعامة عبد الناصر في الدوائر العربية والإفريقية والشرق أوسطية، وربما فيما هو أوسع، أي دائرة العالم الثالث وتحالفات عدم الانحياز وقتها، وكان أحد أهم تجليات هذه المرحلة الدعوة لتأسيس وتكريس "القومية العربية".

مرحلة السادات: عزل البابا

وتحمل الأيام تحولاً دراميًا قدريًا سنلمس تداعياته في دائرة علاقة الأقباط بالدولة فيما بعد، عندما يرحل الرئيس عبد الناصر(Cool، ويلحقه في الرحيل بعد بضعة شهور البطريرك المصري البابا كيرلس السادس(9)، ليأتي الرئيس محمد أنور السادات على قمة الهرم السياسي خلفًا للأول، وقداسة البابا شنودة الثالث على قمة الهرم الكنسي خلفًا للثاني.

كان أمام الرئيس السادات تحدٍ كبير، خاصة وأنه يأتي عقب رحيل زعيم له وهجه الشعبي محليًا وإقليميًا، ويملك حضورًا طاغيًا، فلم يتنازل عن حتمية المواجهة مع العدو الصهيوني وإن ترك البلاد وجزءًا عزيزا منها تحت الاحتلال الإسرائيلي، واقتصادها مثخن بتبعات حروب متتالية، وشعبها جرحت كبريائه مع هزيمة يونيو/حزيران 67 الثقيلة والمباغتة، وجيشها يعيد ترتيب صفوفه ويشتبك مع العدو ببسالة فيما عُرِف بحرب الاستنزاف، ثم إن هناك إرهاصات انعطاف شعبي نحو الدين كحائط صد أمام انهيار متوقع للهوية الوطنية، وتحفز قوى إقليمية لملء فراغ الانسحاب المصري عن موقع القيادة الإقليمية، وصراعات عند القمة وغليانا عند القاعدة يستعجل الثأر واستعادة الكرامة.

تفتق ذهن الرئيس السادات عن خيار ناجز وهو مواجهة الأيديولوجيات السائدة، الناصرية واليسارية، بالأيديولوجية الدينية فيحقق بها تعاطفًا شعبيًا في لحظة فارقة، في استثمار محسوب للاحتماء الشعبي بأهداب التدين، وكان له ما أراد عبر إحياء وبعث التيارات "الراديكالية" الإسلامية النائمة.(10)

في تواز كانت الكنيسة القبطية تشهد تحولاً في منهج عملها؛ فقد جاء على رأسها "محارب عتيد" (البابا شنوده الثالث) يحمل معه رؤية محددة لطالما طرحها على صفحات مجلة مدارس الأحد التي كان يرأس تحريرها في مقتبل شبابه (1947 ـ 1954)، وخرج منها قاصدًا الرهبنة باعتبارها المدخل الوحيد للدخول في دائرة القيادة الكنسية، وكان له ما أراد. وبمثابرة فذة أعاد هيكلة مجمع الأساقفة بتطعيمه بزمرة من الشباب الذين استقوا رؤاهم من تتلمذهم عليه منذ أن كان أسقفًا للتعليم ـ 30 سبتمبر/أيلول 1962 ـ وربما قبلها، وسرعان ما أصبحوا أغلبية مجمع الأساقفة، المنوط به رسم وتنفيذ رؤية الكنيسة وسياساتها؛ وبحكم العلاقة الأبوية والتلمذة صار البابا البطريرك هنا هو من يضع السياسات الكنسية ويتابع الالتزام بها.

"
رغم حالة التوتر القائمة بين النظام المصري والكنيسة وانعكاسات ذلك على العلاقة عموما بين المسلمين والأقباط فإن الأمل ما يزال معقودا على المجتمع المدني
"
مرت العلاقة بين الرئيس السادات والجماعات الإسلامية "الراديكالية" بمرحلتين، مرحلة الوفاق وفيها كان الطرفان يسعيان -وفق المعلن- لغاية واحدة: تأكيد إسلامية الدولة، وكان الملعب السياسي قد أفرغ لصالح تلك الجماعات، حتى في الجامعة التي كان يُحظَر فيها ممارسة العمل السياسي الطلابي، وكانت الخطوات متسارعة، إلى الدرجة التي استشعر فيها الأقباط الخطر والاستهداف، فهم عند أجنحة عديدة من هذه الجماعات "أهل ذمة" وعليهم التزامات تفرضها هذه الرؤية، وبدأ الحديث عن ضرورة فرض الجزية عليهم، وكثر الحديث بشأن الولاية والتبعية وجواز التحاقهم بالجيش وغيرها من الأطروحات السلفية، كل هذا بدأ يجد له مكانًا في الإعلام والتعليم والثقافة، بل وراحت أجنحة أخرى تطبقه في الشارع ودواوين الحكومة وتفرضه كأمر واقع، وعندما اختلف السادات وتلك الجماعات، وهي المرحلة الثانية في العلاقة، راحت تلك الجماعات تبحث عن دعم بديل لنشاطها، وقد اكتسبت أرضًا في استمالة قطاعات من الشارع وبعض من أجنحة السلطة، ووجدت ضالتها في أموال الأقباط فاستهدفتها بل واستهدفت الأقباط أنفسهم في رسائل ترسلها -عبر نهب ممتلكاتهم، والهجوم على دور عبادتهم- إلى النظام في محاولة لاستعراض القوة.(11)

لم يجد الأقباط أمامهم بديلاً عن الاحتماء بالكنيسة ربما حفاظًا على هويتهم وحياتهم، وكانت أبواب الكنيسة مفتوحة، وكان النظام راضيًا، فهذا أمر يسير في اتجاه اختزال الأقباط في الكنيسة واختزال الكنيسة في شخص، يملك في هذه اللحظة التاريخية مقومات الزعامة، ويرى في الأمر إضافة إلى ثقله ومكانته. لكن الأمر لم يكن بهذا التبسيط فقد برزت في الأفق بوادر صدام مرتقب؛ ففي الوقت الذي استقر فيه عبر الواقع أن البابا هو زعيم الأقباط وربما المتحدث باسمهم، كان رئيس الدولة يرى في هذا مزاحمة لصلاحياته، وبدا هذا في نبرة خطاباته العامة والرسائل التحذيرية من خلال السطور إلى البابا والكنيسة(12)، وتتصاعد الأمور ليقع الصدام المدوي في 5 سبتمبر/أيلول 1981 عندما أصدر الرئيس السادات عدة قرارات عنيفة كان من نتائجها اعتقال المئات من كل التيارات السياسية المناوئة، استوى في هذا اليساري واليميني والناصري والليبرالي والشيوخ والكهنة والأساقفة، واتخذ قرارا أيضًا بعزل البابا والتحفظ عليه في أحد الأديرة، وفي هذا المناخ الملتهب تقوم إحدى الجماعات الإسلامية باغتيال الرئيس السادات في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1981، وفي هذه الأجواء يأتي الرئيس محمد حسنى مبارك كخلف للرئيس السادات، في مناخ غائم وملتبس، ربما أسوء من مناخ انتقال السلطة من الرئيس عبد الناصر إلى الرئيس السادات.

مرحلة مبارك: المواطنة والفتنة

استهل الرئيس مبارك ولايته بالإفراج عن (جل) المعتقلين الذين شملتهم قرارات سبتمبر/أيلول، واستقبل بعض الرموز السياسية منهم في قصر الرئاسة، في بادرة سلامية تبشر ببدء عهد جديد، إلا أن البابا بقي قيد التحفظ حتى صدر قرار بإعادة تعيينه من رئيس الدولة في يناير/كانون الثاني 1985، فعاد إلى مقر كرسيه بالكاتدرائية المرقصية بالقاهرة، وكانت أولويات الرئيس في هذه المرحلة إعادة بناء البنية التحتية المنهارة جرَّاء استنزاف الحروب للاقتصاد المصري، والنجاح في استعادة بقية الأرض المحتلة من سيناء في 25 أبريل/نيسان 1985.

ويمكن إجمال أبرز مآخذ الأقباط على النظام المصري خلال العقود الثلاثة التي حكم فيها مبارك مصر حتى الآن، في النقاط التالية:

أعمال عنف ضد الأقباط، لأسباب مختلفة، لم تنل العقاب الرادع بما يكفي من قبل القضاء.
التضييق على بناء وترميم الكنائس.
غياب الأقباط عن بعض الوظائف العليا في الدولة.
ورغم حالة التوتر القائمة بين النظام المصري والكنيسة وانعكاسات ذلك على العلاقة عموما بين المسلمين والأقباط فإن الأمل ما يزال معقودا على المجتمع المدني سواء المنظمات الأهلية أو النقابات المهنية، وبالأخص ما يمكن أن تُسمَّى نقابات صناعة وتوجيه الرأي العام وعلى رأسها نقابة الصحفيين والتكوينات الشعبية المتمحورة حول الشباب. والحق أن جهدا بذل في هذا المجال وأثمر عن إدخال مفهوم المواطنة في التعديلات الدستورية التي شهدتها مصر عام 2007.

وفيما يبدو أنه استجابة حكومية لدعاوى احترام حقوق الإنسان، وفي القلب منها حقوق الأقباط، أنشأ نظام الحكم في مصر "المجلس القومي لحقوق الإنسان"، لكن هذا المجلس للأسف ولد مبتسرًا رغم فخامة الاسم وتشكيلته النخبوية، فغلب عليه الطابع التكنوقراطي، لأن قرار تشكيله جاء خلوًا من آليات لتنفيذ رؤيته وتوصياته. ولعل هذا يفسر ازدياد ما بات يعرف إعلاميًا بالفتنة الطائفية والتي تشهد تحولاً نوعيًا بعد أن أصبح الفاعلون فيها من عامة الناس بعد أن كانت قاصرة على الجماعات المتطرفة.

الأقباط والدولة: توجس وانقطاع في الاتصال

بغير قفز على الأحداث، أو انحياز يحصر الأزمة في جانب دون آخر، ومن ثَمَّ إلقاء الكرة في ملعب الدولة أو الأمن، نرى أن العلاقة بين الأقباط والدولة تتراوح بين التوجس القلق وبين انقطاع خطوط الاتصال الفاعلة والموضوعية، ولم يقترب أحد بصورة جدية من حلها حتى الآن، الأمر الذي يجعلها تتفاقم خاصة مع دخول لاعبين جدد في ملعب الأحداث لتحقيق أجندات خاصة بهم إن محليًا أو إقليميًا أو دوليًا، وبفعل ثورة الاتصالات والانفتاح الإعلامي بين الداخل والخارج، والإصرار على التناول السطحي للأزمات المزمنة والمستحدثة، وغياب الرؤية الإستراتيجية عن الساحة، والافتقار لفكر موضوعي لإدارة الأزمات؛ وفي هذا الإطار نلمس بعض جوانب الأزمة في النقاط التالية:

"
العلاقة بين الأقباط والدولة تتراوح بين التوجس القلق وبين انقطاع خطوط الاتصال الفاعلة والموضوعية، ولم يقترب أحد بصورة جدية من حلها حتى الآن، الأمر الذي يجعلها تتفاقم
"
اختزال الحلول والمواجهة الحقيقية للأزمة في الحل الأمني؛ رغم أن الأمن هو جهاز احترافي مكلَّف بمنع الجريمة قبل وقوعها كلما كان ذلك ممكنًا، وتعقب الجناة حال وقوعها وتقديمهم للعدالة، وليس من مهامه تقديم حلول لما يعانيه المجتمع من أزمات ومشاكل، وتحميله بهذا يأتي خصمًا من مهمته الاحترافية وينعكس سلبًا على الواقع ويزيده تأزمًا؛ إذ يرحِّل الأزمة الحقيقية إلى المجهول فتعود مرة ومرات أكثر سخونة وأشد ضررًا.

اللجوء تحت ضغط التفجر الأمني إلى الحلول العرفية وهو ما يعني إقصاء للقانون، وردة إلى نسق القبيلة والتجمعات البدائية، وهو نسق لا تعرفه مصر عبر تاريخها الطويل إلا في أطرافها وبشكل استثنائي، ويترتب على ذلك تقويض أركان الدولة المدنية، وإثابة المجرم بدلا من معاقبته، فتختفي ثقافة الردع الرامية لحماية المجتمع، وتكون دعوة واضحة لتكرار الأعمال الإجرامية التي تتم على خلفيات دينية مشوشة.

التهاون في معالجة الأسباب الحقيقية للاحتقان الطائفي بالاكتفاء بسياسة إطفاء الحرائق بينما النار تشتعل تحت الرماد.

غياب العمل التشريعى في ترجمة نص المواطنة الدستوري إلى حزمة من القوانين المشتبكة مع المجتمع، والمنظمة لعلاقاته البينية على أرضية المواطنة، والتي ترمي إلى تجريم كل ما ينتقص منها ومن محاورها الأساسية التي يأتي على رأسها مبدأ المساواة، والتي تقر بأن الحقوق والواجبات تترتب على الانتماء للوطن وليس إلى أية انتماءات أخرى مهما علا شأنها.

ضعف الحياة الحزبية، وانسداد قنوات التواصل مع الشارع الأمر الذي فتح الأبواب للمؤسسات الدينية، الرسمية والموازية، لاستلاب العقل الجمعي، وبث الخطابات الصانعة للفتنة والمعمقة للشرخ الوطني.
رهان الدولة المدنية

الأقباط جزء أصيل في التركيبة السكانية المصرية فلا يُخال أن يتم تهجيرهم طوعًا أو قسرًا منها، ولا يُتخيل أن يُنظر إليهم كأقلية عرقية خلافا لحقيقة ثابتة وهي أن مصر -وفق كل الدراسات الانثروبولوجية المحترمة- تتميز بوحدة العرق، الأمر الذي يستوجب تصحيح المفاهيم الخاطئة في هذا المضمار.

وأتصور أننا بحاجة ماسة لخطوات على الأرض تتمثل في:

"
أنشأ نظام الحكم في مصر "المجلس القومي لحقوق الإنسان"، لكن هذا المجلس للأسف ولد مبتسرًا رغم فخامة الاسم وتشكيلته النخبوية، فغلب عليه الطابع التكنوقراطي.
"
إعادة هيبة الدولة في الشارع المصري عبر تفعيل وفتح قنوات الحوار، وتفعيل الحياة الحزبية بدءًا من رفع القيود عن تكوينها مع الالتزام بالدستور وعلى أرضية المواطنة، وفك الحصار عن حرية تحركها في الشارع، والتلاحم مع الجماهير، عبر آليات الإعلام القومية بشكل عادل وحقيقي.

إعادة تفعيل وتكريس ونشر ثقافة سيادة القانون وفقًا للقواعد الدستورية والتي تقول: إن القاعدة القانونية عامة ومجرَّدة وملزِمة؛ سعيًا لتحقيق العدالة وهي إحدى التزامات الدولة وفقًا لنظرية العقد الاجتماعي.

تشكيل مجلس قومي للمواطنة يتجنب سلبيات وعيوب المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو في تقديري أكثر اتساقًا مع ما نصت عليه المادة الأولى من الدستور من أن مصر دولة تقوم على المواطنة، وتكون له صلاحيات مراجعة القوانين وتنقيتها مما قد يشوبها من نصوص تعوق تطبيق المواطنة الكاملة، وتقديم مشاريع قوانين للبرلمان تهدف لتفعيل المواطنة في الشارع، وتضبط العلاقات المجتمعية على ضوئها.

تشكيل مجموعات عمل تتبع مؤسسة الرئاسة لمراجعة الآليات التي تشكِّل الوجدان والفكر الجمعي، وهي الإعلام والتعليم والثقافة بحزم وحسم لتنقيتها من كل ما يُشتَبَه في أنه يبث الكراهية وروح الاستعلاء، ودعمه بكل ما من شأنه أن يكوِّن عقل النشء والشباب باتجاه التنوير، وثقافة المواطنة، وقبول الآخر، وتكريس ثقافة العيش المشترك.

تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية بإلغاء نظام الانتخاب الفردي والالتجاء إلى الانتخاب بالقائمة النسبية، الأكثر تحقيقًا لتمثيل الأقليات العددية والمهمشين والمرأة، وتجنب سلبيات سيطرة رأس المال والبلطجة وتقليص الاختيار بحسب العاطفة الذاتية، وتحفيز الأحزاب على الدخول في معترك الانتخابات ببرامج عمل واضحة تكون محل مفاضلة عند جموع الناخبين، حتى يضمن لنا مجلسًا نيابيًا قادرا على التعبير عن مصالح وحقوق المواطن وأكثر قدرة على ممارسة واجبه التشريعي والرقابي.
________________
باحث متخصص في الشؤون القبطية.



ملاحظة
ستنشر هذه الدراسة قريبا في كتاب "مصر.. تبديد أرصدة القوة" عن مركز الجزيرة للدراسات.

الهوامش
(1) عرفت مصر في اللغة اليونانية باسم "إيجبتوس" Eiguptos وهي الترجمة اليونانية للكلمة المصرية القديمة "ها كا بتاح" وتعني "بيت روح بتاح"، وهو الإله بتاح معبود العاصمة المصرية القديمة "منف" والذي أُطلق على كل القطر، ومنها جاء اسم "جبت" الذي تحول في النطق العربي إلى "قبط"، ودعا العرب مصر "دار القبط"، وعليه تكون كلمتا "قبطي" و "مصري" بمعنى واحد. وإن كان السائد الآن قصر لفظة "الأقباط" على المسيحيين المصريين وهو خطأ شائع استقر في الأدبيات الحديثة. (راجع في ذلك كتاب: خلاصة تاريخ المسيحية في مصر ـ تأليف لجنة التاريخ القبطي ـ الطبعة الثالثة (1996). (الطبعة الأولى 1922).

(2) المرجع السابق.

(3) للتوسع في وقائع ما حدث من تداعيات الخلاف بشأن طبيعة المسيح وأمه وموقف الإمبراطورية البيزنطية والكنيسة المصرية من ذلك، انظر: يوسف زيدان، اللاهوت العربي وأصول العنف الديني، القاهرة، دار الشروق، 2010، ص 39 - 44. (المحرر).

(4) تاريخ الأمة القبطية: يعقوب نخلة روفيلة ـ الطبعة الثانية سنة 2000( الطبعة الأولى 1898).

(5) ماذا جرى لمصر ـ مسلمين وأقباط، د. رفعت السعيد 1991.

(6) المجتمع القبطي في مصر في القرن 19 - رسالة ماجستير من جامعة القاهرة في تاريخ مصر الحديث مايو/أيار 1970 -رياض سوريال- صدرت في كتاب 1984.

(7) رواية تحكي عن أسرة مصرية من الطبقة البرجوازية، تسرد من خلالها ما يعتمل في المصريين من روح وطنية وثابة وقدرتهم على النهوض من جديد رغم ظاهر حياتهم البسيط، والذي يُخفى عظمة متوارثة وقدرة على الانتفاض.

(Cool توفي في 28 سبتمبر/أيلول.

(9) توفي في 9 مارس/آذار 1971.

(10) هناك قراءة أخرى لتنامي التيار الإسلامي بدءا من النصف الثاني من السبعينيات حتى الآن غير تلك القراءة التي أوردها الكاتب والتي عادة ما يرددها اليساريون وبعض الليبراليين المصريين؛ تلك القراءة مفادها أن بواعث النهوض والإحياء الحضاري المؤسس على مرجعية دينية عميقة الجذور في التربة المصرية لعل آخر تجلياتها دعاوى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وأن كل ما حدث لها إبان عهد عبد الناصر -حينما اصطدم مع الإخوان المسلمين- هو نوع من الكمون والخفوت ريثما تتحسن الظروف بعدما اشتدت الوطأة الأمنية، وهو ما حدث بالفعل بعد موت عبد الناصر وإفراج السادات عن الإخوان المعتقلين (بعضهم قضى في السجن أكثر من عشرين عاما)، فعاودت دعاوى الإحياء الديني نشاطها مرة أخرى. لمزيد من التفاصيل بشأن هذه المسألة انظر على سبيل المثال: مذكرات/شهادة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح على الحركة الطلابية الإسلامية في الفترة من 1970 حتى 1984، تحرير حسام تمام وتقديم طارق البشري، دار الشروق، 2010، القاهرة. (المحرر).

(11) في قراءة أخرى لموضوع سعي السادات لتأكيد "إسلامية الدولة" أن الرئيس المصري آنذاك كان يبحث عن "شعبية" لرفع أسهمه بعد موجات الرفض الشعبي لاتفاقية كامب ديفيد فحاول مغازلة الأغلبية بموضوع "تقنين الشريعة الإسلامية"، وترديد عبارات من قبيل "أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة"، وإطلاقه صفة "دولة العلم والإيمان" على مصر، وهذا كله كما سبق القول –وفق هذه القراءة- تكتيكات سياسية لكسب الشعبية وليس إستراتيجية جديدة تبناها النظام لتحويل مصر إلى "دولة إسلامية". أما "استحلال" أموال الأقباط التي أشار إليها الكاتب وعممها على "الجماعات الإسلامية"، فإن المعروف تاريخيا أن من "استحل" أموال الأقباط ومارس بحقهم العنف ليس "كل" الجماعات الإسلامية، وإنما شريحة صغيرة من فصيل داخل هذه الجماعات تبنى العنف والعمل المسلح ضد الدولة والنظام. بعض هؤلاء الأفراد كانوا ينتمون للجماعة الإسلامية وبعضهم لجماعة الجهاد والبعض الآخر لجماعة المسلمين التي اشتهرت إعلاميا باسم جماعة التكفير والهجرة بقيادة شكري مصطفى. (المحرر)

(12) توترت الأجواء بين البابا شنوده والسادات بعد أن رفض البابا مصاحبة السادات أثناء زيارته المفاجأة للقدس عام 1977؛ وبعد أن اندلعت مظاهرات غاضبة من الفلسطينيين وبعض أقباط المهجر أثناء زيارة للسادات إلى الولايات المتحدة الأميركية بعد ذلك، وزاد الأمر توترا إعلان البابا إلغاء الاحتفال بعيد القيامة وذهابه للاعتكاف بالدير وعدم استقبال المهنئين الرسميين من الدولة بهذه المناسبة رغم الوساطات.




ثورة أم لا ؟




المدير العام
عضو ممتاز
عضو ممتاز



.....
الباحث عن الحقيقة

.....


****************************


---------------------------------------


----------------------------------------
عدد الرسائل: 4201
العمر: 55
العمل: باحث وكاتب في العلوم ومقارنة الآديان
تاريخ التسجيل: 12/08/2008

http://science.creaforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر.. تبديد أرصدة القوة

مُساهمة من طرف المدير العام في الأحد فبراير 13, 2011 1:57 pm

الثقافة ومنظومات القيم في مصر خلال ثلاثين عاما



علي ليلة

الحديث عن المجتمع المصري له طابعه الخاص، إذ يكشف تأمل أوضاعه عن مجموعة من الحقائق الأساسية. حيث تتمثل الحقيقة الأولى في امتلاك هذا المجتمع القدرة على البقاء. ولكي يحقق له ذلك فإنه يمتلك آليات عديدة يلجأ إليها -انتقائيا- حسبما تتطلب الأحوال والظروف. أحيانا يستدعى آليات القوة والإرادة ليفرض وجوده على بيئته الإقليمية المحيطة به، حدث ذلك في عصر محمد علي باشا وفي عصر عبد الناصر. وأحيانا تدفعه ظروفه من أجل البقاء إلى التراجع والتكيف مع الأوضاع القائمة أيا كانت طبيعتها السلبية، كما حدث في عصر الخديوي توفيق ويحدث الآن. وهو ما يعني أنه يمتلك قدرا من المرونة والحركة الواسعة على متصلات التاريخ، وهى مرونة تؤمن له الثقة في إمكانية البقاء.

وتتصل الحقيقة الثانية في تميز هذا المجتمع بأن قوته نابعة من ذاته دائما، فتخلفه وتقدمه صناعة محلية بحتة، بل نجده في أحيان كثيرة يفيض على من حوله ليسهم في تأكيد تطورهم وتقدمهم. حدث ذلك حينما تم تهجير العمالة المصرية إلى عاصمة الخلافة العثمانية في عصر السلطان سليم الأول ليترك أصحاب الحرف بصماتهم هناك، ولينقلوا مهاراتهم إلى رفاقهم الأتراك. وحدث نفس الشيء في العقود الأخيرة من القرن العشرين، حينما هاجر المصريون إلى مجتمعات الخليج ليشاركوا في إنجاز التحديث، وليعودا كما ذهبوا، بعد أن تركوا المهارة وأسسوا قابلية التحديث، فالمجتمع المصري تكمن قوته في قدرته على العطاء، عن إيثارية ورغبة في تطوير أوضاع الآخرين.

غير أن هذا المجتمع مثلما يمتلك قوة ذاتية، يعاني من ضعف ذاتي كذلك، يحدث ذلك حينما تتساقط المبادئ لديه، إذ يؤكد لنا التاريخ أن هذا المجتمع يصبح قويا حينما يمتلك المبادئ، التي توجه حركته وتنظم تفاعله. تأكيدا لذلك أنه أقام الحضارة المصرية القديمة حينما اعتقد في الفرعون الإله الذى يسيطر على الأرض وفاض حكمه عليها خيرا وعدلا. وحينما أسلمت مصر، كانت هى البلد الإسلامي الوحيد صاحب عاصمة الألف مئذنة. غير أنه حينما تضيع منه المبادئ تتردى حركته ويتخبط وتضيع منه ذاكرته التاريخية وخبرته في مواجهة الأزمات والصعاب، وهي الحالة التى يعاني منها الآن. فقد تراجع هذا المجتمع حتى تقوقع على ذاته، بعد أن كان هو الحامل لرايات النضال العربي. وهو الآن يعاني من أمراض اجتماعية وأخلاقية عديدة، يجب أن ننظر إليها بقدر من التفاؤل باعتبار أن ذلك مخاض ميلاد جديد، ننتظره ونساعد على اكتمال ولادته، بنقد ما هو قائم وعبثي، عملا بالقول المأثور "ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت، وكنت أظنها لا تفرج". وكلي أمل في هذا الفرج القادم.

لقد عرضت باستفاضة في هذه الدراسة لسلبيات الواقع المصري المعاصر، وضعت هذه السلبيات تحت "زووم" التكبير، حتى نستنفر قدرتنا على النقد، بحثا عن الأمل وعن الإصلاح. فنقد ما هو قائم وناقص يساعد دائما على ولادة ما هو جديد ومكتمل. وذلك لقناعة ذاتية أن صلاح مصر هو صلاح للعالم العربي بكامله، وانهيارها سوف يعني حتما انهياره، فهي رمانة ميزان عالمها العربي، ليس هذا تعبيرا عن شوفينية مصرية، ولكنه تقرير لحقيقة يجب الأقرار بها كمصريين وعرب على السواء، حتى نستطيع الحركة، وحتى يمكن أن نعبئ قدراتنا باتجاه الهدف. وإذا كان السياق الثقافي والسياسي في المجتمع المصري يتيح قدرا من حرية النقد، فإنه يصبح على المثقفين تحمل هذه الأمانة لتوسيع مساحة النقد، والكشف عن العلل، دون وجل أو خوف، بحثا عن الأمل وعن المستقبل. فإصلاح مصر يعني -كما قلت- إصلاح عالمها العربي، وهي مهمة تستحق الجهد وتستحق المخاطرة.

أولا: علاقة الثقافة ومنظومات القيم بالمجتمع
ثانيا: دور النظام السياسي في إضعاف بنية الثقافة ومنظومات القيم
ثالثا: إضعاف التحولات الاجتماعية للثقافة ومنظومات القيم
رابعا: دور القوى الاجتماعية في إضعاف الثقافة ومنظومات القيم
خامسا: انهيار مؤسسات التنشئة الاجتماعية وإضعاف الثقافة ومنظومات القيم
سادسا: انهيار الثقافة ومنظومات القيم، حصاد نصف قرن

أولاً: علاقة الثقافة ومنظومات القيم بالمجتمع

تتشكل الثقافة من مجموعة المعاني والرموز التي تتبلور على هيئة منظومات قيم توجه سلوكيات البشر في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، سواء كانت سوية أو منحرفة. استنادا إلى ذلك تلعب الثقافة ومنظومات القيم دورا محوريا في بناء المجتمع، لكونها هي التي تتولى تنظيم التفاعل الحادث في المجتمع. فالبشر يؤدون أدوارهم وينجزون سلوكياتهم وهم موجهون بقيم الثقافة. ومن ثم فكلما كانت الثقافة ومنظومات القيم أكثر فاعلية في ضبط التفاعل الاجتماعي، توقعنا أن يكون المجتمع أكثر استقرارا. ذلك يفرض علينا تعرف ماهية الثقافة ومنظومات القيم المشكلة لها والكيفية التي تؤدي بها أدوارها في تنظيم التفاعل الاجتماعي.

"
يتشكل بناء الثقافة من ثلاثة عناصر أو مكونات أساسية. المكون الأول هو منظومة القيم الوجدانية، وهي تشكل القاعدة المعنوية التي يستوعبها الفرد من خلال التنشئة الاجتماعية التى تتم في الأسرة، ثم من المدرسة والإعلام بعد ذلك
"
فإذا تأملنا بناء الثقافة من الداخل فسوف نجده يتشكل من ثلاثة عناصر أو مكونات أساسية، المكون الأول هو منظومة القيم الوجدانية، وهي تشكل القاعدة المعنوية التى يستوعبها الفرد من خلال التنشئة الاجتماعية التي تتم في الأسرة، ثم من المدرسة والإعلام بعد ذلك. وتتمثل الوظيفة الأساسية لمنظومة القيم الوجدانية في كونها تربط الشخص بموضوعات بيئته التي ينشأ فيها عاطفيا ووجدانيا، كالارتباط بالأم والارتباط بالوطن والارتباط بالأسرة والارتباط "بالعلم" رمز الوطن. ومن شأن هذه القيم أن تؤسس قاعدة انتماء الشخص لمرجعيته الاجتماعية والوطنية بكل ما فيها، ويتم استيعاب هذا العنصر فى شخصية الإنسان منذ الصغر وبصورة تلقائية فى العادة. ويتشكل المكون الثاني من منظومة القيم الإدراكية التى تتشكل من المعارف الحديثة التى يتعلمها الإنسان من المدرسة وحتى الجامعة. وتتميز القيم الإدراكية بكونها ليست من طبيعة عاطفية كالقيم الوجدانية، ولكنها من طبيعة عقلانية بالأساس، ومن شأنها أن تقوي الجانب العقلاني في الإنسان. والمكون الثالث هو مجموعة القيم التفضيلية، وهي القيم التي تشكل مرجعية الإنسان في الاختيار والمفاضلة بين الموضوعات.

ونحن إذا تأملنا منظومات القيم هذه فسوف نجد أن القيم الوجدانية هي الأكثر فاعلية في الصغر، وكلما كبر الإنسان اتجه إلى العمل وفقا للقيم الإدراكية العقلانية، وكذلك تتسق هذه القيم مع السياق الاجتماعي، ففي السياق الريفي مثلا نجد أن القيم الوجدانية هي الأكثر فاعلية وتأثيرا، وإذا تحركنا إلى السياق الحضري فإن القيم العقلانية "الإدراكية" تكون هي الأكثر فاعلية وقوة.

وتلعب الثقافة ومنظومات القيم المتضمنة فيها دورها في ضبط التفاعل الاجتماعي من خلال أربع صيغ:

الصيغة الأولى: توجد القيم كما هي باعتبارها عناصر رمزية توجه التفاعل في كل مجال من مجالات التفاعل الاجتماعي، فهناك قيم خاصة بالأسرة، وأخرى خاصة بالتعليم وأخرى خاصة بالاقتصاد كالأمانة مثلا والجودة والصدق وغير ذلك من القيم، وبهذا الوجود الرمزي تؤدي القيم دورها في توجية سلوكيات البشر في كل مجال من المجالات الاجتماعية.

والصيغة الثانية: تتحول القيم في مجالات الواقع الاجتماعي المختلفة إلى أشكال معنوية ومعيارية تتولى ضبط التفاعل الواقعي مباشرة. وفي هذا الإطار تتحول القيم إلى تقاليد وأعراف ومعايير وقواعد تتولى الضبط المباشر للتفاعلات والسلوكيات الواقعية، فنحن نحتكم عادة إلى التقاليد والأعراف والمعايير في شؤون حياتنا اليومية.

والصيغة الثالثة: هي التي يتشكل فيها الضمير الفردي من خلال عملية التنشئة الاجتماعية التي توجد على أساسها القيم في المجتمع، إذ يستوعب الفرد من خلال هذه العملية قيم المجتمع ومثله فتشكل ضميره الفردي الذى يوجه سلوكه من داخله في مختلف المجالات الاجتماعية.

والصيغة الرابعة: هي التوقعات المتبادلة التي توجد بها القيم وتؤدي فاعليتها في المجال الاجتماعي. وتعني صيغة التوقعات المتبادلة أن الأفراد وهم يتفاعلون بعضهم مع بعض يتوقعون سلوكيات بعضهم تجاه بعض، لأنهم يؤدون هذه السلوكيات بالنظر إلى قيم مشتركة ومتفق عليها.

ومن الطبيعي أن تلعب هذه الصور الأربع دورها في ضبط سلوك الأفراد، إما من وجودها معاني رمزية وموجهات عامة وإما من كونها تقاليد وأعرافا ومعايير تضبط التفاعل الاجتماعي، أو من خلال ضمائرنا الفردية الموجهة لسلوكياتنا، أو على هيئة أن سلوك كل منا محكوم بتوقعات الآخر عنه، ومن ثم نجده يتصرف في غالب الأحيان وفقا لهذه التوقعات.

فإذا حاولنا تعرف مصادر القيم في المجتمع فسوف نجد أن هناك أربعة مصادر أساسية. الأول: الدين ويشكل في أي مجتمع من المجتمعات قاعدة الثقافة ومنظومات القيم، فالحلال والحرام الديني هو في الغالب الصواب والخطأ الثقافي، ومن ثم فكلما كانت المعاني الدينية متجددة كانت الثقافة أقل محافظة وأكثر ميلا لاستيعاب ما هو جديد.

وإذا كانت الثقافة ذات طابع متجدد على هذا النحو، فإنها بذلك تلعب دورا أساسيا في امتلاك المجتمع لقدر واضح من العافية والصحة الثقافية. ويشكل التراث الثقافي المصدر الثاني لثقافة المجتمع ومنظوماته القيمية. هذا التراث ينتقل إلى المجتمع عبر تتابع الأجيال، غير أن هذه الثقافة التراثية وإن انحدرت لنا من الماضي، فإنها تكتسب حيوية إذا أعيد إنتاجها من خلال التفاعل الاجتماعي القائم والمعاصر، وهو التفاعل الذى يتولى تعديل بعض جوانبها، قد يحذف منها أو يضيف إليها. ويشكل التفاعل الاجتماعي الذي يشارك فيه البشر فى المجتمع المصدر الثالث للثقافة.

فى هذا الإطار يلعب التفاعل الاجتماعي دورا محوريا فى إعادة إنتاج الثقافة، إلى جانب إنه يتولى إنتاج بعض القيم كذلك. وتشكل الثقافة الواردة إلينا من الخارج المصدر الرابع لثقافة المجتمع، فنحن الآن فى عصر وعالم الفضاءات الثقافية المفتوحة. حيث تنتقل الثقافات وتتحرك منظومات القيم دون حواجز، ومن الطبيعي أن تخترق بعض القيم الوافدة من الخارج ثقافة المجتمع. وفي هذه الحالة فإذا كانت ثقافة المجتمع تمتلك القوة والعافية فإنه يكون بإمكانها هضم العناصر الثقافية الوافدة بما يقوي بنيتها، أما إذا كانت ثقافة المجتمع ضعيفة فإن العناصر الثقافية الوافدة هي التي تتولى إعادة تشكيل هذه الثقافة الضعيفة وفق طبيعتها.

وبتأمل حال ثقافة المجتمع المصري نلحظ أنها بدأت تفتقد تماسكها وقوتها، إلى جانب أنها تعاني من تآكل مناعتها الثقافية بفعل متغيرات عديدة، وقد نتج عن هذه الحالة أن ضعفت هذه الثقافة في القيام بدورها في ضبط التفاعل الإجتماعي، وفى توجية سلوكيات البشر في مختلف مجالات الواقع الاجتماعي. بعض هذه المتغيرات يرجع إلى موقف النظام السياسي من عملية تحديث المجتمع والثقافة، بينما يرجع بعضها الآخر إلى طبيعة التحولات الاجتماعية والقوى الفاعلة في إطاره، على حين يرجع بعضها الثالث إلى أوضاع القوى الاجتماعية وحالة الضعف والانهيار الذي أصاب الطبقة المتوسطة وأخلاقها، يضاف إلى ذلك الضعف الذي أصاب مؤسسات التنشئة الاجتماعية والتآكل الذي أصاب فاعليتها، وهي المتغيرات التي نعرض لها في الصفحات التالية. علما بأننا سوف نركز على التأثيرات السلبية لهذه المتغيرات في النصف الثاني من القرن العشرين.

ثانيا: دور النظام السياسي في إضعاف بنية الثقافة ومنظومات القيم

الحالة الافتراضية التي نؤكد عليها فيما يتعلق بالعلاقة بين النظام السياسي والثقافة ومنظومات القيم تتمثل في أنه من الضروري أن تعمل الأنظمة السياسية على دعم ثقافة وقيم المجتمع، باعتبار أنه إذا كان المجتمع يشكل سياق هذه الأنظمة، فإنه من الضروري أن يكون متعافيا من أي اعتلال، خاصة فيما يتعلق بالثقافة والقيم، لأنها تشكل المعاني التى توجه سلوكيات البشر -المواطنين- في مختلف مجالات الواقع الاجتماعي. ويتحقق دعم النظام السياسي للثقافة والقيم من خلال عدة أبعاد أساسية، حيث يتمثل البعد الأول في ضرورة أن تنبثق أيديولوجيا النظام السياسي من ثقافة وواقع المجتمع الذى ينتمي إليهما.

ذلك ما حدث في التطور الغربي عامة، حيث كانت أيديولوجيات الأنظمة السياسية مشتقة بالأساس من ثقافة المجتمع ومنظوماته القيمية. بينما يتمثل البعد الثاني في ضرورة أن يواجه النظام السياسي أي ثقافة أو منظومة قيم ذات طبيعة انحرافية قد تضر بالتطور الاجتماعي أو تصبح عبئا عليه. في حين يتمثل البعد الثالث في ضرورة دعم مؤسسات إنتاج أو إعادة إنتاج الثقافة حتى تبقى منظوماتها القيمية قادرة على التفاعل مع الواقع المتجدد.

استنادا إلى ذلك سوف نحاول تأمل العلاقة بين الأنظمة السياسية ومنظومات القيم، في هذا الإطار نعتقد أنه قد تتابع على الواقع المصري منذ 1952 وحتى الآن ثلاثة أنماط من الأنظمة السياسية.

ويعد النظام الاشتراكي هو النظام السياسي الأول الذى شغل الفترة من 1952 حتى 1970 ونستطيع القول إن هذا النظام قد أضر ببنية الثقافة والقيم من خلال أربعة مظاهر أساسية.

أول هذه المظاهر أن الاختيارات الأيديولوجية للنظام السياسي لم تكن من رحم الثقافة ومنظومات القيم في المجتمع، بل كانت مفروضة عليه من الخارج. وإذا كان التوجه القومي قد شكل الاختيار الأيديولوجى الأول، في الفترة من 1952-1960، وإذا كان هذا التوجه متسقا في بعض جوانبة مع ثقافة وقيم المجتمع، فإنه ابتداء من 1960 وحتى 1970 اختار النظام السياسي الاشتراكية توجها أيديولوجيا له، وهو توجه لم تتسق منظوماته القيمية مع ثقافة المجتمع وقيمة إن لم تتناقض معها. بل إننا نجد أن النظام السياسي استخدم أحيانا ثقافة المجتمع في تبرير الأيديولوجيا الاشتراكية المفروضة عليه.

ويتمثل المظهر الثاني في عدم دعم النظام السياسي لمؤسسات التنشئة الثقافية سواء بالنسبة لأيديولوجيا النظام السياسي أو لثقافة المجتمع. ففي المرحلة الناصرية لم ينشئ النظام السياسي المؤسسات الثقافية الجادة للتنشئة وفق قيم أيديولوجيته. إضافة إلى أن مؤسسات التنشئة الثقافية للمجتمع بدأ يدب فيها العطب. فقد بدأت "الكتاتيب" في التآكل، وقد كانت تحافظ رغم بدائيتها على قيم الثقافة التقليدية. كما بدأ الخلل يتطرق إلى مؤسسات التعليم الرسمي، حيث بدأ التهاون يدب في أداء هذه المؤسسات، خاصة روافدها التي تغذي الثقافة العامة. من ذلك اعتبار مادة الدين والتربية الوطنية من المواد الاختيارية، التي لا يرسب الطالب بسببها، إضافة إلى تحويل الجامعة الأزهرية إلى جامعة علمانية، انزوت في نطاقها الكليات التراثية. ذلك بالإضافة إلى أن تجير التعليم من خلال الدروس الخصوصية قد بدأ خلال هذه المرحلة وإن بصورة محدودة.

يضاف إلى ذلك أن الهجرة بدأت كثيفة من الريف إلى الحضر خلال هذه المرحلة أيضا، لأن التنمية أخذت الطابع الحضري بالأساس. ونظرا لأن الشرائح الفقيرة هي التي هاجرت في الغالب، فقد بدأت التجمعات العشوائية والثقافات العشوائية تظهر في المدينة خلال هذه الفترة، حتى قيل إن الريف ساعد في ترييف ثقافة المدينة.

ويتصل المظهر الثالث لتشويه الثقافة خلال هذه الفترة بتأسيس بداية الثقافة الانتهازية التي بدأت تتشكل في هذه الفترة من خلال رافدين، الأول يتمثل في أن النظام السياسي رفع شعار تفضيل أهل الثقة على أهل الخبرة، وإذا كان النظام السياسي قد قصد من ذلك الحفاظ على الثورة ومكاسبها، فإنه فتح بذلك القنوات لتسلل بعض العناصر الانتهازية لتنشر ثقافتها على ساحة المجتمع، والثانى أن النظام السياسي فتح قنوات الحراك الاجتماعي أمام أبناء الطبقة المتوسطة، بحيث ساعد الحراك الاجتماعي لديهم على ترسيخ الحراك الثقافي، حيث استوعبوا القيم التي تساعدهم في صعودهم الاجتماعي، ومن ثم تآكلت لديهم الثوابت القيمية، وحلت محلها منظومات قيمية تساعد على الصعود أو الحراك الاجتماعي. خاصة أن المتحركين ينتمون إلى المناطق الرخوة في بناء الطبقة المتوسطة، فى هذا السياق تشكلت بذور جنينية للثقافة الانتهازية.

"
الانهيار الثقافي الذي أصاب المجتمع المصري قد أصاب أخلاقه أيضا، حيث انتشرت حالة من الفوضى الثقافية والاجتماعية، وهي الحالة التى تعد إخلالا بصيغة العقد الاجتماعي الذى ينظم تفاعل البشر في عيشهم المشترك
"
غير أننا نلاحظ أن النظام السياسي قد قام في هذه المرحلة بحماية المجتمع من ثقافتين فرعيتين، الثقافة الأولى هي الثقافة الدينية المتطرفة والعنيفة سواء على الجانب الإسلامي أو المسيحي. كما حمى المجتمع أيضا من الثقافة الشيوعية حينما حاول بعض معتقدي هذه الثقافة نشرها في إطار الواقع المصري، حيث استمر النظام السياسي في العمل باتجاه إجهاض هذه الثقافة، حتى انتهاء مرحلة النظام الاشتراكي فى العام 1970.

ويشكل النظام الليبرالي النظام السياسي الذي شغل الفترة 1970-1980، حيث أدرك هذا النظام بدايات ضعف القوى الاشتراكية على الصعيد العالمي، وزيادة فعالية المد الليبرالي. ومن ثم أسس سياسة الانفتاح الاقتصادي التي فتحت الأبواب للأيديولوجيا الليبرالية، التي فرضت على المجتمع، خاصة أن النظام السياسي امتلك شرعية قوية بعد انتصاره في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973. ومن ثم انفتح على القوى الليبرالية في العالم حتى سقط أسيرا لها، بحيث يمكن القول إن النظام السياسي في هذه المرحلة ساعد على انتشار بعض منظومات القيم الثقافية الغريبة الليبرالية وفرضها على ثقافة المجتمع، دون أن تولد -مرة أخرى– من رحم ثقافتة. وهي الأيديولوجيا التي تؤكد على منظومات قيم تختلف عن منظومات قيم الثقافة التقليدية، الأمر الذي أدى إلى خلخلة ثقافة المجتمع.

بالإضافة إلى ذلك ظهرت ثقافات انحرافية عديدة، من هذه الثقافات اتساع مساحة منظومات القيم الانتهازية، التى بدت جنينية في المرحلة السابقة، وذلك بسبب اتساع مساحة الشرائح التي تبنت هذه القيم، خاصة من بين أعضاء النخبة الاشتراكية السابقة التي تحولت باتجاه تدعيم قواعد الليبرالية. وتضافر مع ذلك سلوك شريحة من كبار أعضاء بيروقراطية القطاع العام والحكومة في المرحلة الاشتراكية، الذين التحقوا بالطبقة العليا، باعتبارها القوة البارزة في هذه المرحلة الليبرالية. بالإضافة إلى ذلك انتشرت الثقافة الاستهلاكية في المجتمع بسبب اندفاع البشر بطاقة الحرمانات التاريخية، وبسبب عدم وجود قنوات تساعد في توجية المدخرات الصغيرة -التي نتجت عن الهجرة إلى مجتمعات الخليج – لبناء مؤسسات الإنتاج. إلى جانب ذلك ظهرت الثقافة الدينية المتطرفة على الصعيدين الإسلامي والمسيحي، بحيث أدت إلى تفجر الفتن والصراعات الدينية، إلى جانب ذلك تأسست البدايات الجنينية لثقافات انحرافية عديدة سوف تنتشر في المرحلة التالية.

وتعد الفترة من 1980- حتى الآن للنظام أو النمط الثالث استمرارا لذات النظام الليبرالى، ويمكن أن نسميها بمرحلة الفوضى الليبرالية، حيث ضبط إيقاع وتفاعل هذه المرحلة متغيرات عديدة، أبرزها وضوح التبعية للقوى العالمية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى تأثير العولمة التي اخترقت الفضاءات القومية على مختلف الأصعدة الاقتصادية والثقافية والسياسية. إلى جانب ذلك سيطرة رجال الأعمال على السلطة، إضافة إلى ضعف بنية المجتمع في هذه المرحلة، بحيث أصيبت ثقافته بمرض ضعف المناعة الثقافية والقيمية. الأمر الذى دفع إلى انهيار البنية الثقافية للمجتمع ومنظومات القيم المتضمنة فيها لتخلي الساحة لثقافات انحرافية عديدة ابتداء من الثقافة أو القيم الانتهازية، وحتى ثقافة الفساد والرشوة، إلى جانب ثقافة الانحراف الاجتماعي والأخلاقي. وهي جميعها دفعت إلى نمو واتساع ثقافة عدم الانتماء، وشيوع ثقافة الاحتجاج في الشارع المصري، الأمر الذى يشير إلى حالة من الفوضى أو "الأنومي" الثقافية حيث افتقاد المجتمع للمعايير التي توجه سلوكيات البشر في إطاره.

ثالثا: إضعاف التحولات الاجتماعية للثقافة ومنظومات القيم

على مدى نصف قرن جرت مياه كثيرة في نهر المجتمع، فقد حدثت على الصعيد الواقعي تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية من الصعب أن يتصورها خيال، فقد بدأ المجتمع منذ صباح ثورة يوليو/تموز 1952 من مجتمع تقوده أيديولوجيا ليبرالية مشوهة، تجاورها منظومات قيمية لم تندمج معها إن لم تعادها. فإذا به ينتهي بعد نصف قرن إلى مجتمع تقوده أيديولوجيا ليبرالية فاسدة، إلى جانب منظومات قيمية تجاورها، قد تختلف أو تتناقض معها. تحرك المجتمع فى الأربعينيات والخمسينيات بطبقة عليا ذات سلوك أناني في غالبه، وتتعايش مع البرجوازية العالمية وانتهى في العقد الأول من الألفية التالية إلى مجتمع تسيطر عليه الطبقة العليا نفسها، بعواطفها الأنانية ونزعاتها الفردية وتحالفاتها مع البرجوازية العالمية. مجتمع بدأ بالثورة على الفساد وتغيير القيم الفاسدة، فإذا به ينتهي إلى مجتمع منتج للفساد متخل عن القيم، تعوق حالته عملية الإصلاح والتغيير.

وإذا كانت الأشواق قد ازدهرت في صدورنا مع بداية هذه التحولات، التي أوحت لنا بأننا على أبواب تأسيس مجتمع، قوي وفعال وقادر على إشباع الحاجات الأساسية للبشر، بما يعمق عواطف المواطنة. فإذا بنا نجد أنفسنا في العقد الأول من الألفية الثالثة -بعد نصف قرن تقريبا– وقد انطفأت الأشواق وانتكست الآمال، وأصابتنا حالة من الحسرة على الذي كان وذهب. وكذلك على القائم المتهرئ الذي لا نعرف كيف نوقظه ونستنفر مواضع الصمود فيه، عل ذلك أن يكون مقدمة أو دعوة لمشروع اجتماعي يعيد إقامة واستواء المجتمع، ويستدعي هوية أمة. غير أن ذلك يتطلب تشخيص ما انتهت إليه منظومة الثقافة والقيم، تمهيدا لاستكشاف السبل لإعادة بناء ثقافة تحتوي على منظومات قيمية متماسكة.

"
يكشف تأمل الحصاد الثقافي أو القيمي الناتج عن التحولات الاجتماعية، التي خضع لها المجتمع المصري أن ثمة مظاهر عديدة لحالة من الانهيار القيمي، تشير جميعها إلى مجتمع قد فقد قيمه، ومن ثم قواعده المنظمة للسلوك
"
يكشف تأمل الحصاد الثقافي أو القيمي الناتج عن التحولات الاجتماعية، التي خضع لها المجتمع المصري أن ثمة مظاهر عديدة لحالة من الانهيار القيمي، تشير جميعها إلى مجتمع قد فقد قيمه، ومن ثم قواعده المنظمة للسلوك، فالسلوك في هذا المجتمع أصبح عشوائيا وأصبح يختلف في أحيان كثيرة عما ينبغي أن يكون عليه السلوك لغياب القيم الموجهة أو المنظمة لسلوكيات البشر، أو حتى لضعف أدائها وفعاليتها. لقد اختلط كل شيء حتى أصبح من الصعب أحيانا التفرقة بين الحلال والحرام، والخطأ والصواب، ولذلك أسبابه ومظاهره العديدة.

1 – من الأسباب المسؤولة عن هذه الهشاشة الثقافية تسارع التحولات الاجتماعية الاقتصادية التي مر بها المجتمع، كما سبق القول.

2 - التحولات التي وقعت في المجتمع المصري كانت ذات تأثير سلبي لكونها قد أدت إلى نتيجتين، الأولى تبديد التحولات لخبرات المجتمع ومنظوماته القيمية، فكل تحول كان لاغيا لما قبله. فقد ألغى التحول الاشتراكي القيم الليبرالية باعتبارها قيما مدانة لكونها تشجع على الاستغلال وعدم المساواة. وألغى التحول الليبرالي فى السبعينيات القيم الاشتراكية باعتبارها تؤكد على المساواة في الفقر، إلى جانب كونها تقتل الحافز الفردي وتشجع على الكسل والاعتماد على الدولة. ثم تأتي العولمة لترى في كل هذه القيم مخلفات ماضية، وعلى الجميع أن يعدوا أنفسهم للأخذ بقيم العولمة. وإذا كانت الثقافة تحتوي على خبرة المجتمع، فإنها بذلك تشكل رأسماله الذي يجري تبديده في كل مرحلة من مراحل التحول. وتتمثل الظاهرة أو النتيجة الثانية في أن تتابع منظومات القيم دون هضم المجتمع لها يعني استيعابه لمضامين قيميه متعددة ومختلفة ومتناقضة، الأمر الذي يؤدي إلى إصابة المجتمع بعسر الهضم الثقافي أو التخمة الثقافية، مما قد يؤدي إلى إفراغ المجتمع لكل ما في جوفه من قيم، أو قد يحيا أحيانا بلا قيم أو بقيم سلبية.

وإذا كان من الصعب علينا تصور أن يغير الإنسان مبادئه وقيمه مرات عديدة في حياته، فإنه يصبح من المستحيل أن نتصور تغيير المجتمع لأيديولوجياته ومنظوماته القيمية على مدى فترة زمنية محدودة تناظر مدى الحياة الفردية، غير أن ذلك قد حدث، وقد شكل كارثة، لقد أضعفت هذه التحولات بنية الثقافة والقيم، لأنها أصبحت جميعها بلا عمق في التاريخ، وبلا جذور في المجتمع. ومن ثم فقد عاشت الثقافة في ظل حالة من "الأنومي" التي تشير في جانب منها إلى ضعف وعدم تجذر منظومات القيم في بنية المجتمع، إضافة إلى عجز المعايير المشتقة منها عن ضبط التفاعل الاجتماعي. بالإضافة إلى ذلك تخلق في لا وعي البشر في المجتمع منطق أن كل شيء مآله إلى التغير والاستبدال السريع، إذن فلنتعايش مع منظومات القيم دون أن نستوعبها، فقد يأتي الجديد الذي عليه أن يستوعبها، وهو حتما سيأتي، وسوف يأتي بعده ما هو أكثر جدة منه، إذن فلننتظر ولو كان الانتظار بلا قيم.

3 – من المشكلات أو الظواهر التي عانت منها الثقافة ومنظومات القيم كذلك، خلال هذه المرحلة، تعدد المنظومات القيمية بعضها إلى جوار بعض. وإذا كانت الحالة المثالية للمجتمع أن تكون له ثقافته أو مخزونه القيمي الذي يعبر عن هويته، وهي الهوية الثقافية أو القيمية التي تشكل مرجعيته في التعامل مع كل مكونات الوجود المحيط به. فإن الأمر لم يكن كذلك في مجتمعنا، فقد حدثت قطيعة مع الموروث الديني والثقافي، الإسلامي والمسيحي على السواء، وبدأت النظم السياسية في استدعاء أو استجلاب قيم على هيئة أيديولوجيات غربية وغريبة على المجتمع من الخارج، لتساعد في تحديث المجتمع.

ونتيجة لذلك رفض المجتمع القيم أو الأيديولوجيات التي أتت بها الأنظمة السياسية، تلك الأنظمة التي رفض المجتمع أيديولوجياتها من قبل لأنها رفضت موروثه الثقافي. ونتيجة لذلك فلا الموروث الثقافي تم تجديد بعض عناصره ليشارك في تحديث المجتمع وضبط التفاعل فى إطاره، ولا المجتمع انصاع وحدث نفسه وفق قيم ومبادئ أيديولوجيات نجحت في تحديث مجتمعات أخرى. وقد أدى ذلك إلى وضع مدهش وغريب، حيث تواجدت على ساحة المجتمع منظومات قيم غير متفاعلة. منظومة القيم الدينية التي جاءت إلى المجتمع من روافده الإسلامية أو المسيحية، وهي منظومة قاعدية وقوية لأنها متجذرة في بنية الشخصية المصرية. غير أن الأنظمة السياسية ظلت تؤكد على تحديد فاعلية الدين بحدود الضمير الفردي، دون أن تكون له علاقة بتنظيم المعاملات في مختلف مجالات الحياة. إلى جوار ذلك تواجدت على ساحة المجتمع القيم الاشتراكية المؤكدة على المساواة واحترام مبادئ العدالة الاجتماعية وفرض أولوية مصالح الجماعة على مصالح الفرد، وتقييد حرية الفرد بالتزاماته نحو الجماعة. تلتها في مرحلة تالية القيم الاستهلاكية التي تدعو إلى حياة ترفية مسترخية على عكس التقشف والفاعلية التي تدعو إليها القيم الدينية والقيم الاشتراكية. ذلك إلى جانب منظومة القيم الليبرالية التي دعت إلى الحرية الاقتصادية الاجتماعية والسياسية والاحتكام إلى قوانين السوق، وأقرت التفاوت واحترام المصلحة الخاصة. وهو ما يعني أن منظومات القيم المتعددة والموجودة في فضاء المجتمع لم تكن منفصلة فقط ولم تنصهر في منظومة قيمية واحدة كذلك، ولكنها قدمت معاني متناقضة بعضها مع بعض. الأمر الذي أضعف فاعليتها في توجيه سلوك البشر في مختلف المجالات الاجتماعية من ناحية، وأعاقها عن الانصهار في منظومة قيمية واحدة ومتجانسة من ناحية ثانية. ودفع إلى حالة تسعى في إطارها كل منظومة إلى تقديم معان ترفض معاني المنظومة أو المنظومات الأخرى من ناحية ثالثة. نتيجة لكل ذلك تخلقت حالة من انعدام المعايير المتفق عليها أو حالة "الأنومي" بالمعنى الدوركيمي لذلك.

4 – رغم أن الحالة المثالية للمجتمع تؤكد على ضرورة أن يمتلك المجتمع منظومة قيمية واحدة. فإننا نلاحظ انفصالا في بنية الثقافة بين القيم والمعايير والقواعد ذات العلاقة العضوية بكل من النظام السياسي والمجتمع. إضافة إلى التناقض الداخلي بين المنظومات القيمية التي تنتمي لكل منهما. قد يرجع ذلك في بعض منه إلى أن الدولة القومية في العالم العربي لم تتطور من رحم المجتمع وتراثه. أو قد يرجع إلى أن النظام السياسي لم يؤسس مؤسسات لصهر قيم المجتمع مع أيديولوجيا النظام السياسي، كما أنه لم يؤسس علاقات عضوية بين منظومات القيم التي تقع على مستويات متباينة. في هذا الإطار فإننا نجد أنفسنا في مواجهة منظومات قيم تنتمي بالأساس إلى المجتمع كمنظومة القيم الدينية أو المنظومة التراثية، مضافة إلى منظومات قيم تنتمي إلى النظام السياسي، وهي المنظومات المتضمنة في أيديولوجيته، كمنظومة القيم الليبرالية ومنظومة القيم الاشتراكية. بحيث يعد ذلك أحد أسباب حالة ضعف المعايير لتعددها، لأن قيم كل من المجتمع والنظام السياسي أضعفت بعضها بعضا.

ذلك يعني أنه قد أصبح في فضاء المجتمع منظومات قيمية لم يحدث بينها تفاعل أو انصهار، الأمر الذي أسس حالة من تعدد مرجعيات السلوك، فإذا حدث أن تناقضت هذه المرجعيات بعضها مع بعض فإن تأثيرها على السلوك في جملته سوف يصبح ضعيفا. وقد يتعامل الفرد بصورة نفعية وذرائعية مع المرجعيات القيمية المتباينة، ومن ثم تتحول القيم لديه إلى وسائل وليست غايات. وقد ينحرف الفعل الفردي عن مرجعية معينة إلى مرجعية قيمية معيارية أخرى، خاصة في المجتمع أو النظام السياسي، لأنها تحقق له مصالحه. فالإنسان الذي يطالب بدولة ذات مرجعية دينية قد تبارك قوله المرجعية الدينية، غير أن المرجعية الاشتراكية أو الليبرالية تدينه وترفضه. والملحد الخارج عن الملة قد تباركه بعض الأيديولوجيات العلمانية، لكنه يصبح موضع إدانة من قبل القيم أو المرجعية الدينية. في هذا الإطار تتأسس مرة أخرى حالة من اللامعيارية في المجتمع، التي تعني وجود حالة من الفراغ الأخلاقي الذي يسود المجتمع، وفي هذه الحالة قد يصبح سلوك البشر عشوائيا وعاريا من الأخلاق في غالبه.

5 – يضاف إلى ذلك أن الأنظمة السياسية التي ضبطت المجتمع أثناء مراحل التحول التي قطعها في النصف الثانى من القرن العشرين، لم تعمل -كما أشرت- باتجاه دعم مؤسسات للتنشئة الاجتماعية سواء وفق أيديولوجيا النظام السياسي أو حسب ثقافة المجتمع، الأمر الذى أدى إلى إضعاف الثقافة ومنظومات القيم لتوقف مؤسسات التنشئة الاجتماعية والثقافية عن عملية إنتاجها وإعادة إنتاجها. تأكيدا لذلك الضعف الذي أصاب مؤسسة العائلة، التي تحولت من العائلة الممتدة التي تستطيع القيام بعملية التنشئة الاجتماعية بصورة فعالة ومكتملة، لكونها النمط العائلي السائد مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين إلى العائلة النووية، التى أصبح التكوين العائلي في المجتمع المصري بعد ذلك وحتى الآن، ونظرا لقدرة هذه الأخيرة المحدودة على القيام بعملية التنشئة الاجتماعية، اتجه المجتمع الحديث إلى خلق بدائل لها، فإذا لم يستطع المجتمع تأسيس بدائل للقيام بالتنشئة الاجتماعية فإن الأمر يصبح كارثة، لأن الطفل سوف تتلقفه مصادر عديدة، ربما غير سوية تتولى تنشئته. وفي هذا الإطار من المحتمل أن ينشأ وفق قيم منحرفة. غير أن المسألة الهامة في هذا الصدد أن الأسرة النووية أصبحت عاجزة عن نقل ثقافة التراث إلى الأبناء، في مقابل وسائل التنشئة الأخرى كالإعلام وشبكة المعلومات الدولية التي تعمل باتجاه نشر منظومات قيم تخترق به ثقافتنا، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تآكل ثقافة التراث، التي تشكل قاعدة الهوية والمضامين المعنوية للانتماء. ويرتبط بذلك ضعف دور المدرسة التي اقتصرت على تلقين مجموعة من المعارف الإدراكية دون الاهتمام بغرس منظومات القيم الأخرى. الأمر الذي يعني غياب دور المدرسة في التنشئة الاجتماعية حيث يتعرض مجتمع المدرسة لمجموعة من الانحرافات، التي تقلص من كفاءته على تربية الأبناء، وفق منظومة قيم سوية وقوية قادرة على توجية سلوكه الاجتماعي، كغياب القدوة وتتجير العملية التعليمية بسبب انتشار الدروس الخصوصية، إضافة إلى سقوط المعلم كقدوة عند قطاعات كبيرة من الطلاب.

ويتصل بذلك ضعف دور التنشئة الدينية على الصعيد الإسلامي والمسيحي على السواء، بسبب تراجع حجم وفاعلية هذه المؤسسات. فلم يعد "الكتاب الريفي" أو ما يناظره قادرا على القيام بنفس الدور الذي كان يقوم به في زمن الثقافة التقليدية المتماسكة، ولم تعد الآلية المماثلة على الطرف المسيحي تقوم بنفس الدور. يضاف إلى ذلك أن النظام السياسي نفسه لم يطور السياسات التي يحافظ بواسطتها على الأسرة متماسكة خاصة في المرحلة الليبرالية، حتى تصبح قوية وقادرة على القيام بعملية التنشئة الاجتماعية في مواجهة آليات التنشئة الاجتماعية الأخرى. ذلك بالإضافة إلى عدم بذل الدولة لجهد محدد باتجاه أن تلعب المؤسسة الدينية دورا أساسيا في دعم تربية المواطنين منذ الصغر وفق منظومات قيم الدين والتراث، بما يقطع الطريق على التطرف الديني من ناحية، ويعمق الالتزام بالقيم الدينية والتراثية الوسطية والمعتدلة من ناحية ثانية. بحيث يشب الأبناء منشئين وفق منظومات قيم تربطهم بهويتهم وسياقهم الاجتماعي.

رابعا: دور القوى الاجتماعية فى إضعاف الثقافة ومنظومات القيم

يشير تأمل بناء المجتمع المصري إلى أنه يتشكل من ثلاث قوى اجتماعية، الطبقة العليا والطبقة الوسطى والطبقة الدنيا، وكل من هذه القوى الاجتماعية له علاقته المؤثرة ببنية الثقافة ومنظومات القيم. فى هذا الإطار نجد أن الطبقة العليا تقود نوعية حياة مختلفة عما هو سائد أحيانا فى مجتمعها، الأمر الذى يجعل ثقافتها وقيمها ليست متطابقة تماما مع مضامين الثقافة القومية. ثم إنها بعيدة عن الثقافة التقليدية التى تشكل مرجعية المجتمع، لكونها أكثر ميلا إلى ثقافة التحديث التي هي فى الغالب ثقافة البرجوازية. على هذا النحو هي تشكل إحدى النوافذ التى تتدفق من خلالها الثقافات الأجنبية خاصة الغربية، حيث نلاحظ ذلك فى اللغة والمضامين القيمية للثقافة.

هذه الطبقة عاشت فى ظل ثلاث حالات في مختلف مراحل التحول الاجتماعى، فى المرحلة الأولى التى امتدت فى الفترة من 1952-1970 نجدها قد انسحبت من مناصرة التحول الاجتماعي، واتجهت إلى الاستثمار فى الخارج، وتبديد ثرواتها استهلاكيا ولم تشارك فى تنمية المجتمع وتحديثه. وذلك بسبب إجراءات التأميم والإصلاح الزراعي، التي قادها النظام السياسى فى مواجهة الممتلكات الواسعة لهذه الطبقة، لتحقيق التوازن الاجتماعي.

وفى المرحلة الثانية 1970-1980 دعيت هذه الطبقة للمشاركة فى التحديث من قبل النظام السياسي، غير أنها نظرا للإجراءات التي تعرضت لها فى المرحلة الاشتراكية السابقة تقدمت للمشاركة بحذر، ليس فى بناء القواعد الإنتاجية فى المجتمع، ولكن فى نشر ثقافة وسلع الاستهلاك على ساحته. وقد أقدمت على هذه المشاركة فى إطار تحالف مع البرجوازية العالمية، حتى تحتمي بدرعها.

وفى المرحلة الثالثة 1980 وحتى الآن اطمأنت الطبقة العليا إلى مكانتها، خاصة أنها اتجهت فى المرحلة الأخيرة للسيطرة على السلطة السياسية لتحتمى بها. وفى ظل أمان الحماية عملت على نشر ثقافة ومنظومات قيم سلبية فى فضاء المجتمع، كثقافة الفساد والرشوة، وتعاطى المخدرات، والاعتداء على المال العام. إضافة إلى نشر قيم الاستهلاك البذخى فى المجتمع، ومن ثم لعبت دورا محوريا فى تآكل منظومات القيم والأخلاق العامة فى المجتمع.

وإذا كانت الطبقة العليا قد توجهت شطر الخارج، فإننا نجد الطبقة الدنيا كقوة اجتماعية على العكس من ذلك منكفئة إلى الداخل، حيث تعاني من مشكلات كثيرة فى واقعها. ومن ثم فمعانيها وأبنيتها الرمزية عارية من المثل، الثقافة والقيم لديها لها طبيعتها الأدائية والعملية، التى تساعدها على التكيف مع أوضاعها الصعبة التى تعيشها. تضفي هذه الطبقة المشروعية على أي قيم أو سلوكيات تساعدها على إشباع حاجاتها الإنسانية والأساسية، حتى تتمكن من البقاء حية، بغض النظر عن الطبيعة الأخلاقية لهذه القيم أو السلوكيات. مساحة الانحراف عن مضامين الثقافة تتسع لديها كالطبقة العليا، العليا ترفا والدنيا احتياجا.

هذه الطبقة ظلمت فى مختلف مراحل التحول الاجتماعي، فقد عملت المرحلة الاشتراكية لصالح الطبقة المتوسطة أكثر من اهتمامها بمصالح الطبقة الدنيا. وحينما جاءت مرحلة التحول الليبرالي ابتداء من 1970 وحتى الآن، تشكلت ظروف صعبة سحقت هذه الطبقة ودفعتها إلى طرق سلوكيات انحرافية عديدة. ابتداء من الهروب إلى الدين والتطرف به، وحتى ارتكاب العنف والقتل لأفراد من المجتمع، مرورا ببيع الأبناء والأعضاء، حتى تتمكن من البقاء، ونهاية بظهور ظواهر سلوكية تجسد أنماطا من الانحراف الاجتماعي والأخلاقي الذى أصبح يشكل ثقافة ومنظومات قيم طبقة سقطت فى قاع المجتمع وتعيش حالة من الانسحاق الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي.

الطبقة الوسطى هى الطبقة التى تحافظ على توازن المجتمع أو هى رمانة الميزان. ذلك يرجع إلى أنه فى الحالات المعتادة والمثالية للمجتمع فإن الطبقة الوسطى تكون هي القوة الغالبة في المجتمع. وإذا كانت هي القوة الغالبة فثقافتها ومضامينها القيمية هي التي تتدفق في المجرى الرئيسي المجتمع، ومن ثم تصبح منظوماتها القيمية ومعاييرها هي العمود الفقري لبنية الثقافة القومية، وما عداها يصبح ثقافة فرعية لها، تصبح معاييرها وآدابها هي البوصلة التي تحدد الصواب والخطأ، كما تحدد مدى انحراف الثقافات الفرعية عنها، بهذا المعنى تشكل الطبقة الوسطى المرجعية الأخلاقية للمجتمع. استنادا إلى ذلك يؤكد علماء الاجتماع أن أخلاق الطبقة الوسطى هي التي تحدد طبيعة الأخلاق فى المجتمع باعتبار أغلبيتها، وباعتبار ظروفها الاجتماعية والاقتصادية الوسطية والمعتدلة. بحيث إنه إذا سلمت أخلاق الطبقة الوسطى سلمت أخلاق المجتمع، وإذا فسدت أخلاقها فسدت أخلاقه. وفي هذا الإطار نجد أن ثقافة الطبقة الوسطى تعيش في ظل ثلاث حالات.

فى الحالة الأولى تكون الطبقة الوسطى قوية، مساحتها أوسع على خريطة القوى الاجتماعية، ومن ثم فقيمها هي التي يحتكم إليها. ومن الطبيعي أنه إذا كانت ثقافتها قوية، وهي التي تتدفق في المجرى الرئيسي للمجتمع، فإنها تكون قادرة على تهميش مختلف الثقافات الفرعية الأخرى التي قد تظهر على ساحتها. حيث نجد أن هذه الحالة هي التي ميزت أوضاع الطبقة الوسطى في أعقاب ثورة 1952 وحتى 1970، وذلك يرجع إلى شروع نخبة يوليو في تطوير السياسات الاجتماعية التي منحت كثيرا من الامتيازات لهذه الطبقة لقاء جهودها النضالية في الفترة من ثورة 1919 إلى ثورة 1952.

من هذه السياسات أن الأراضي التى تم الاستيلاء عليها بفعل قوانين الإصلاح الزراعي بلغت مليون فدان تقريبا، أخذت منها الطبقة الوسطى وحدها 614 ألف فدان، بينما نالت الطبقة الدنيا 214 ألف فدان. ذلك بالإضافة إلى مجانية التعليم، حيث شكل أبناء الطبقة الوسطى 85% من طلاب الجامعات حينئذ. إضافة إلى التوظيف الكامل لأبناء هذه الطبقة في البيروقراطية الحكومية. ذلك إلى جانب تخفيض الإيجارات الزراعية في الريف وتخفيض إيجارات المساكن في الحضر، وهي الإجراءات التى أفادت منها الطبقة الوسطى بالأساس. ذلك بالإضافة أيضا إلى سياسة إحلال الواردات في الصناعة، وهي السياسة التى اتجهت لإنتاج السلع المعمرة لتلبية احتياجات الطبقة الوسطى بالأساس، بحيث يمكن القول إن هذه المرحلة هي المرحلة التي ازدهرت فيها أوضاع الطبقة الوسطى.

وفي الحالة الثانية قد تظل الطبقة المتوسطة قوية في وجودها وأخلاقها، غير أنه نظرا لأنها تنقسم إلى شرائح عديدة متراتبة، فإننا نجد أن وجود أو بناء الطبقة الوسطى يعاني من بعض المناطق التي يمكن أن نسميها "البطن الرخوة" للطبقة، وفي هذا الإطار نستطيع أن نميز في بناء الطبقة الوسطى بين منطقتين، الأولى تحتوي على الشريحة التي تقع أسفل هذه الطبقة والقريبة من الطبقة الدنيا، وفي هذا الإطار نجد أنه في حالة قوة الطبقة الوسطى، فإن قيمها ومعانيها تتدفق باتجاه ما هو أسفل منها لترتقي بأخلاق أعلى الطبقة الدنيا.

غير أنه في حالة ضعف الطبقة الوسطى فإن معاني وقيم وأخلاق الطبقة الدنيا تتسرب إلى "المنطقة الرخوة" في أسفل الطبقة الوسطى أي شرائحها الدنيا، لتصبح معاييرها هي المنظمة لتفاعلاتهم، خاصة إذا كانت تعاني من تدهور نوعية حياتها، بحكم حالة التحول الاجتماعي. وتعد الشريحة العليا للطبقة المتوسطة هي "المنطقة الرخوة" الثانية، التي تتخلى فيها الطبقة الوسطى عن بعض قيمها وأخلاقها لتكتسب قيم وأخلاق الطبقة العليا، بالإضافة إلى بعض جوانب نوعية من حياتها.

وفي هذه الحالة نجد أن الشريحة العليا للطبقة الوسطى هي النافذة المفتوحة لتدفق قيم غريبة أخلاقيا إلى ساحتها، قد يكون مصدرها الطبقة العليا، أو الثقافات الخارجية مباشرة. بيد أن الظاهرة الخطيرة والسلبية في هذا الأمر أن انتقال أبناء المنطقة الرخوة أسفل الطبقة الوسطى، من خلال الحراك الاجتماعي بوسائلة المختلفة ووصولهم إلى المنطقة الرخوة أعلاها يكون في العادة مؤثرا على قناعاتهم الأخلاقية. لأنهم يكونون قد عاشوا طيلة حياتهم في المناطق الرخوة لهذه الطبقة، ونشؤوا حسب القيم الضعيفة والمهتزة لهذه المناطق الرخوة، وليس بقيم المنطقة الصلبة التي تشكل وسط وجوهر بنية الطبقة الوسطى. هؤلاء يعانون في العادة من بعض العلل والأمراض الثقافية، فهم قد استوعبوا في الصغر المضامين الثقافية ذات الطبيعة الأدائية للطبقة الدنيا، وهم قد نجحوا في حراك اجتماعي حتى صعدوا إلى أعلى الطبقة الوسطى، ومن ثم فالتزامهم ضعيف بالأخلاق الصلبة للطبقة الوسطى. هؤلاء هم أبناء الشريحة التي تتعامل بقيم انتهازية، الأخلاق دائما ذات طبيعة حراكية وأدائية لديهم، نجدهم فرديين، الغاية تبرر الوسيلة لديهم، يتحدثون عن المثل والمعاني والأخلاق كثيرا، بينما القيم التي توجه سلوكياتهم تصدر عن قناعات وأخلاق أبناء المناطق الرخوة دائما.

فى هذا الإطار فإنه إذا كان النظام السياسي في الفترة 1952-1970 قد منح الطبقة الوسطى امتيازات كثيرة أفاد منها أبناء الطبقة الوسطى بالأساس، فإن سخاء الدولة الاشتراكية في عطائها لأبناء هذه الطبقة ولد لديهم عادة "الأخذ" دون "العطاء"، خاصة أنهم لم يربوا أيديولوجيا وفق القيم الاشتراكية. إضافة إلى ضعف قيمهم بسبب الحراك الاجتماعي المستمر من أسفل هذه الطبقة إلى أعلاها، بحيث أسس هذا الحراك المستمر لديهم عادة تغيير القيم وانتقاء القيم التي تساعد على الصعود الاجتماعي، بحيث أصبحت القيم لديهم ذات طبيعة ذرائعية أو أدائية، وقد كان ذلك مدخلا لتبني هذه الشرائح من أبناء الطبقة الوسطى لمنظومة القيم الانتهازية. حيث الغاية تبرر الوسيلة، وحيث تبتدع القيم والمعاني التي تبرر السعي للحصول على المركز أو المكانة والمصلحة، التبرير يكون أولا للذات ثم يتسع ليصبح تبريرا للآخرين إذا فشل الذكاء وسقط الحياء. على هذا النحو اكتمل تشكل الثقافة والقيم الانتهازية التي سوف تحكم تفاعلات المرحلة من 1970 وحتى الآن، وتوجه سلوكيات البشر في إطارها.

وفى الحالة الثالثة قد تتآكل الطبقة الوسطى وقد تتقلص مساحتها، كما يشخص ذلك القانون الماركسي المتعلق بنضج البنية الطبقية كمدخل لتفجر الصراع الاجتماعي. وارتباطا بذلك قد تتآكل ثقافة وقيم الطبقة الوسطى لتحل محل ثقافتها وقيمها ثقافة وقيم القوى والطبقات الاجتماعية الأخرى، خاصة قيم الطبقة الدنيا، التي تتدفق على ساحتها، وبدلا من الطابع الأخلاقي لثقافتها ومنظوماتها القيمية فإن الثقافة تتحول لديها إلى معان أدائية وعملية تساعدها على التكيف، ومن الطبيعي أن تتزايد مساحة الانحراف على ساحة الطبقة الوسطى، سواء كان انحرافا اجتماعيا أو أخلاقيا. ويمكن القول إن تفاعلات الطبقة الوسطى في مرحلة التحول الليبرالي الذى بدأ منذ العام 1970، وحتى الآن خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة تشخص هذه الحالة.

حيث فرض هذا التحول ظروف عنت كثيرة على الطبقة الوسطى، منها سحب جملة الامتيازات التي منحها إياها النظام السياسي في المرحلة الاشتراكية. الأمر الذي دفعها إلى سلوكيات أربعة، الأول الهجرة إلى خارج المجتمع خاصة أنها وجدت في مجتمعات الخليج فرص عمل ملائمة. والثاني التحرك باتجاه التعلق بأستار الطبقة العليا لتكون في خدمتها، تساعدها في ذلك ثقافتها الانتهازية التي تأسست لديها في المرحلة الاشتراكية، والتي تساعدها على تحقيق تكيفها مع الأوضاع الليبرالية الحالية. والثالث أن تمارس الاحتجاج الاجتماعي على النظام السياسي الذي سحب امتيازاتها وفرض عليها أوضاعا معيشية صعبة، بحيث أصبح ذلك مدخلا لتولد ثقافة الاحتجاج الاجتماعي على ساحة الطبقة الوسطى. والرابع أن تمارس هذه الطبقة التكيف الفائض، في مقابل القهر الفائض المفروض عليها من النظام السياسي. وفي إطار هذا التكيف الفائض تبنت جماعات من أبناء هذه الطبقة بعض المعاني والقيم التي دفعتهم إلى الإتيان بسلوكيات الانحراف الاجتماعي والأخلاقي، بحيث أصبحت هذه السلوكيات شاهدا على انهيار أخلاق الطبقة الوسطى، وهو ما نعرض لبعض أبعاده فى الفقرة الأخيرة.

خامسا: انهيار مؤسسات التنشئة الاجتماعية وإضعاف الثقافة ومنظومات القيم

المتأمل لأوضاع التنشئة الاجتماعية في مصر يدرك أنه قد أصابها هي الأخرى قدر من الانهيار أو عطب الأداء، الأمر الذي أثر على ثقافة المجتمع ومنظوماته القيمية. حيث يدرك المتأمل لمؤسسات التنشئة الاجتماعية المتمثلة في الأسرة والمدرسة والنظام التعليمي، إضافة إلى الإعلام أن بعض هذه المؤسسات قد تأثرت بمراحل التحول الاجتماعي، التي أضعفت قدرتها وفاعليتها على تنشئة أعضاء المجتمع وفق ثقافته ومنظوماته. وبسبب ضعفها نجدها قد أصبحت عاجزة عن إعادة إنتاج الثقافة ومنظومات القيم، وقد نجم عن هذا الأمر العديد من المظاهر، من أبرزها:

1- تهتك النسيج الأسري.
2- انهيار العملية التربوية والتعليمية.
3- تحول الإعلام من داعم وبان لمنظومة قيم إيجابية إلى عامل هدم وتبديد لقيم الثقافة القومية.

سادسا: انهيار الثقافة ومنظومات القيم، حصاد نصف قرن

عرضنا في الصفحات السابقة لجملة المتغيرات التي لعبت دورا محوريا في إضعاف الثقافة ومنظومات القيم. بيد أننا قبل أن نعرض لحالة الثقافة ومنظومات القيم نؤكد على ثلاث ملاحظات أساسية.

تتمثل الملاحظة الأولى في أن الأنظمة السياسية المتتابعة خلال مختلف مراحل التحول الاجتماعي لم تهتم كثيرا بالحفاظ على ثقافة المجتمع وقيمه، بدعمها والعمل على تجديدها، حتى تكون قادرة على التعامل مع مستجدات العصر الذي تعايشه، بحيث تحركت الثقافة ومنظومات القيم عبر الزمن باتجاه حالة من الهشاشة والضعف المتتابع الذي توازى مع تتابع المراحل التاريخية حتى انهارت تقريبا في العقد الأول من الألفية الثالثة. وتؤكد الملاحظة الثانية على تتابع المتغيرات التي أثرت سلبيا على بناء الثقافة ومنظومات القيم، بحيث وجدنا أن كل متغير من المتغيرات التي عرضنا لها سابقة تشكل معولا ساهم في هدم جوانب من بنية الثقافة والقيم حتى انتهينا الآن إلى مجتمع ذي ثقافة هشة، تعجز عن ضبط سلوك البشر في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية. وتذهب الملاحظة الثالثة إلى أنه نتيجة لوهن الثقافة وهشاشتها، فإنها شكلت فضاء ثقافيا فارغا تدفقت إليه أو اخترقته قصدا منظومات قيم منحرفة انحرافا اجتماعيا أو أخلاقيا بحيث شكلت في جملتها مؤشرات على انهيار ثقافة وانهيار مجتمع، ونعرض فيما يلى لبعض جوانب انهيار الثقافة ومنظومات القيم.

تفكيك بنية الدين كمدخل لتفكيك الثقافة والأخلاق.
انتشار ثقافة وقيم الاستهلاك فى المجتمع.
انتشار ثقافة الانحراف الاجتماعي.
انتشار ثقافة الانحراف الاقتصادي.
انتشار ثقافة الانحراف الأخلاقي.
انتشار ثقافة الاحتجاج.
خاتمة:
من الواضح أن الانهيار الثقافي الذي أصاب المجتمع المصري قد أصاب أخلاقه أيضا في مقتل، حيث انتشرت حالة من الفوضى الثقافية والاجتماعية، وهي الحالة التى تعد إخلالا بصيغة العقد الاجتماعي الذي ينظم تفاعل البشر في عيشهم المشترك، وإذا كان من الثابت علميا أن ثقافة المجتمع وأخلاقه قد تنهار وتتآكل في فترة زمنية وجيزة، فإن استعادة سلامتها وفاعليتها يحتاج إلى زمان أطول وجهود جادة وكبيرة ومخلصة، وهي حالة مرت بها مجتمعات كثيرة وصلت أخلاقها إلى حدود دنيا ثم برزت ظروف وعوامل أعادت الصحوة والفاعلية إلى ثقافتها وأخلاقها حتى أصبحت قادرة على ضبط التفاعل وتنظيمه وتوجيه البشر نحو هدف مشترك.

ومن المتوقع في مواجهة الظروف الصعبة التي يعيش في إطارها المجتمع المصري، على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي أن تظهر نخبة اجتماعية مخلصة تتولى إعادة بناء المجتمع بإصلاح أوضاعه الاقتصادية واستعادة القوة لثقافته وأخلاقه وتعبئ الأفراد باتجاه مشروع اجتماعي شامل للنهوض بالمجتمع ووضعه في مكانة عالية يستحقها وتؤهله لها إمكانياته. قد تقود هذه الصحوة النخبة الثقافية المخلصة التي تسعى إلى التغيير، أو تقوده النخبة العسكرية إذا تمترس النظام السياسي الحالي وراء امتلاكه للقوة أو قد يكون ذلك مشاركة بين النخبتين، وذلك لأن أعضاء هاتين النخبتين غير راضين عن الانهيار الحادث في المجتمع إضافة إلى أنهم غير مشاركين في الفساد القائم على ساحته، ومن المعتقد أن يبارك العالم الخارجي هذا التحول، لأن استقرار مصر فيه استقرار لمحيطها العربي وبيئتها الإقليمية الأوسع.
_________________
أستاذ متفرغ بقسم الاجتماع -كلية الآداب-جامعة عين شمس.

ع




ثورة أم لا ؟




المدير العام
عضو ممتاز
عضو ممتاز



.....
الباحث عن الحقيقة

.....


****************************


---------------------------------------


----------------------------------------
عدد الرسائل: 4201
العمر: 55
العمل: باحث وكاتب في العلوم ومقارنة الآديان
تاريخ التسجيل: 12/08/2008

http://science.creaforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر.. تبديد أرصدة القوة

مُساهمة من طرف المدير العام في الأحد فبراير 13, 2011 2:05 pm

في عهد مبارك
الاقتصاد المصري ومعضلة الفقر والتهميش كمحصلة للسياسات الاقتصادية العامة

الاحتجاجات العمالية بسبب انخفاض الرواتب والأجور كثرت في العشرية الثالثة من حكم مبارك (الفرنسية-أرشيف)

أحمد السيد النجار

تُعتبر سياسات التحول الانتقائي نحو اقتصاد السوق الرأسمالي في عهد الرئيس المصري الحالي محمد حسني مبارك، والتى تأخذ ما يلائم الطبقة الحاكمة، دون أن تأخذ بباقى عناصر نظام اقتصاد السوق الرأسمالي والتي تشكلت تحت ضغوط تاريخية من الشعوب، بالذات ما يتعلق بالحريات الديموقراطية وتداول السلطة والمساواة بين الجميع أمام القانون، وإعادة توزيع الدخل من خلال نظام ضريبي تصاعدي، ونظام فعال للدعم، وتحسين أحوال الفقراء والعاطلين. وتعتبر هذه السياسات هي الإطار العام للنظام الاقتصادي في عهد الرئيس مبارك. ويتشكل الجانب الأعظم منها من السياسات التى طلبتها أو أمْلتها الدول الدائنة وصندوق النقد والبنك الدوليان على النظام الحاكم في مصر بعد أن كبل مصر بديون خارجية هائلة بلغت نحو 50 مليار دولار في عام 1988 حسب بيانات البنك الدولي[1]، ولم يتمكن من التخلص منها إلا بمقايضة تلك الديون بموقف الحكومة المصرية المشارك في التحالف المضاد للعراق في حرب عام 1991، وأيضا بتطبيق أغلب ما طلبته الدول الدائنة من سياسات اقتصادية وعلى رأسها بيع القطاع العام للرأسماليين المحليين والأجانب في صفقات فاسدة بصورة مروعة في غالبيتها الساحقة، بغضِّ النظر عن ملائمة تلك السياسات لمتطلبات التنمية في مصر، وزاد على ذلك ضعف كفاءة وفساد التطبيق لتلك السياسات التي كان من الممكن أن تنتج وضعا أفضل بكثير لو كان هناك نظام سياسي-اقتصادى أعلى كفاءة وشفافية وأقل فسادًا.

وإذا كان تقليص دور الدولة بكل ما يعنيه من خروجها من عمليات الاستثمار المباشر في الصناعة والزراعة، والاكتفاء بتطوير البنية الأساسية، وتحرير سعر وسوق الصرف، وخصخصة القطاع العام، هي الملامح الرئيسية للسياسات الاقتصادية لنظام مبارك منذ عقدين من الزمن تقريبا، فإن القوانين والقرارات الاقتصادية التي صدرت في ظل الحكومة الراهنة التي تسلمت الحكم عام 2004، تؤكد على طبيعة هذا النظام وسياساته الاقتصادية الموجهة لخدمة الطبقة الرأسمالية الكبيرة المحلية والأجنبية على حساب الطبقة الوسطى والفقراء، وهو ما يمكن إدراكه من قراءة تحليلية ونقدية لقوانين الضرائب، وحماية المنافسة ومنع الاحتكار، وسياسات التشغيل والأجور، وتوزيع الدخل والخصخصة.

قانون الضرائب.. انحياز فج للرأسمالية الكبيرة على حساب الطبقة الوسطى
قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار..لا يمنع الاحتكار ولا يحمي المستهلكين
سياسات التشغيل والأجور والخصخصة وانتشار البطالة والفقر
توزيع الدخل، وسحق الفقراء والطبقة الوسطى
الدعم والتحويلات مخصصات محدودة وموجهة للطبقة العليا بالأساس

قانون الضرائب.. انحياز فج للرأسمالية الكبيرة على حساب الطبقة الوسطى

يعتبر قانون الضرائب الذي تم إقراره عام 2005، من أهم أركان السياسة الاقتصادية للنظام الحاكم في مصر، وهو الأكثر تكثيفا لانحيازات هذا النظام وطبيعته الاجتماعية. ومن البديهي في النظم الضريبية الرأسمالية أن يدفع الأثرياء والرأسماليون ومؤسساتهم التجارية والصناعية الجانب الأكبر من الضرائب لتشكل الجزء الأعظم من الإيرادات العامة للدولة التي تستخدمها في تمويل إنفاقها العام؛ حيث إنهم وشركاتهم يستفيدون أكثر من باقي المواطنين من الإنفاق العام. وانطلاقا من هذه البديهية صاغت الدول الرأسمالية نظما ضريبية متعددة الشرائح وتصاعدية تعفي الفقراء من الضريبة وتكتفي بإسهامهم الكبير المتمثل في حقوقهم في إيرادات الموارد الطبيعية والبيئية والتراثية والمشروعات العامة القديمة لبلادهم، وتفرض ضرائب مخففة ومتدرجة على الطبقة الوسطى تتلاءم مع قدراتها المالية أو المقدرة التكليفية للممولين فيها، وتفرض ضرائب عالية ومتدرجة أيضا على الطبقة العليا وعلى رأسها الرأسماليون الكبار وشركاتهم في كافة المجالات.

"
توسيع نطاق الشرائح الضريبية وتقليل عددها في القانون، فإنه جاء على حساب اعتبارات العدالة بصورة شديدة الفظاظة، ولعل أسوأ ما في هذا القانون هو توحيده لمعدل الضريبة لمن يبلغ دخلهم السنوي 40 ألف جنيه، مع كل من تزيد دخولهم أو أرباحهم عن هذا المبلغ إلى أي مستوى حتى ولو كان عشرات المليارات من الجنيهات

"
لكن هذه البديهية غابت عن قانون الضرائب الذي أُقر عام 2005، والذي جاء تفصيلا لمصلحة الطبقة الرأسمالية الكبيرة على حساب باقي المجتمع. وصحيح أن ذلك القانون رفع حد الإعفاء الضريبى إلى 5 آلاف جنيه مصرى في العام (المادة 7)، يضاف إليها أربعة آلاف أخرى (المادة 13)، ليصبح حد الإعفاء هو 9 آلاف جنيه. لكن هذا الحد ظل ثابتا حتى الآن رغم أن معدل التضخم في مصر بلغ 8.8%، 4.2%، 11%، 11.7%، 16.2% في الأعوام 2005، 2006، 2007، 2008، 2009 بالترتيب حسب بيانات صندوق النقد الدولي المأخوذة من بيانات رسمية مصرية[2]. وهذا يعني أن القيمة الحقيقية لحد الإعفاء قد تراجعت مع ارتفاع معدل التضخم دون تغيير هذا الحد الأدنى للإعفاء. وفيما بين حد الإعفاء الضريبى وبين الدخول التي تبلغ 20 ألف جنيه في العام يكون معدل الضريبة 10%، بينما يبلغ المعدل 15% على الدخول التي تتراوح بين 20 ألف و40 ألف جنيه في العام. أما الدخول التي تزيد عن 40 ألف في العام فتُفرَض عليها ضريبة بمعدل 20 %. وينص القانون على المساواة بين شركات الأشخاص وشركات الأموال في معدل الضريبة البالغ 20% على الأرباح التجارية والصناعية التى تتجاوز 40 ألف جنيه في العام، وذلك بدلا من القانون القديم الذى كان يجعل الحد الأقصى للضريبة على شركات الأشخاص هو 32%، والحد الأقصى للضريبة على شركات الأموال 42%.

كما أعفى القانون كل الأوعية الادخارية من الضرائب، وأعفى أرباح الاستثمارات في الأسهم والسندات من الضرائب، وأعفى مشروعات جهاز الخدمة الوطنية بوزارة الدفاع من الضرائب كلية، وأعفى أرباح منشآت استصلاح واستزراع الأراضى، وإنتاج الدواجن والنحل، وتربية الماشية وتسمينها، ومصائد الأسماك ومراكب الصيد لمدة 10 سنوات من بدء النشاط، كما أعفى المشروعات الممولة من الصندوق الاجتماعى لمدة 5 سنوات. وبالمقابل فإن القانون ألغى الإعفاءات على الاستثمار المباشر، وفرض الضرائب على الدخل الذى يحققه أصحاب حقوق الملكية الفكرية وعلى إيرادات المهن الحرة التى منحها 3 سنوات من الإعفاء عند بدء النشاط لمن يبدأون مزاولة المهنة بعد تخرجهم مباشرة لغاية 14 عاما من تاريخ التخرج، وتخفض مدة الإعفاء إلى سنة واحدة فقط لمن يبدأون مزاولة المهنة بعد 15 عاما من التخرج.

ويمكن القول: إن رفع الحد الأدنى للإعفاء الضريبى، كان أحد التوجهات الإيجابية في القانون، نظرا لأن ارتفاع تكاليف المعيشة جعل الدخول الضرورية لمواجهة الحد الأدنى من متطلبات المعيشة أعلى كثيرا من الـ 9 آلاف جنيه في العام التى تم إقرارها. لكن تثبيت هذا الحد الأدنى وعدم إيجاد آلية لتحريكه سنويا بنسب مساوية لمعدل التضخم، جعل قيمته الحقيقية تتراجع سنويا، وكذلك الأمر بالنسبة لحدود الشرائح الضريبية الثلاث. كما أن إعفاء المدخرات من الضرائب، هو أمر مهم للغاية في بلد يحقق واحدا من أدنى معدلات الادخار في العالم؛ حيث بلغ معدل الادخار (قيمة المدخرات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي) في مصر نحو 15.7%، 17.1%، 16.2%، 16.7%، 12.4% في الأعوام 2004/2005، 2005/2006، 2006/2007، 2007/2008، 2008/2009 بالترتيب[3]، مقارنة بنحو 21% في المتوسط العالمى، ونحو 31% في مجموع الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل، ونحو 48% في دول شرق آسيا والمحيط الهاديء التى تضم الدول السريعة النمو في تلك المنطقة، ونحو 54% في الصين[4]. ولن يكون بمقدور مصر تمويل استثمارات تحقق لها نهوضا اقتصاديا بمثل هذا المعدل المتدني للادخار والذي لا يمكن أن تحقق بالاستناد إليه سوى نمو بطيئ يقترب من حافة الركود، فضلا عن أنه يجبرها على القبول بمعدلات استثمار متدنية والاستدانة من الخارج لتمويل الاستثمارات، بكل ما يعنيه ذلك من الدخول في دائرة الديون الخارجية وتبعاتها الاقتصادية والسياسية السلبية. كما أن الادخار يعني إتاحة الأموال لتمويل التجارة والاستثمارات العامة والخاصة التي يتم تحصيل الضرائب عليها.

أما إلغاء الإعفاءات على الاستثمار، فإنه يشكل بدوره أمرا إيجابيا، لأن تلك الإعفاءات لم تكن تشكل أي حافز للاستثمارات الأجنبية التي كانت تضطر لدفع الضرائب في بلدانها طالما أنها معفاة من الضرائب في مصر، فضلا عن أن تلك الإعفاءات كانت تكرس حالة ضعف الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية لدى الطبقة الرأسمالية التقليدية المصرية. كما أن المهم في حفز الاستثمارات الأجنبية والمحلية، هو تطوير شفافية وحوافز السوق المتمثلة في مكافحة الفساد المستشرى في مصر، والقضاء على التعقيدات البيروقراطية المعطلة للأعمال والتي تفتح بابا ملكيا للفساد، وضبط المواصفات وحماية حقوق الملكية الفكرية، ووجود طلب فعال ونشيط، ووجود بنية أساسية متطورة داخليا ومرتبطة بالأسواق الخارجية، ووجود قوة عمل مدربة ومتنوعة المهارات، ووجود دورة من النمو والازدهار الاقتصادى المحلي، وتمتع الدولة بعلاقات اقتصادية خارجية حرة وواسعة النطاق. أما الحوافز المالية فإنها آخر ما يفكر فيه المستثمر الحقيقى.

وفيما يتعلق بإعفاء أرباح الأسهم والسندات من الضرائب، فإنه غير منطقى لأنه يشجع على سرعة وسخونة حركة الأموال في البورصة، أو بمعنى آخر يشجع على تصعيد المضاربة فيها، كما أنه يعتبر تحيزا لهذا النوع من الاستثمار غير المباشر الذي يقوده المغامرون وينتشر فيه الطفيليون المحليون والأجانب ممن يكونون على استعداد لتدمير استقرار الاقتصاد لتحقيق أرباح استثنائية. كما أنه جعل من البورصة المصرية أحد المسارح التي تلهو فيها رؤوس الأموال الأجنبية الساخنة لتنزح الموارد من الداخل للخارج؛ حيث لا توجد أية ضرائب على تحويل الأجانب لأرباحهم من البورصة المصرية إلى الخارج. ويبدو الأمر غريبا حقا، أن من يخاطر بأمواله وينشيء مشروعا صناعيا أو زراعيا أو تجاريا يدفع 20% ضرائب على أرباحه، بينما من يضارب في البورصة وهو نشاط طفيلي في غالبيته الساحقة، يتم إعفاؤه من الضرائب!!

أما الإعفاءات المقدمة للرأسمالية العاملة في مجال الزراعة والصيد لمدة 10 سنوات، فإنها منطقية في بعض الجوانب وخالية من المنطق في جوانب أخرى، فإعفاء مشروعات تسمين الماشية والدواجن على سبيل المثال، غير منطقي على الإطلاق ويجسد قوة أصحاب المصالح في هذا القطاع والتي مكنتهم من الحصول على امتياز لا يستحقونه، سواء لأنهم يبيعون اللحوم بأضعاف سعرها في الأسواق الدولية بشكل ينطوى على درجة عالية من الاستغلال للمستهلكين لتحقيق أرباح بالغة الارتفاع، أو لأنهم أقرب لعمليات التجميع لأنهم يعتمدون في عمليات التسمين على عليقة لا ينتجونها ومستوردة في الغالب.

أما فرض الضرائب على المهن الحرة وقصر فترة الإعفاء على 3 سنوات من بدء مزاولة المهنة، تختصر إلى سنة واحدة إذا بدأت مزاولة المهنة بعد 15 عاما من التخرج، فإنه ينطوى على قهر حقيقى لقلب الطبقة الوسطى وهم المهنيون، وبالذات الأطباء والمحامين والمهندسين والتجاريين، والذين كانوا بحاجة إلى مضاعفة فترة الإعفاء حتى تستطيع مكاتبهم أو عياداتهم بناء أسس قوية للاستمرار والتوسع.

أما توسيع نطاق الشرائح الضريبية وتقليل عددها في القانون، فإنه جاء على حساب اعتبارات العدالة بصورة شديدة الفظاظة، ولعل أسوأ ما في هذا القانون هو توحيده لمعدل الضريبة لمن يبلغ دخلهم السنوي 40 ألف جنيه، مع كل من تزيد دخولهم أو أرباحهم عن هذا المبلغ إلى أي مستوى حتى ولو كان عشرات المليارات من الجنيهات.

كذلك فإن القانون لم يعط أى ميزة ضريبية للمشروعات حسب تشغيلها للعمالة، وبالذات للمشروعات الصغيرة التي تعمل في مجالات، أو تستخدم تقنيات كثيفة العمالة عادة وتسهم بالتالى في تخفيض معدل البطالة، وكان من الضروري إعطاء ميزات ضريبية لتشجيع الشركات الصغيرة والكبيرة على تشغيل العمالة كإحدى آليات استيعاب قوة العمل وتقليل البطالة في مصر.

جدول 1

المعدل الأعلى للضريبة على الشركات والشريحة العليا من الأفراد في مصر ودول مختارة عام 2009

الدولة

أعلى معدل للضريبة على الأفراد

الدخل الفردي الذي يُفرَض عليه الحد الأعلى للضريبة على الأفراد بالألف دولار

أعلى معدل للضريبة على الشركات

مصر
20%

7.2

20%

الدانمرك

62%

62.3

25%

السويد

57%

66.4

26%

هولندا

52%

73.3

26%

النمسا

50%

80.3

25%

بلجيكا

50%

45.9

34%

اليابان

50%

182.1

41%

إيرلندا

46%

48.7

13%

الصين

45%

175.7

25%

ألمانيا

45%

343.5

29%

كرواتيا

45%

45.7

20%

إيطاليا

43%

100.3

31%

أسبانيا

43%

71.5

30%

البرتغال

42%

85.8

25%

سلوفينيا

41%

19.8

21%

شيلي

40%

109.5

17%

بريطانيا

40%

66.1

28%

فرنسا

40%

92.9

33%

اليونان

40%

100.3

25%

النرويج

40%

110.2

28%

تايلاند

37%

113.2

30%

تركيا

35%

28.6

20%

كوريا الجنوبية

35%

69.4

24%

سويسرا

40%

630.3

21%

الإمارات

0

-

55%


المصدر:
World Bank, World Development Indicators 2010, 312-314.

ونتيجة لهذا القانون غير العادل فإن الغالبية الساحقة من حصيلة الضرائب تأتي من الطبقة الوسطى أو من الحقوق العامة للفقراء، وهو ما يظهر واضحا في الميزانيات العامة للدولة؛ حيث تأتي الغالبية الساحقة من الإيرادات العامة للدولة، بصورة أساسية من الطبقة الوسطى بشكل مباشر أو من الحقوق والموارد والممتلكات العامة التي تعود الغالبية الساحقة منها للفقراء والطبقة الوسطى باعتبار أن تلك الموارد والملكيات العامة، مملوكة بالرأس لكل المواطنين على قدم المساواة. أي أن الفقراء والطبقة الوسطى هم الذين يمولون الإنفاق العام في غالبيته الساحقة ليزدادوا بؤسًا بينما يزداد كبار الرأسماليين ثراءً!!

وحتى يمكن تغيير هذا الوضع غير العادل والذي يزيد سوء توزيع الدخل بدلا من تحسينه، فإنه من الضروري تغيير نظام الضرائب الحالي والأخذ بنظام متعدد الشرائح وتصاعدي على غرار النظم المعمول بها في الدول الرأسمالية المتقدمة والنامية التي أشرنا إليها، مع ضرورة رفع الحد الأدنى للإعفاء من الضرائب إلى 20 ألف جنيه على الأقل اتساقًا مع ارتفاع تكاليف المعيشة، خاصة وأن معدل الإعالة مرتفع في مصر ويبلغ 3.5 فرد لكل شخص يعمل، مع تحريك هذا الحد الأدنى والحدود الدنيا للشرائح المختلفة سنويا بنفس نسبة معدل التضخم الحقيقي.

قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار..لا يمنع الاحتكار ولا يحمي المستهلكين

"
قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار أفضى إلى استمرار الاحتكارات الإنتاجية والتجارية التي ترفع أسعار السلع والخدمات وفقا لآليات احتكارية تعتصر المستهلكين في غياب أي رقابة أو ردع حكوميين، وبلا منطق اقتصادي يربط الأسعار بتكلفة الإنتاج. وهذه الأسعار الاحتكارية تحولت لآلية مهمة للإفقار في مصر، ولسحق الفقراء وقطاع كبير من الطبقة الوسطى ممن يعملون بأجر
"
يعد قانون منع الاحتكار واحدا من أكثر القوانين التي استغرقت وقتا طويلا قبل إصدارها؛ حيث عملت قوى الاحتكار على عرقلة صدور القانون لسنوات طويلة تقارب العقد من الزمن، وعملت على أن يصدر بالصورة التي صدر عليها والتي لا تلبي احتياجات منع الاحتكار وحماية صغار المنتجين وجموع المستهلكين من كبار المحتكرين.

وقد حدد القانون الوضع الاحتكارى بسيطرة منتج واحد على 35% من إنتاج أى سلعة أو خدمة، وهو ما يضع عددًا كبيرًا من الشركات الكبيرة في العديد من المجالات الصناعية والخدمية ضمن الشركات التى تتمتع بوضع احتكاري. لكنه وضع يستوجب وضع هذا المنتِج تحت الملاحظة والتحري، فتتم ملاحظته حتى لا يسيء استخدام وضعه الاحتكاري، بمعنى أنه لا تُتخذ أية إجراءات ضده، إلا عندما ترى الحكومة أنه يقوم بممارسات ذات طابع احتكاري تسبب ضررا للمنتجين الآخرين والمستهلكين، أو على حد تعبير وزير المالية فإن العبرة بالسلوك أما الممارسات الاحتكارية غير الضارة فلا غبار عليها. وقد أشار وزير المالية إلى استثناء قطاعي النقل والاتصالات من النصوص المتعلقة بالاحتكار، بدعوى أن هناك رقابة على هذين القطاعين!

أما عندما يتأكد تمتع أى منتج بوضع احتكارى، وتتأكد ممارسته لسلوكيات احتكارية ضارة، فإنه لا يجوز رفع الدعوى الجنائية أو اتخاذ أى إجراءات لمواجهة ذلك، إلا بطلب كتابي من الوزير المختص أو من يفوضه، واللذين يجوز لهما التصالح في أي من تلك المخالفات قبل صدور حكم بشأنها. وكان القانون الأصلي الذي تم إقراره عام 2005 ينص على أن العقوبة التي تُوقَّع على المحتكرين في حالة الإحالة للقضاء بمعرفة الوزير المختص أو من يفوضه وثبوت التهمة بحقهم، تتمثل في الغرامة التى تتراوح بين 30 ألف جنيه كحد أدنى، وبين 10 ملايين جنيه كحد أقصى، كما يجوز الحكم بمصادرة السلع محل النشاط الاحتكاري المخالف، أو الغرامة بنفس قيمة هذه السلع. وفي حالة التصالح من قبل الوزير المختص أو من يفوضه قبل صدور الحكم، فإن ذلك يكون مقابل أداء مبلغ للجهاز لا يقل عن مثلي الحد الأدنى للغرامة ولا يجاوز مثلى حدها الأقصى.

والحقيقة أن هذا القانون الذى تأخر صدوره طويلا، قد جاء أقل كثيرا وأضعف من أن يحمى المنافسة أو يمنع الاحتكار، فقد اختص السلطة التنفيذية ممثلة في الوزير المختص أو من يفوضه في طلب رفع الدعوى الجنائية ضد المحتكرين الذين يقومون بممارسات ضارة، وبالتالى يصبح جهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار مجرد جهة تقصى وتحقيق تابعة للسلطة التنفيذية، وكان المفروض أن يكون هذا الجهاز أحد الهياكل المستقلة عن الحكومة والسلطة التنفيذية، حتى لا تقيده الاعتبارات السياسية عندما يتعلق الأمر بوجود قيادات من الحزب الحاكم ضمن من يتمتعون بوضع احتكاري ويقومون بممارسات احتكارية ضارة. وكان المفروض أن تكون تبعية هذا الجهاز للسلطة القضائية والسلطة التشريعية، ويكون لهم بالإضافة إلى المتضررين المباشرين من الاحتكار، الحق في تحريك دعاوى منع الاحتكار وحماية المنافسة قضائيا. أما قصر هذا الحق على الوزير المختص أو من يفوضه فهو يضيف المزيد من عوامل هيمنة السلطة التنفيذية، وتهميش السلطتين القضائية والتشريعية. كذلك فإن العقوبات مقتصرة على الغرامة أو مايعادلها أي مصادرة السلع، وكان لابد لها أن تأخذ نظم منع الاحتكار في الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة في اعتبارها، بما يتضمنه البعض منها، من إجبار للمحتكر على إنهاء وضعه الاحتكاري سواء من خلال تقسيم الشركة المحتكرة أو التخلي عن قسم من أسهمها، وليس مجرد دفع غرامة مالية والاحتفاظ بالوضع الاحتكارى.

والغريب أنه عندما تم تعديل هذا القانون في عام 2008، فإن التعديل زاد من ضعف القانون. صحيح أنه رفع الحد الأدنى للعقوبة إلى 100 ألف جنيه، ووصل الحد الأقصى إلى 300 مليون، لكنه ألغى أهم عقوبة في القانون الأصلي وهي مصادرة المادة محل المخالفة الاحتكارية، أو دفع غرامة بنفس قيمتها. كما نص على عدم إعفاء أي شخص شارك في اتفاق احتكاري من العقوبة عند إبلاغه عن هذا الاتفاق الاحتكاري، وهو نص فاسد كلية ويستهدف ردع أي محتكر ومنعه من الإبلاغ عن أي اتفاق احتكاري شارك فيه؛ وذلك لحماية التكتلات الاحتكارية، والحفاظ على تماسكها ووحدة المصير بين أعضائها لمنع عودة الوعي الضميري لأي منهم. والواقع أن الأرباح الاستثنائية الاستغلالية للمحتكرين تبلغ أضعاف قيمة الغرامة في صناعتي الأسمنت والحديد على الأقل، وفي العديد من السلع المستوردة التي يحتكر استيرادها شخص واحد أو مجموعة من المستوردين الذين ينسقون فيما بينهم بصورة احتكارية ضارة بالمستهلكين. وفي صناعة الأسمنت على سبيل المثال تتراوح تكلفة الطن بعد زيادة رسوم استغلال المحاجر، بين 180، 210 جنيهات؛ مما يعني أن بيع الطن بسعر 550 جنيها يحقق ربحا للمنتجين يزيد عن 160%، منها نسبة 20% يمكن اعتبارها أرباحا مقبولة، والباقي أرباحا احتكارية.

والنتيجة التي أفضى إليها هذا القانون الهزيل، هي استمرار الاحتكارات الإنتاجية والتجارية التي ترفع أسعار السلع والخدمات وفقا لآليات احتكارية تعتصر المستهلكين في غياب أي رقابة أو ردع حكوميين، وبلا منطق اقتصادي يربط الأسعار بتكلفة الإنتاج. وهذه الأسعار الاحتكارية تحولت لآلية مهمة للإفقار في مصر، ولسحق الفقراء وقطاع كبير من الطبقة الوسطى ممن يعملون بأجر، لأنه كلما ارتفعت مرتبات العاملين تقوم الاحتكارات الإنتاجية والتجارية برفع الأسعار حتى بالنسبة للسلع المستوردة التي لم ترتفع أسعارها في الأسواق الدولية والتي يمكن استيراد أي كميات منها لسد أية زيادة في الاستهلاك دون رفع الأسعار.

سياسات التشغيل والأجور والخصخصة وانتشار البطالة والفقر

أدت التحولات في سياسة التشغيل في مصر لدى تحولها لاتباع نظام الاقتصاد الحر في عصر مبارك إلى ارتفاع معدل البطالة بصورة هائلة وبالذات بين خريجي النظام التعليمي العالي الذين يشكلون قلب الطبقة الوسطى تقليديا، بما يعنيه ذلك من إفقاد جانب كبير من هذه الطبقة للقدرة على كسب العيش بكرامة؛ حيث تخلت مصر عن الالتزام بتعيين خريجي النظام التعليمي عام 1984، ولم تخلق البيئة الاقتصادية المناسبة لخلق الوظائف الكافية للراغبين في العمل في القطاع الخاص الصغير والمتوسط والتعاوني والكبير، واعتمدت على وجود أسواق عمل عربية وأجنبية تستوعب أعداد ضخمة من قوة العمل المصرية وتحل مشكلة البطالة وعلى رأسها السوق العراقية أثناء الحرب العراقية-الإيرانية وأسواق دول الخليج العربي.

"
الدولة تخلت عن ضمان التشغيل، وفشلت في تنشيط الاقتصاد وإيجاد الوظائف، إلا أنها لم تتجه إلى إقرار نظام لإعانة العاطلين؛ حيث تدعي الحكومة دائما أنه ليست لديها موارد لتقديم إعانات للعاطلين، وهو ادعاء مصدره التحيز الأيديولوجي؛ لأن هذه الحكومة نفسها تقدم 67.7 مليار جنيه كدعم للمواد البترولية تذهب غالبيته للرأسمالية الكبيرة، وأربعة مليارات جنيه كدعم للصادرات تذهب لها أيضا
"
لكن تلك السياسة واجهت صدمات عدة أدت إلى انفجار أزمة البطالة في مصر؛ ففي شتاء عام 1986 انهارت أسعار النفط إلى ما دون العشرة دولارات للبرميل، وترتب على ذلك تراجع هائل في الناتج والإنفاق العام في بلدان الخليج، وانخفاض في الطلب على خدمات العمالة الأجنبية والعربية وضمنها العمالة المصرية؛ مما رفع معدل البطالة في ذلك العام إلى 14.6%. ومع توقف الحرب العراقية-الإيرانية وعودة عدد كبير من الجنود العراقيين من الجبهة، حدث انخفاض في أعداد المصريين العاملين بالعراق، وجاءت حرب الخليج الثانية 1990/1991 وما تلاها من وضع اقتصادي مأساوي في العراق لتخفض أعداد المصريين العاملين في العراق لمستويات متدنية؛ فتفاقمت مشكلة البطالة في مصر، خاصة وأن الحكومة المصرية كانت قد بدأت تطبق برنامج "الإصلاح" الاقتصادي بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وكان في الفترة الأولى منه برنامجا انكماشيا يستهدف السيطرة على معدل التضخم المرتفع وعلى العجز في الموازين الداخلية والخارجية، مع القبول بمعدل نمو منخفض ومعدل بطالة مرتفع نسبيا.

ومع استمرار هذا البرنامج والبدء في برنامج الخصخصة أي بيع القطاع العام للقطاع الخاص المحلي والأجنبي، وإحالة جانب كبير من العاملين فيه إلى المعاش المبكر وهم في سن العمل مما حوَّلهم إلى عاطلين، تزايدت معدلات البطالة، وبدأت الحكومة في تقديم بيانات مضطربة ومتناقضة أحيانا بشأن البطالة، لتغطية التزايد المُنذر بالأخطار الاجتماعية-السياسية لظاهرة البطالة، خاصة وأن الفساد المروع الذي انطوت عليه عمليات الخصخصة والذي قلَّل من الحصيلة التي تحصل عليها الدولة مقابل بيع أصولها العامة، فضلا عن استخدام تلك الحصيلة في تمويل إنفاق جارٍ بدلا من بناء أصول إنتاجية جديدة، قد أسهم في إضعاف فعالية الاقتصاد المصري في خلق فرص العمل، وأدى إلى زيادة معدل البطالة.

وتعد البطالة سببا رئيسيا لانتشار الفقر في أي مجتمع؛ حيث تُعتبر البطالة وما تعنيه من حرمان القادرين على العمل والراغبين فيه -عند مستويات الأجر السائدة، أيا كانت مستوياتهم التعليمية- من كسب عيشهم بكرامة... تعد من أهم آليات التهميش الاقتصادي والإفِقار؛ لأنها تؤدي إلى دفع هؤلاء العاطلين إلى هوة الفقر واستنزاف المدخرات أو الميراث في حالة وجودهما والتحول في النهاية في كل الأحوال إلى فقراء. كما تحولهم إلى عالة على أسرهم مما يخفض متوسط نصيب الفرد في تلك الأسر من الدخل وينزلق بها إلى منحدر الفقر.

وهناك اضطراب حقيقي في بيانات البطالة. وعلى سبيل المثال فإن النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي (أبريل 2010، صـ 117)، تشير إلى أن إجمالي عدد المشتغلين فعليًّا عام 2008، بلغ 22.5 مليون شخص، وتوضح توزيعهم التفصيلي بين قطاع الأعمال العام (1 مليون)، والحكومي (5.3 مليون)، والخاص (16 مليون)، ليصبح المجموع 22.3 مليون شخص فقط، أي أقل بنحو 200 ألف عن الرقم المعلن أولاً كعدد للمشتغلين في نفس الصفحة من نشرة البنك المركزي. ولو خصمنا عدد المشتغلين فعليا (22.3 مليون شخص) من تعداد قوة العمل وفقا للبيانات الرسمية في نفس المصدر (24.7 مليون شخص)، فإن عدد العاطلين يصبح 2.4 مليون عاطل، وليس 2.14 مليون عاطل كما هو منشور في المصدر نفسه، ربما بسبب خطأ حسابي ساذج بافتراض حسن النية، ويصبح معدل البطالة 9.7% من قوة العمل عام 2008، وليس 8.7% كما هو منشور في نفس المصدر، علما بأن بيانات المشتغلين تتضمن أكثر من 4.5 مليون عمال المياومة (من يتقاضون أجرهم يوما بيوم) والعمالة الموسمية الذين لا يمكن احتسابهم كعمالة دائمة!

ويمكن الاستدلال على تضارب البيانات من واقع البيانات المنشورة عن تعداد قوة العمل المصرية في تقرير مؤشرات التنمية في العالم 2010 (World Development Indicators 2010) الصادر عن البنك الدولي؛ حيث يشير التقرير (صـ 66)، إلى أن تعداد قوة العمل المصرية 26.3 مليون شخص عام 2008، وهو بيان مأخوذ من الحكومة المصرية مباشرة أو بعد مراجعة البيان المقدم منها بالاتفاق معها. ولو خصمنا من هذا الرقم، عدد المشتغلين فعليا، أي 22.3 مليون، فإن عدد العاطلين يصبح 4 ملايين شخص، ويصبح معدل البطالة 15.2% من قوة العمل وفقا لتعدادها المنشور في تقرير البنك الدولي المشار إليه. وللعلم فإن البيان المنشور عن قوة العمل المصرية في عدد سابق من تقرير البنك الدولي المذكور آنفا (عام 2004)، كان قد أشار (صـ42)، إلى أن تعداد قوة العمل المصرية قد بلغ 25.9 مليون شخص عام 2002. ولو أخذنا بصافي الداخلين الجدد لسوق العمل والبالغ نحو 800 ألف سنويا خلال الفترة من عام 2002، حتى عام 2010، فإن تعداد قوة العمل المصرية في الواقع يصبح نحو 30.7 مليون عام 2008. وهذا يعني أن عدد العاطلين في عام 2008، بلغ نحو 8.4 مليون عاطل، وأن معدل البطالة قد بلغ نحو 27.4% من قوة العمل في العام المذكور.

ويعد ارتفاع معدل البطالة في مصر، تجسيدا لضعف معدل الاستثمار في مصر، بالنظر إلى أن الاستثمارات الجديدة والتوسعات في الاستثمارات القائمة، هي العامل الرئيسي في تحديد حركة التشغيل ومستوى البطالة في أي اقتصاد. وقد بلغ معدل الاستثمار في مصر نحو 18.7%، 20.9%، 22.4%، 19.3% في الأعوام المالية 2005/2006، 2006/2007، 2007/2008، 2008/2009 بالترتيب، ونحو 16.9% في النصف الأول من العام المالي 2009/ 2010[5]، علما بأن المعدل المناظر يبلغ نحو 30% في مجموع الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، ويبلغ نحو 40% في دول شرق آسيا والمحيط الهاديء، ويبلغ 44% في الصين[6]، وهي البلدان التي لديها إرادة تحقيق نمو قوي حقيقي.

وعلى أية حال فإن أي بلد يرغب في حل أية أزمة أو مشكلة كبيرة مثل البطالة التي تعاني منها مصر، لابد أن يبدأ بتقديم بيانات حقيقية وصحيحة حتى يمكن حشد المجتمع والدولة لحل الأزمة، لأن تقديم بيانات غير دقيقة لا يفيد في شيء، بل على العكس يؤدي إلى نوع من الاسترخاء والترهل في مواجهتها.

ويعد التهميش الاقتصادي من خلال البطالة، آلية رئيسية للإفقار، ليس للفقراء بالمعنى الكلاسيكي مثل العمال الصناعيين والزراعيين الأجراء وصغار المزارعين فقط وإنما لشرائح مهمة من الطبقة الوسطى أيضا من خريجي النظام التعليمي ومن المثقفين؛ لأنها تعني ببساطة حرمانهم من كسب العيش بكرامة من خلال عملهم؛ بما يترتب على ذلك من دفع هؤلاء العاطلين إلى هوة الفقر والاعتماد على الغير واستنزاف المدخرات أو الميراث في حالة وجودهما.

وربما تكون إعادة هيكلة الإنفاق العام وتوظيفه بصورة تساعد على خلق فرص عمل جديدة ودائمة في الصناعة والزراعة والخدمات الحقيقية، هي عملية ضرورية لإيقاف التزايد المنذر بالخطر في معدل البطالة. كما أن تكوين حضانة قومية حقيقية للمشروعات الصغيرة، يمكن أن تساعد في هذا الاتجاه أيضا، لأن أبسط ما يحتاج إليه المواطن من حكومته هو أن يتمكن من كسب عيشه بكرامة من عمله وكده واجتهاده وهذه مسئولية الحكومة سواء من خلال خلق وظائف عامة حقيقية في الصناعة والزراعة والخدمات، أو تهيئة البيئة الاقتصادية للأعمال وتقييد البيروقراطية المعوقة لها والتي تضيف بفسادها تكاليف إضافية غير مرئية مُعطلة لتلك الأعمال.

ورغم أن الدولة تخلت عن ضمان التشغيل، وفشلت في تنشيط الاقتصاد وإيجاد الوظائف، إلا أنها لم تتجه إلى إقرار نظام لإعانة العاطلين؛ حيث تدعي الحكومة دائما أنه ليست لديها موارد لتقديم إعانات للعاطلين، وهو ادعاء مصدره التحيز الأيديولوجي؛ لأن هذه الحكومة نفسها تقدم 67.7 مليار جنيه كدعم للمواد البترولية تذهب غالبيته للرأسمالية الكبيرة، وأربعة مليارات جنيه كدعم للصادرات تذهب لها أيضا. وللعلم فإن الهند وهي دولة يبلغ متوسط نصيب الفرد فيها من الدخل أقل من نصف نظيره في مصر، أصبحت تقدم إعانات للعاطلين منذ عام 2006 بواقع أجر 100 يوم عمل لكل عاطل، والأمر لا يتعلق في مصر بغياب الموارد وإنما بترتيب الأولويات بصورة متحيزة أيديولوجيا تهتم بتدليل الرأسماليين الكبار من أصحاب النفوذ السياسي بالتحديد، قبل الوفاء بالاحتياجات الأساسية للمواطنين.

توزيع الدخل، وسحق الفقراء والطبقة الوسطى

"
إهدار الموارد الطبيعية المملوكة للمواطنين بالتساوي (بالرأس) والتي يملك الفقراء والطبقة الوسطى الغالبية الساحقة من الحقوق فيها بحكم أنهم يشكلون أكثر من 95% من السكان، من خلال بيع الغاز الطبيعي لأسبانيا وللكيان الصهيوني بأقل كثيرا من الأسعار السائدة في الأسواق الدولية، يحرم الفقراء والطبقة الوسطى من إيرادات مستحقة عن هذه الموارد الطبيعية كان من الطبيعي أن تذهب لتحسين أحوالهم ومستويات الخدمات العامة التي تُقدم لهم

"
يتحدد توزيع الدخل الأولي في أي بلد بنظام الأجور، بينما تتم إعادة توزيع الدخل وتحسينه من خلال نظم الضرائب والدعم والتحويلات والخدمات العامة المجانية أو شبه المجانية. وقد ساء توزيع الدخل في مصر لدرجة جعلت غالبية المواطنين لا يشعرون بأية ثمار للنمو الاقتصادي الذي تشير بيانات الحكومة إلى تحقيقه، بغض النظر عن دقة هذه البيانات من عدمه، وذلك بسبب سوء نظام الأجور الذي يطلق يد أرباب العمل سواء كانوا رأسماليين من القطاع الخاص المحلي أو الأجنبي أو رأسمالية الدولة في تحديد أجور العاملين لديهم، في ظل حد أدنى هزلي للأجر الشهري يبلغ 118 جنيها فقط، وفي ظل عدم وجود سقف للأجور وما في حكمها في القطاع العام والهيئات الاقتصادية العامة والجهاز الحكومي، بما يجعل البعض من العاملين في الدولة يحصلون على دخول شاملة تبلغ مئات الآلاف من الجنيهات شهريا، وتوازي آلاف الأضعاف من الحد الأدنى للأجر.

وتشير أحدث البيانات الرسمية إلى أن متوسط الأجر الأسبوعي في القطاع الخاص بلغ نحو 214 جنيه أي نحو 11.13 ألف جنيه سنويا عام 2007[7]. ونظرا لأن عدد العاملين في القطاع الخاص في العام المذكور بلغ نحو 15.1 مليون شخص[8]؛ فإن إجمالي ما حصلوا عليه بلغ 168 مليار جنيه. وفي القطاع العام والحكومة بلغ متوسط الأجر الأسبوعي 308 جنيه[9]، بواقع 16.02 ألف جنيه سنويا. ونظرا لأن عدد العاملين في الحكومة والقطاع العام بلغ 6.4 مليون شخص وفقا لبيانات النشرة الإحصائية للبنك المركزي (أبريل 2010، صـ 118)، فإن إجمالي ما حصلوا عليه بلغ 102.5 مليار جنيه. وبهذا يكون إجمالي ما حصل عليه أصحاب حقوق العمل (أي من يكسبون رزقهم من عملهم وأجورهم)، قد بلغ نحو 270.5 مليار جنيه. ونظرا لأن الناتج المحلي الإجمالي بلغ نحو 895.5 مليار جنيه عام 2007/2008،[10] فإن حصة أصحاب حقوق العمل منه تبلغ نحو 30.2% فقط، مقابل نحو 69.8% لأصحاب حقوق الملكية، علما بأن حصة أصحاب حقوق العمل من الناتج المحلي الإجمالي كانت تبلغ 48.5% في عام 1989، وكانت حصة أصحاب حقوق الملكية تبلغ 51.5% في ذلك العام. وهذا التدهور في حصة أصحاب حقوق العمل الذين يصنعون الحياة بعملهم وكدهم، يعكس تزايد سوء توزيع الدخل الذي يؤدي لزيادة الفقراء فقرًا والأثرياء ثراءً. والتغيير يتأتى من وضع نظام عادل للأجور ورفع الحد الأدنى للأجر حتى يشعر الناس بحدوث أي نمو اقتصادي، مع ضبط صارم للأسعار حتى من خلال آليات السوق، بدلا من الارتفاع المنفلت والذي لا مبرر له والذي جعل مصر تحقق واحدا من أسوأ معدلات التضخم (12%) في المنطقة والعالم في وقت يعتبر فيه معدل التضخم في الدول النامية (6.2%) والغنية (1.5%)، شديد التدني حاليا.

الدعم والتحويلات مخصصات محدودة وموجهة للطبقة العليا بالأساس

عندما يتم تقديم مشروع الموازنة العامة للدولة في كل عام، تبدأ الحكومة في الحديث عن ضخامة مخصصات الدعم والتحويلات الاجتماعية، وكأنها تمن على الفقراء والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، رغم أن تلك المخصصات لا تشكل سوى جزء صغير من حقوقهم في إيرادات الموارد الطبيعية والمشروعات العامة القديمة في بلادهم، بافتراض أن الدعم والتحويلات تذهب إليهم وهو أمر غير صحيح في الواقع. كما أن مصر من أقل بلدان العالم تقديما للدعم والتحويلات أصلاً؛ حيث بلغ إجمالي مخصصات الدعم والتحويلات في الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2010/2011، نحو 115.92 مليار جنيه، توازي نحو 8.4% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر للعام المالي المذكور والبالغ نحو 1378 مليار جنيه. وإذا نظرنا لجدول 2، سنجد أن مصر من أقل بلدان العالم في الإنفاق على الدعم والتحويلات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.

جدول 2

الدعم والتحويلات كنسبة من الإنفاق العام والناتج المحلي الإجمالي في دول مختارة لغرض المقارنة مع مصر


الدعم والتحويلات كنسبة من الإنفاق العام
إنفاق الحكومة المركزية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
الدعم والتحويلات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
1995
2008
1995
2008
1995
2008
الصين
00
60%
00
11.4%
00
6.8%
الجزائر
00
49%
00
23.9%
00
11.7%
دانمرك
64%
70%
38.2%
36.5%
24.5%
25.6%
فنلندا
68%
72%
49.9%
33.8%
33.9%
24.3%
فرنسا
59%
62%
47.6%
44.4%
28.1%
27.5%
ألمانيا
67%
82%
38.6%
29%
25.9%
23.8%
إيطاليا
54%
65%
48%
40.1%
25.9%
26.1%
كوريا ج
63%
58%
14.3%
18.6%
9%
10.8%
المغرب
00
36%
00
30.1%
00
10.8%
روسيا
00
64%
00
21.3%
00
13.6%
أسبانيا
42%
79%
37.1%
26.3%
15.6%
20.8%
تونس
36%
41%
28.4%
30.4%
10.2%
12.5%
تركيا
00
41%
00
22.8%
00
9.4%
بريطانيا
57%
51%
40.4%
42.8%
23%
21.8%
أمريكا
00
60%
00
22.7%
00
13.6%
الهند
33%
54%
14.4%
16.2%
4.8%
8.8%
المصدر: جمعت وحسبت من World Bank, World Development Indicators 2010, p. 266-268.

لكن الأهم من تدني الإنفاق على الدعم والتحويلات، هو هيكل هذا الإنفاق الذي يوضح أن الغالبية الساحقة منه تُخصص عمدا للطبقة الرأسمالية الكبيرة وليس للفقراء والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى كما هو مفترض.

ويشير البيان المالي الصادر عن وزارة المالية، عن مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2010/2011، إلى أن دعم المنتجات البترولية سيرتفع إلى 67.7 مليار جنيه، مقارنة بنحو 57.1 مليار جنيه عام 2009/2010، وإذا أضفنا دعم الكهرباء وقدره 6.3 مليار جنيه إلى هذه المخصصات، فإن إجمالي مخصصات دعم الطاقة يصل إلى نحو 74 مليار جنيه في موازنة 2010/2011. وهذا الدعم الكبير لمواد الطاقة يذهب في معظمه إلى الرأسمالية الكبيرة من مالكي شركات الحديد والأسمنت والأسمدة والألومنيوم وكل الشركات المستهلكة للطاقة بكثافة، إضافة إلى المعدات والآلات ووسائل النقل والمخابز. وكان من الممكن قبول مثل هذا الدعم، لو كانت تلك الشركات تبيع إنتاجها بأسعار منخفضة تتناسب مع ما تتلقاه من دعم ومع مستويات الأجور والدخول في مصر، لكنها تبيع إنتاجها بالأسعار العالمية وتزيد عليها كثيرا كما يحدث بالنسبة للأسمنت الذي يمتلك الأجانب الغالبية الساحقة من شركاته التي اشتروها من القطاع العام في إطار برنامج الخصخصة في صفقات لم تكن فوق مستوى الشبهات، وكما يحدث أيضا بالنسبة للحديد والأسمدة. وبما أن تلك الشركات تحقق أرباحًا استثنائية من دم هذا الشعب تشهد عليها ميزانيات غالبيتها (كنماذج على ذلك، بلغ صافي ربح شركة سيدي كرير للبتروكيماويات "سيديك"، عن الفترة من يناير إلى يونيه 2009 نحو 592.5 مليون جنيه، توازي 56.4% من رأس المال المصدر والمدفوع، ونحو 37.6% من إجمالي حقوق المساهمين[11]. وبلغ صافي الربح لشركة السويس للأسمنت عام 2008، نحو 1040.9 مليون جنيه، توازي نحو 114.5% من رأس المال المصدر والمدفوع للشركة[12]). وليس من المنطقي أن يقدم الشعب المصري لتلك الشركات، طاقة مدعومة من موارده الطبيعية (النفط والغاز) ومن مشروعاته العملاقة المنتجة للطاقة التي أقامها في عهود وفترات سابقة مثل المحطة الكهرومائية لسد مصر العالي، أو محطات الكهرباء التي تعمل بالنفط والغاز، ثم تقوم هي باستغلاله ببيع منتجاتها بأسعار بالغة الارتفاع لا علاقة لها بتكلفة الإنتاج، لتحقيق أرباح احتكارية استغلالية.

وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مخصصات دعم المواد البترولية الموجهة في غالبيتها للرأسمالية الكبيرة والشرائح العليا من الطبقة الوسطى، تراجعت مخصصات دعم السلع التموينية الموجهة للفقراء وغالبية الطبقة الوسطى من 21.1 مليار جنيه في ميزانية عام 2008/2009، إلى 14.1 مليار جنيه عام 2009/2010، إلى 13.6 مليار جنيه في مشروع موازنة عام 2010/2011.

وبالمقابل استمر دعم الصادرات الذي يُقدم لكبار المصدرين عند مستوى 4 مليارات جنيه في موازنة 2010/2011، رغم كل الانتقادات التي وُجهت إليه من عدم وجود قواعد واضحة له ومن أن حفنة من المصدرين أصحاب النفوذ السياسي وبعض الرأسماليين المتعاونين مع نظرائهم الإسرائيليين في مناطق الكويز، هم من يحصلون عليه. وبالمقابل بلغت قيمة دعم تنمية الصعيد نحو 200 مليون جنيه، ودعم إسكان محدودي الدخل مليار جنيه، ودعم الأدوية والتأمين الصحي نحو 421 مليون جنيه، ودعم المزارعين والحاصلات الزراعية نحو 2.2 مليار جنيه، وتحصل الرأسمالية الزراعية على قسم كبير منه. أي أن الدعم الذي تحصل عليه حفنة من المصدرين النافذين سياسيا تزيد عن دعم الفلاحين والأدوية والتأمين الصحي وإسكان محدودى الدخل وتنمية الصعيد، وهو نوع من التعدي الفظ على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفقراء والطبقة الوسطى لصالح الطبقة الرأسمالية الكبيرة، وهو ما يجعل الحكومة تُسخِّر الإنفاق العام لزيادة الأثرياء ثراءً، وزيادة الفقراء فقرًا.

كذلك فإن حرمان البشر من الخدمات الصحية المجانية حيث يبلغ الإنفاق العام على الصحة 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي المصري مقارنة بنحو 5.8% في المتوسط العالمي، وحرمانهم أيضا من الخدمات التعليمية المجانية في ظل إنفاق عام متدنٍّ يبلغ 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 4.65% في المتوسط العالمي ونحو 5.2% في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، هو في النهاية نوع من الحرمان من التأهيل التعليمي والصحي للفقراء والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، يحرمهم من الكثير من الفرص في العمل والمشاركة في النشاط الاقتصادي، وكسب العيش بصورة كريمة، ويدفع بهم إلى هوة الحرمان والتهميش الاقتصادي والفقر.

"
انتشار الفساد في الخصخصة وفي ترسية عقود المشتريات وتنفيذ الأعمال العامة والذي يؤدي إلى تحويل أموال عامة إلى أموال وشركات خاصة بصورة غير مشروعة، يسهم بصورة كبيرة في توليد الفقر

"
كذلك فإن انتشار الفساد الكبير في الخصخصة وفي ترسية عقود المشتريات وتنفيذ الأعمال العامة والذي يؤدي إلى تحويل أموال عامة إلى أموال وشركات خاصة بصورة غير مشروعة، يسهم بصورة كبيرة في توليد الفقر؛ لأن هذه الأموال العامة كان من المفترض أن تذهب للفقراء والطبقة الوسطى باعتبارهم الغالبية الساحقة من أبناء الأمة، وبالتالي فإن حصول حفنة من الفاسدين عليها يحرم هؤلاء الفقراء والطبقة الوسطى من الحصول على هذه الأموال في صورة أرباح موزعة في الشركات والهيئات العامة أو في صورة خدمات وتحويلات لو ذهبت هذه الأموال إلى إيرادات الموازنة العامة للدولة وتم إنفاقها على تلك الخدمات والتحويلات.

كما أن إهدار الموارد الطبيعية المملوكة للمواطنين بالتساوي (بالرأس) والتي يملك الفقراء والطبقة الوسطى الغالبية الساحقة من الحقوق فيها بحكم أنهم يشكلون أكثر من 95% من السكان، من خلال بيع الغاز الطبيعي لأسبانيا وللكيان الصهيوني بأقل كثيرا من الأسعار السائدة في الأسواق الدولية، يحرم الفقراء والطبقة الوسطى من إيرادات مستحقة عن هذه الموارد الطبيعية كان من الطبيعي أن تذهب لتحسين أحوالهم ومستويات الخدمات العامة التي تُقدم لهم، فضلا عن أن تصدير الغاز الطبيعي للكيان الصهيوني الذي نشأ بالاغتصاب ويستمر بالعدوان هو أمر مُشين في كل الأحوال.

وإذا كان منع توليد الفقر، يتوقف بصورة كاملة على إحداث تغيير جوهري وكامل أحيانا في طبيعة النظام الاقتصادي–الاجتماعي-السياسي الذي ينتجه لتأسيس نظام قائم على أولويات التنمية المستقلة المستندة إلى معدلات ادخار واستثمار محلية مرتفعة، والتنمية البشرية من خلال خدمات تعليمية وصحية مجانية متاحة لجميع أبناء الأمة، ويضع في مقدمة أهدافه تحقيق التشغيل الكامل وتقليص الفوارق بين الطبقات من خلال توزيع الدخل بصورة عادلة... إذا كان منع توليد الفقر مرتبطا ببناء مثل هذا النظام، فإن مكافحة الفقر وتخفيف وطأته هي أمور ممكنة تماما حتى في إطار النظم الاقتصادية-الاجتماعية التي يكون الفقر منتَجا رئيسيا لها، وذلك إذا اتبعت تلك النظم سياسات فعالة لتحقيق نمو اقتصادي قوي من خلال حفز الادخار والاستثمار ومكافحة الفساد وحشد طاقات الدولة والمجتمع جنبا إلى جنب في هذا الصدد، وتطوير السياسات المصرفية لتتلاءم مع تحقيق هذه الأهداف. وأيضا إذا اتبعت تلك النظم سياسات عالية الفعالية لضمان توزيع معتدل للدخل من خلال ضمان حد أدنى للأجور يكفل حياة كريمة للمشتغلين وأسرهم، ووضع نظام لكفالة العاطلين وكبار السن والمعاقين، وتوفير الخدمات العامة الصحية والتعليمية بالذات بصورة مجانية أو شبه مجانية، وذلك من خلال سياسات فعالة لإعادة توزيع الدخل عبر الموازنة العامة للدولة، وتوفير فرص العمل في القطاعين العام والخاص لكل المؤهلين والقادرين والراغبين في العمل لتمكين البشر من كسب عيشهم بكرامة، وتفادي الانزلاق إلى هوة الفقر.

__________________

رئيس الوحدة الاقتصادية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، ورئيس تحرير التقرير السنوي للمركز: "الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية".

المصادر:

[1] - البنك الدولي، تقرير عن التنمية في العالم 1990 صـ 250، جدول 21.

[2] - IMF, World Economic Outlook, April 2010, p. 166.

[3] - البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية العدد 116، نوفمبر 2006، صـ 18، العدد 159، يونيو 2010، صـ 19.

[4] - World Bank, World Development Indicators 2010, p. 254-256.

[5] - البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية، العدد 158، مايو 2010، صـ 18، 19.

[6] - World Bank, World Development Indicators 2010, p.254-256.

[7] - الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بجمهورية مصر العربية، الكتاب الإحصائي السنوي، القاهرة، سبتمبر 2009، صـ 95.

[8] - البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية، أبريل 2010، صـ118.

[9] - الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بجمهورية مصر العربية، الكتاب الإحصائي السنوي، القاهرة، سبتمبر 2009، صـ 95.

[10] - البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية، يونيو 2010، صـ128.

[11] - راجع ميزانية الشركة المنشورة في جريدة الأهرام 13/8/2009.

[12] - راجع ميزانية الشركة المنشورة في جريدة الأهرام 1/4/2009.




ثورة أم لا ؟




المدير العام
عضو ممتاز
عضو ممتاز



.....
الباحث عن الحقيقة

.....


****************************


---------------------------------------


----------------------------------------
عدد الرسائل: 4201
العمر: 55
العمل: باحث وكاتب في العلوم ومقارنة الآديان
تاريخ التسجيل: 12/08/2008

http://science.creaforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر.. تبديد أرصدة القوة

مُساهمة من طرف المدير العام في الأحد فبراير 13, 2011 2:07 pm



القيود المفروضة على الأزهر حجمت دوره ففقدت بذلك مصر بعضا من قوتها الناعمة (الفرنسية-أرشيف)

هبة رءوف عزت

من المهم عند التفكير في قوة مصر الناعمة، تلك الدولة المركزية في المنطقة، والمركزية من حيث السيادة ومنطق الحكم، والتي تعطي انطباعًا بأنها قادرة على ممارسة سيادتها عبر القوة الصلبة، وتفاخر بأن شرعية نظامها هي شرعية ثورة قادها الجيش، وأن آخر الحروب التي خاضتها قد انتصرت فيها -وهي حرب السادس من أكتوبر 1973- والتي تمنح لمركز الرئاسة الحالي –والممتد منذ ثلاثة عقود- شرعية مضاعفة، أقول: إنه من المهم أن نحاول تلمس الإطار النظري الذي من خلاله يمكن أن نفهم طبيعة القوة الناعمة للدولة المصرية في محيطها الاقليمي والدولي؛ لأن المشهد المصري يتسم عادة بالتعقيد الشديد نتيجة عاملين:

حجم الدولة ذاتها، وتعقد عملية صنع القرار، وتنوع مجالات التأثير.
التاريخ الطويل للدولة المصرية، فهي دولة ذات جذور ضاربة في التاريخ لقرون طويلة وليست كيانًا سياسيًا مستحدثًا.
بما يجعل البحث عن أدوات للتحليل ومفاهيم تعين على التفسير ثم الاستشراف مسألة في غاية الصعوبة؛ لذا فإن عنوان هذه الورقة ليس به مبالغة، بالفعل الحالة المصرية حالة تحتاج محاولات مضنية للتنظير لأن النظرية في النهاية هي التي تفكك ما اشتبك، وتلم شتات ما تفرق كي يمكن الفهم بعمق ورسم الأطر والمسارات. وهي مضنية لأن النظام السياسي المصري أهدر كثيرًا من الفرص لممارسة القوة الناعمة بما يضني حقًا ويؤلم من يخرج من الإطار الزمني اللحظي وينظر لتطور الدور المصري في محيطه الحيوي ومجاله الإقليمي وتراجع هذا الدور التاريخي.

ولأنه في مجال العلوم السياسية لا يمكن القفز فوق الجهد النظري السابق، ستعود هذه المحاولة للأطر النظرية التي تحكم موضوعين للبحث: موضوع القوة الناعمة وتعريفها وأدواتها، والموضوع الثاني هو فهم طبيعة الدولة المصرية والتحولات التي شهدتها من منظور مفاهيم الدولة في العالم الثالث، من أجل الربط بينهما للوصول لنتائج؛ إذ كيف يتسنى فهم القوة الناعمة لمصر ومجالات تأثيرها إذا لم نفهم عن أي قوة ناعمة نتحدث من منظور العلاقات الدولية وما أهم أدواتها في المثال المصري، وهو ما لا ينفك عن تحولات الدولة المصرية ذاتها في نظرتها لدورها ودوائرها ومجال تأثيرها وأمنها القومي، وهو ما قد يفسر لنا بشكل مركب ليس فقط سياقات الانتقال من سياسة ناعمة لأخرى، بل التآكل الواضح في القوة الناعمة برمتها ومخاوفنا بشأن ما قد يؤدي إليه ذلك من العجز عن حماية الأمن القومي على المدى القصير والبعيد.

القوة الناعمة: مسارات وأدوات
منطق الدولة قبل منطق القوة
عناصر القوة الناعمة لمصر: هدر الإمكانية

القوة الناعمة: مسارات وأدوات

شهد مفهوم "القوة الناعمة" صعودًا بعد نهاية الحرب الباردة رغم أن ما يعبر عنه كان موجودا قبلها وأثناءها، والذي يتجلى في استخدام أدوات الاقناع والاستمالة وليس الضغط والإكراه في إدارة العلاقات الدولية، كأدوات الدبلوماسية الشعبية وتوظيف الأبعاد الثقافية والتعليمية والإبداعية أو توظيف المعونات الاقتصادية والمنح الدراسية في إدارة العلاقات الخارجية (راجع كل وعود الرئيس أوباما لتطوير العلاقة مع العالم الإسلامي في خطابه في جامعة القاهرة يونيو 2009 بعد توليه الرئاسة والتي تصب في هذا الاتجاه)، لكن للعلوم الاجتماعية دور في بلورة الظواهر بعد استقرارها واستجلائها بصياغة مضمونها في مفاهيم، وصكها في مصطلحات تستوعب مجريات وتطور الظاهرة، وتخلق المساحة الدلالية للمفهوم الجديد بتحديد عناصر تعريفه، وهو ما قام به بامتياز "جوزيف ناي" أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد منذ مطلع التسعينيات حين أشار لهذا المفهوم في كتاب عن ريادة الولايات المتحدة في الساحة الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة والأدوات التي ينبغي لها أن تستخدمها ، ثم أسهب في تطوير المفهوم في كتاب مستقل تحت هذا العنوان للتأكيد على هذه الأدوات في إدارة السياسة الخارجية الأميركية، والأدوات غير التقليدية الثقافية والمعنوية والرمزية والقيادية التي تتيح سبلاً للتأثير في سلوك الأطراف الأخرى في العملية السياسية في الداخل المحلي والوطني أو الخارج الإقليمي والدولي ، في الوقت الذي كانت فيه الأداة العسكرية في صعود دَفَعَ المعارضين لها لوصف القطب الأوحد على الساحة الدولية بالإمبراطورية .

والحق أن جوزيف ناي قد بدأ التفكير في هذا الاتجاه منذ السبعينيات بمشاركة زميله أستاذ العلاقات الدولية البارز روبرت كيوهين حين نشرا كتابهما عن "القوة والاعتماد المتبادل: السياسة الدولية في لحظة تحول" عام 1977 والذي تناول فكرة مركزية هي الاعتماد المتبادل غير المتماثل والذي يخلق مساحة للتأثير والنفوذ يمكن في ظلها توظيف أدوات متنوعة للقوة، وقد قام كيوهين بتطوير أفكاره لاحقا في اتجاه الاقتصاد السياسي في حين اهتم جوزيف ناي بالإعلام والتعليم وبناء النموذج الثقافي للدولة للتأثير في الفاعلين الآخرين، ودفعهم لتبني سياسات تخدم مصالحها.

وينتمي الاثنان لمدرسة في العلاقات الدولية تنتقد مسلَّمات المدرسة الواقعية الكلاسيكية بشأن دور الدولة القومية المركزي في العلاقات الدولية، وافتراض أن الدولة كيان متجانس له مصالح محددة، وأن القوة هي وسيلة تحقيق المصالح، وأن هناك تراتبية جامدة في هيكل النظام الدولي. أي أن تلك المدرسة تتجاوز نموذج الدولة القومية لفهم العلاقات الدولية وكل ما تأسس عليه من مركزية وإعلاء من القوة الصلبة.

ولعل ما يهم أيضًا في تطوير مفهوم القوة الناعمة هو تحولات مفهوم القوة ذاته والذي صار موضع بحث ونظر مع التحولات الدولية التي بدأت إرهاصاتها في ظل الحرب الباردة، وظهور رؤى نقدية للمفهوم البسيط للقوة كعلاقة بين طرفين، فقد بدأ الالتفات لذلك المفهوم كمتغير متطور في أبعاده، وجهود ناي وغيره تبني على جهد نظري سبق كتاب ناي وكيوهين أبرزه ما كتبه ستيفن لوكس في مجال النظرية السياسية منذ عام 1974 في كتابه الشهير "القوة: رؤية راديكالية"، والذي ذكر فيه القوة الناعمة باعتبارها القدرة على تحديد الأجندة، وتوجيه دفة العلاقة الدولية، والتأثير النهائي في صياغة الأطراف المختلفة لأهدافها.

وقد التفت ناي إلى أبعاد القوة الصلبة في تحولها في العقود الثلاث الماضية، فنجده انتقل من الاهتمام بالدبلوماسية الشعبية ودور المواطنين في صناعة قوة الدولة إلى دور المجال الافتراضي وتحولات وسائط التأثير ، إلى محاولته ترويض القوة الصلبة بالقوة الناعمة مع أزمة الآلة العسكرية المتضخمة في أفغانستان والعراق بحديثه عن القوة الذكية smart power، وفي ظل تيار متنامٍ ينتقد عسكرة العلاقات الدولية وما أصابها من "لعنة القوة"- الصلبة.

والقوة الناعمة مفهوم مركب، فالنعومة في الحقيقة أصعب في تعريفها من الصلابة، وعلاقتها بالتاريخ وبالذاكرة وبأبعاد النفسية الجماعية والثقافة أعظم أثرًا من فكرة السيطرة والهيمنة والتحكم البسيطة الصريحة التي بشرت بها الحداثة وقامت عليها فلسفة الدولة القومية بعد صلح (وستفاليا) في أوربا في القرن السابع عشر، ونمو مفهوم القوة الناعمة إقرار بأن العقلانية النفعية الأداتية التي لا تعرف إلا حسابات القوة المادية لا تكفي وحدها لإدارة علاقات السلطة والحكم الداخلي أو الجوار السلمي أو الصراع الخارجي.

ولا تعني القوة الناعمة أن أدوات القوة الصلبة تختفي، لكن القوة الناعمة لها لحظتها المناسبة، وهي في الغالب تعمل في إطار من التبادل والتوافق مع أدوات القوة الصلبة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وإلا كانت النعومة مرادفة للضعف والعجز، فلا تكون بذلك خيارا بل تكون اضطرارا، وهو ما يفقدها في الغالب قوتها حتى في بعدها الرمزي، فتندرج تحت بند العلاقات العامة أكثر منها العلاقات السياسية بمعناها المركب، وتنأى عن العلاقات الدولية بالمفهوم العلمي الدقيق.

وبذا فإن مفهوم القوة الناعمة ليس مفهوما ثابتا بل تتغير القوة الناعمة بتغير وسائط وأدوات التأثير الثقافي وتحولاتها النوعية في ظل تحولات مفهوم المكان والجغرافيا، كما قد تزيد وتنقص بحسب رصيد رأس المال الأخلاقي للدولة التي تريد أن تلعب دور النموذج المحتذَى، وكذا رأس المال الحقيقي الذي تستثمره الدولة في هذا المجال من مخصصات وموازنات فيمكنها من ممارسة النفوذ والتأثير، أو تبخل به لأسباب توازنات انتخابية أو تحالفات حزبية فتضعف، أو تهدره بالكلية فتفقد أدوات مهمة في تحقيق مصالحها في الممارسة السياسية الإقليمية والدولية، ويبدو الأمر جليًا في الأزمات حين ينكشف القصور، وهو ما سنرصده في الحالة المصرية بجلاء.

منطق الدولة قبل منطق القوة

اتفق علماء السياسة على أن الدولة هي الإطار الذي يتوج البنيان الاجتماعي منذ الفلسفة اليونانية مرورا بالفكر الإسلامي ووصولا للفكر الحديث؛ حيث استقر القول بأن اكتمال الانسان الأخلاقي لا يتم إلا في ظل الدولة، ومن هنا استمدت طبيعتها التي تنفرد بها و سيادتها على جميع أشكال التجمعات الأخرى.

فالدولة في أحد تعريفاتها المستقاة من نظريات العقد الاجتماعي والمستلهَمة من تاريخ الفكر السياسي الإسلامي نظام معياري للقيم العامة يى المجتمع. وهو ما يعلو على الدولة ككيان مؤسسي وبنية قانونية وإدارية، والدولة كسلطة حاكمة.

لم يكن غريبًا أن تسعى الدولة القومية إذًا أن تكون فاعلاً أخلاقيًا كي تكون لها الهيمنة على المرجعية السياسية وتنزعها من المؤسسات الدينية من ناحية والاجتماعية من ناحية أخرى، وتؤسس بذلك سيادتها في مواجهة جميع الأطراف في الداخل والخارج، محتكرة المجال الرمزي والثقافي بمثلما ما احتكرت أدوات القوة.

والحقيقة أن قدرة الدولة تعني بالأساس القدرة على تنفيذ الأهداف الرسمية والتعبير عن مصالح القوى الاجتماعية، عوضا عن التصور الخاص باستمداد الدولة قوتها من التغلب على المعارضة القوية. ومن ثم فإن العلاقة بين الدولة والمجتمع هى نتاج التفاعل بين الفاعل القومي والفاعل الاجتماعي برغم أن العلاقة بينهما غير متكافئة.

ومن ثم فإن الدولة الضعيفة تكون غير قادرة على تنفيذ السياسات العامة وتفتقد الاستقلالية في مواجهة النخب الاجتماعية المهيمنة. كما أن الدولة الضعيفة تفتقد وجود إدارة قائدة تمتلك السلطة الكاملة على عملية صنع القرار، كما أن أجهزتها ليس لديها المعلومات الكاملة ولا تتسم بالمهنية. ومن ثم فإن قوة الدولة ترتبط بوجود إدارة متناغمة وقوية لديها تماسك في رؤيتها لعملية صنع السياسات، ولديها مهارة توظيف المنهج التفاوضى والتشاركي عند اتخاذ القرار. كما أن هذه الإدارة القوية تمتلك المعلومات الكافية بداخلها.

وقد كتب عالم الاقتصاد جونار ميردال مفهوم "الدولة الرخوة" في تحليله لنماذج التنمية في آسيا، واصفا الدولة الرخوة بأن من صفاتها أنها تصدر القوانين ولا تطبقها؛ لأنه في الدولة الرخوة لا تجد من يحترم القانون فيعم الفساد فتفقد الدولة مكانتها.

وقد طبق الباحث سامر سليمان تلك الرؤية على الدولة المصرية في أطروحته للدكتوراه التي صدرت في كتاب تحت عنوان (النظام القوي والدولة الضعيفة) واصلاً إلى استنتاجات مفادها أن "الدولة القوية" تأتي من تحالفها الاجتماعي الحاكم الذي يسمح بالتغيرات الاقتصادية ويحقق أهدافا مجتمعية. ويرى أن مصر منذ قيام ثورة يوليو ظلت نموذجًا للصراع الطبقي والاجتماعي؛ فقد أممت الثورة الصراع الاجتماعي لصالحها عبر معادلة "الدولة الريعية ـ الرعوية"؛ حيث مثلت مصر بمواردها الكثيرة فرصة للاستبداد السياسي، لتقوم الدولة بتوزيع تلك الموارد بمنطق العطايا وربطها بالولاء السياسي للنظام الاشتراكي ثم تشوه هذا النظام في ظل الانفتاح وصولا إلى عهد مبارك؛ حيث تمحورت موارد مصر في قناة السويس ـ البترول ـ المساعدات الأجنبية. وفي عهد مبارك توسع دور الدولة الأمني لكن تقلصت الإيرادات التي وصلت إلى أضعف مدى في منتصف الثمانينيات فتمت مراجعة تعريف دور الدولة، فإذا ما تدفقت الموارد اتسع دورها، وإذا نضبت الأموال تقلص مجال عملها. ويرى أن مجال الانفاق هو الإنفاق للسيطرة السياسية؛ فمثلاً الإعلام، والثقافة، والشؤون الدينية، هي مجالات الإنفاق التي مثلت التغطية السياسية لحكمه، وبسبيل الحصول على شرعية جماهيرية تكفل التغطية السياسية حرصت الدولة على دعم السلع، وبالتوازي تم الخضوع لمقررات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في تغيير هيكل الاقتصاد بتصفية القطاع العام. أما الإنفاق على التنمية وفي مقدمتها التعليم الذي وجهت له الدولة استثمارات ضرورية، ممثلة في إنشاء المدارس، دون أن تعالج قلب المشكلة التعليمية، أي أجور المدرسين، والتي كانت تتطلب هيكلة جديدة للأجور، لا تستطيع الدولة تحملها ماليًا، فشهد تعثرا توازى مع إخفاق جهود التنمية المستدامة، وعجز الدولة عن كفالة الحد الأدنى للحياة الكريمة للمواطن مع تنامي استقطاب حاد في الأجور بين القطاع العام والقطاع الخاص وبروز نخبة اقتصادية سيطرت على عملية صنع القرار السياسي بما أدى لانتشار الفساد وتردي السياسات العامة فضلا عن عدم عدالة التوزيع الإقليمي للموارد العامة بما أدى لاحتدام الصراع السياسي؛ فالدولة المحملة بتاريخ وتراث من المركزية المرتبطة بالاستبداد، فشلت نتيجة عجز مؤسساتها في تنفيذ خططها، واتبعت خلال العقود الماضية الوسائل الأكثر تخفيًا وأقل تكلفة سياسيًا، مثل ضريبة التضخم (طبع النقود)، ثم اضطرارها بعد ذلك إلى فرض ضريبة على المبيعات، ثم أخيرًا العمل على إصدار قانون للضرائب على الدخل. لكنها رغم كل الاجتهادات فشلت في رفع إيراداتها، بل تزايدت نفقاتها. مع عدم قدرة النظام على تعبئة التأييد السياسي. ومع أفول الدولة الراعية لصالح بزوغ دولة "الجباية"، شهدت مصر تراخي آليات السيطرة السياسية والاقتصادية، وازدياد الاستبداد وهو مؤشر على أفول وضعف الدولة رغم هيمنة النظام السياسي. ولا شك أن تصاعد دور رجال الأعمال اللافت بعد انتخابات العام 2000 يؤكد فقدان الدولة لمساحة تحكمها المطلق في البرلمان. وهو ما يعني أن حزمة القوانين تخدم فئة محدودة بما يفقد القانون مصداقيته والدولة شرعيتها.

من هنا فإن الإصلاح يبدأ من تدخل الدولة لضمان كفاءة المرافق العامة، وتحقيق عدالة مقبولة في توزيع الثروات والدخول، ودعم الصناعات والمشروعات الوطنية الوليدة لمجابهة مشكلة البطالة، ودعم التعليم للقضاء على الأمية والتسرب والجهل، والتأثير على العادات والسلوكيات لجعلها أكثر إيجابية وأقل سلبية، وتشجيع الحراك الاجتماعى عن طريق محاربة جميع أشكال التمييز السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي بين المواطنين.

فإصلاح الدولة أمر حتمى لتحقيق التنمية والرفاهية، ولا يغني عنه تدفق الدخول الريعية أو المساعدات أو الاستثمارات الأجنبية، فضلا عن الحاجة الماسة لاستئصال الفساد في جميع المستويات، وإلا انتقلنا لحالة الدولة الفاشلة Failed State التي تعجز تماما عن القيام بوظائفها الأساسية، فلا تحمي مواطنيها ولا تضمن سلامتهم البدنية، وتعاني من اضطرابات داخلية وتدخل أجنبي في شؤونها، وانهيار منظومة العدالة، وانتشار العنف وعدم الاستقرار الظاهر.

ورغم أن الحالة المصرية لا يبدو عليها هذه العوارض في الظاهر إلا أن مؤشرات وإرهاصات ذلك بدأت منذ مطلع الألفية بشكل قد لا يراه الناظر من الخارج لكن يدركه من يتابع ارتفاع معدلات الجريمة، وتردي الأمن والسلامة على الطرق، وانتفاضات يومية يقوم بها الناس في الريف والبدو وبعض المناطق العشوائية وأطراف الحضر الذين بدأوا يحتجون على الدولة بشكل عشوائي عجزت القوى السياسية حتى الآن عن نظمه في خيط واحد من الاحتجاج السياسي في تيار عام للتغيير يتجاوز الحركات الاحتجاجية المتناثرة وأحيانا المتنازعة التي ظهرت على الساحة في السنوات الماضية.

لذا يبدو التساؤل عن منطق الدولة المصرية أسبق من السؤال عن طريقة توظيفها للقوة، إذ إن هذا التوظيف ينبني على قدرات الدولة من ناحية وإدراك صانع القرار للدور من ناحية أخرى. وقد لا تتوفر مقومات للقوة الصلبة لكن الدولة توظف تاريخها أو مكانتها الرمزية فتخلق هذا الدور خلقًا بالحركة الدائبة والسعي القوي فتكتسب مصداقية في مجال ما أو يبرز منها رواد في مجالات ودوائر ما بما يمنحها قوة ناعمة ذات تأثير. والعكس، قد تملك الدولة مقومات القوة لكنها تهدرها لغياب وعي صانع القرار بالموارد الناعمة التي لدى الدولة، أو لقرار سياسي بتقليص الدور لأسباب تنشأ في عقله بناء على فهم محدد للمخاطر والفرص، من هنا كان اهتمام العلاقات الدولية بإدراك صانع القرار وبنيته العقلية والنفسية.

عناصر القوة الناعمة لمصر: هدر الإمكانية

"
مصر دولة تملك مقومات القوة الناعمة،فهي تملك التاريخ كرصيد حضاري، وتملك الموقع والثقل الديمغرافي في قلب الأمة العربية، وتملك المؤسسة الدينية البارزة وهي الأزهر بما يمنحها مكانة إسلامية، وتملك الامتداد في قلب القارة الإفريقية، وتملك العقول والسبق العلمي في المنطقة العربية والريادة الفكرية والثقافية، والتجربة الليبرالية الأقدم في العالم العربي

"
مصر دولة تملك كل مقومات القوة الناعمة سالفة البيان، فهي تملك التاريخ كرصيد حضاري، وتملك الموقع والثقل الديمغرافي في قلب الأمة العربية، وتملك المؤسسة الدينية البارزة وهي الأزهر بما يمنحها مكانة إسلامية، وتملك الامتداد في قلب القارة الإفريقية، وتملك العقول والسبق العلمي في المنطقة العربية والريادة الفكرية والثقافية، والتجربة الليبرالية الأقدم في العالم العربي، ولا مجال هنا لسرد التاريخ المعروف لتلك المجالات، لكن هذه الأرصدة تآكلت لعدة عوامل عبر العقود الماضية لأسباب موضوعية سبق ذكرها تتعلق ببنية الاستبداد في ظل نظام حاكم لا يريد أن يتنازل عن مركزيته في إدارة العملية السياسية، غير مدرك الإشكالية الكبرى: أن ضرب مقومات القوى الناعمة في الداخل لفرض السيطرة والتحكم هو تبديد لفرص القوة الناعمة في الخارج، ومن هنا فإن التحول للاصلاح والديمقراطية، وتعزيز قوة المجتمع المدني ليست خيارا داخليا فحسب بل هي شرط القوة الإقليمية لمصر، وإذا أردنا التركيز على كل تلك العوامل فإن المساحة لن تتسع، لكننا سنتناول ثلاثة عناصر أساسية:

التاريخ كرصيد حضاري:
يعد التاريخ رأس مال معنوي يمكن توظيفه كقوة ناعمة، ولا نقصد بالتاريخ الأبعاد المتحفية التي انشغل بها النظام المصري باعتبارها مصدر دخل القطاع السياحي الصاعد في الاقتصاد المصري، والذي يحظى بنسبة من الاستثمارات المحلية تفوق ما يسهم به في الدخل القومي لو قيس بالإمكانية أو قورن بالدخل من السياحة في دول أخرى. ومجددا يغفل النظام عن أن القوة الناعمة الثقافية والإعلامية في هذا القطاع الذي يكرر الخطاب الرسمي أنه "قاطرة التنمية" لن يكتب لها الاستقرار والنمو في ظل غياب الفاعلية في الأداء الخدمي ورفع كفاءة المرافق لأساسية للمواطنين كما للسائحين. التاريخ الذي نقصده هو الامتداد والعمق الزمني في العلاقات وفي الأدوار، فقد قامت مصر عبر تاريخها بأدوار متنوعة في محيطها الجغرافي، لكن الجغرافيا وحدها لا تكفل استمرار الدور التاريخي، كما أن مرور الزمن دون ممارسة فعلية ومتجددة الرؤية والأهداف لا يضمن استمرار ذلك الدور.

وقد تراجع الدور المصري التاريخي في الدوائر المختلفة، الإقليمية العربية، والإفريقية، والإسلامية، بل والدولية. فقد اتخذ النظام في العقود الثلاثة الماضية منحى التركيز على الشأن الداخلي، وتم عزله عن محيطه العربي بعد كامب ديفيد، وعندما عادت العلاقات العربية-العربية لمسارها مرة أخرى كانت هناك قوى جديدة تريد أن تلعب أدوارا على الساحة فلم يدرك صانع القرار المصري تلك المستجدات.

ويمكن أن نضرب مثالاً بالأبعاد العلمية والثقافية: فقد كانت مصر لفترة طويلة المركز التعليمي والفكري والإعلامي في العالم العربي، تُوفِد المعلمين وأساتذة الجامعات لدول الشمال الإفريقي كما لدول الجزيرة العربية، بما كفل نفوذا مصريا في تلك الدائرة لعقود طويلة، لكن تنامي القوة العلمية والإعلامية لدول الخليج نتيجة توظيف بعض عوائد النفط في قطاعات التعليم والإعلام لتحقيق الاستقلال الكامل، ولتوظيف تلك القوة الناعمة في محيط دول مجلس التعاون، وتراجع ريادة التعليم المصري المدرسي والجامعي لتعثر سياسات التنمية، وتقديم مخصصات الأمن على مخصصات الرعاية ونوعية الحياة في تخطيط السياسات العامة، وتردي الأوضاع المهنية، وفقدان السبق في مجالات الإعلام والإنتاج الفني، وصعود الحضور لدول مختلفة على الساحة العربية في مجال النشر والصحافة والفضائيات، كلها عوامل أدت لتراجع الدور المصري الذي صار يلاقي منافسة شديدة حتى في مجال مهرجانات السينما. ورغم أن الطاقة البشرية المصرية ما زال لها الصدارة في تلك المنصات العربية المختلفة، إلا أنها لا يتم استثمارها باعتبارها قوة ناعمة مصرية؛ إذ يحتاج ذلك لخطة واضحة وإستراتيجية ثقافية تستفيد من المتاح وتحول المخاطر والتهديدات التي تلقاها القوة الناعمة المصرية إلى فرص وآفاق، لكن العقل المصري ما زال يعيش في تاريخه وليس في لحظته، مستكينًا لرصيد قديم لا يدرك أنه يفقده رغم أن أرصدة الآخرين تقوم على قوته البشرية في أحيان كثيرة.

وما يسري على الثقافة والصحافة والإعلام يسري على التعليم، فقد تطور التعليم الجامعي في الدول العربية، ولم يعد التعليم المصري جذابا للغالبية العظمى من الشعوب العربية، والأجيال الجديدة الصاعدة والتي ستشكل النخب المؤثرة في مجتمعها لم تتعرض للتأثير التعليمي والثقافي المصري نظرا للغزو الأجنبي في تلك المجالات، من غزو ثقافي لغزو تعليمي-مدرسي وجامعي. وبعثات الدراسات العليا للدول العربية لم تعد تتوجه لمصر بل للدول الأجنبية أو لفروع الجامعات الأجنبية في دول الخليج. وسيكون لهذا أثر بالغ على تآكل القوة الناعمة المصرية التي كانت ظاهرة في هذا الضمار تاريخيًا.

المكانة الإسلامية:
فقد حظيت مصر بمكانة متميزة بحكم كونها مركزًا للعلم الديني، ومثل الأزهر شعاعًا تعليميًا وفد له طلاب العلم عبر القرون، وحصلت مصر بذلك نفوذًا دينيا في أقطار العالم الاسلامي. لكن نهضة الدولة الحديثة منذ عصر محمد علي فرضت قيودا على هذا الدور؛ إذ توازى بناء الدولة مع محاولة تحجيم العلماء كنخبة اجتماعية لها دور سياسي لا ينكر، وبدأت الدولة تمارس سيطرتها التدريجية على موارد هذه المؤسسة التعليمية من خلال التحكم في استقلالها المالي والقانوني، وتم ذلك بالتدريج حتى وصل لذروته في الحقبة الناصرية، وكان ما جرى من خضوع وتبعية سياسية للأزهر في عصر السادات ومبارك تحصيل لما سبق، حيث يظل اختيار قيادات المؤسسة الدينية في يد رئيس الجمهورية، وتتبع الأوقاف موازنة الدولة، ولا يوجد سلطة للواقفين على ما أوقفوه من أموال ولا لورثتهم، وتم توجيه المؤسسة الدينية التي تسمى بالرسمية لخدمة أهداف الدولة، من تمجيد للاشتراكية تارة، وبيان توافق الإسلام مع الليبرالية تارة أخرى، وثار ما ثار حول فتاوى الفوائد البنكية، فضلا عن توظيف الدولة المنابر للدعاية للنظام، وتجفيف منابع التدين غير الرسمي سواء أكان تنظيميا أو دعويًا بزعم مكافحة الارهاب منذ اغتيال السادات، فضلاً عن إهمال التربية الدينية في المدارس، وجمود جهود تطوير الأزهر والتعليم الديني به التي ظلت كلامًا إعلاميًا دون مضمون حقيقي، بل حرصت الدولة على تدجين الطرق الصوفية ونقابة الأشراف بما يضمن لها وحدها توجيه دفة الخطاب الديني وتجفيف منابع التدين المستقل. ربما أثمر ذلك استقرارًا أمنيا بالتوازي مع إحكام القبضة البوليسية للجهاز الأمني على المساجد والمعاهد الأزهرية وجامعة الأزهر وأنشطتها، لكن ما لم يلتفت له النظام هو أن تطوير وتجديد الخطاب الديني والتعليم الديني لا يتم بمراسيم فوقية ولا بقرارات سيادية، بل هو حصيلة الحرية الفكرية ومناخ التعلم الحر الذي ساد الأزهر لقرون، ومن هنا عزوف الكثير من الدول الإسلامية عن إرسال طلابها اليوم للأزهر، والبحث عن أماكن بديلة خاصة في الدراسات العليا، بدءًا من كليات الدراسات الإسلامية الصاعدة في الشرق الإسلامي أو في الجامعات الغربية، وصولاً لتأسيس برامج وطنية للدراسات الإسلامية بهاجس أمني مقابل في الدول غير العربية من انتشار الفكر التكفيري والمعارض بين الأغلبية كما بين دول الأقليات المسلمة، وتنامي القلق من انتشار الفكر السلفي والوهابي.

ولم يقم الأزهر بتطوير مضمون المناهج ولا طرق التدريس بالوتيرة التي توافق وتنافس التحديات التي يواجهها والمنافسة من دوائر متنوعة صاعدة في مجال الدراسات الإسلامية، ونظرة على دوائر تعليم الوافدين في الأزهر كافية لبيان الحالة التي هو عليها الآن والتي كان ينبغي الاهتمام بها لأنها ذراع قوية للقوة الناعمة في الدائرة الإسلامية. ونظرا لأن لعب الدور الناعم متروك للدعاة والمشايخ دون استثمار وتوجيه من قبل الدولة لهم أو وضع دورهم في إطار إستراتيجية عامة، ناهيك عن تردي وضع الدعاة الاقتصادي وتراجع مكانتهم الاجتماعية، فإن السياسة الخارجية المصرية فشلت في توظيف هذا الدور لدعم مكانة مصر في دوائر الكتل الإسلامية في المنظمات الدولية، ونافستها بقوة المملكة السعودية التي نجحت في الترويج لصورتها، وتوفير الموارد الكافية لإدارة قوتها الناعمة المرتبط بالحرمين الشريفين في هذا المضمار.

ولن تسترد مصر تلك المكانة ولا فاعلية تلك القوة دون تحرير للأزهر والمؤسسة الدينية من قبضة الحسابات الأمنية والسياسية، ودون دعم لاستقلال التفكير الديني والتجديد الحقيقي، وهو خيار سياسي بالأساس ما زال النظام غير قادر على إدراك آثاره البعيدة، مكتفيا بالمكاسب المحدودة قصيرة الأجل المترتبة على تأميم الدولة للدين في دوائره الرسمية.

ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أن الفكر الديني وإنتاجه لا يقتصر على المؤسسة الرسمية؛ ففي مصر عقول إسلامية فذة لكن يظل الإشكال هو توجس النظام من فكرها الإسلامي وانعكاساته الحركية وبالتالي هو غير قادر على الوعي بأنها تشكل -بغض النظر عن موقفه السياسي- رصيدا للقوة الناعمة المصرية في المجال الإسلامي.

القوة المدنية، والدور الإنساني:
"
تراجع المد الفكري، وتعثر التحول الديمقراطي، وتفكيك المجتمع المدني، والهيمنة الحكومية على العمل النقابي، وتعويق الفعل السياسي والاحتجاجي، وتقييد حرية الرأي والتعبير، كلها أسباب تفت في عضد القوة المدنية المصرية التي هي منبع القوة الناعمة

"
تعد القوة الاقتصادية والخبرة السياسية والزخم الفكري والأيديولوجي والعلمي والثقافي والإبداعي مقومات مركزية ومصادر للقوة الناعمة، لكن الذي يغيب أحيانا عن التحليل أنها كلها تنبني على أسس وموارد مدنية بالأساس، أي أنها ترتكز على قوة مجتمعية، من هنا فإن الإشكالية التي نواجهها في الحالة المصرية هي أن تراجع المد الفكري، وتعثر التحول الديمقراطي، وتفكيك المجتمع المدني، والهيمنة الحكومية على العمل النقابي، وتعويق الفعل السياسي والاحتجاجي، وتقييد حرية الرأي والتعبير، كلها أسباب تفت في عضد القوة المدنية المصرية التي هي منبع القوة الناعمة؛ ولذا فإن خيار القوة الناعمة ليس خيارا بسيطا لصانع السياسة الخارجية بل هو خيار إستراتيجي لصانع القرار السياسي والسيادي، ولا شك أن نضوب موارد التمدن، وتشرذم القوى الاجتماعية، وملاحقة قوى التغيير وتغييبها تؤثر سلبًا على الإمكانات المدنية التي تستقي منها القوة الناعمة قوتها.

ويعجز النظام المصري المرة تلو المرة في المواقف والأزمات المختلفة عن إدارك مكامن قوته الناعمة، ولا يميز بين حسابات الاستقرار ومقومات الاستمرار، والتي قد تتعارض إذا لم يتم حسمها بدقة وحساسية بالغة، من هنا فإن الاعتبارات الأمنية، وإحكام القبضة على مفاتيح التغيير، وتعويق التحول المدني والديمقراطي، والتضييق المستمر على حرية التعبير تنذر على المدى المتوسط والبعيد بإهدار القوة الناعمة التي تملكها مصر.

وفي الحالة المصرية ونتيجة ثقل الكتلة الديمغرافية فإن الدولة لو تركت القوى المدنية تنشط في مجالات متنوعة يمكن أن تعتمد عليها في القيام بأدوار لا ترغب الدولة أو لا تستطيع الوفاء بها. وتفعيل تلك القوى لخدمة المصلحة القومية يغيب في معظم الأحيان.

كان يمكن لمصر لو استمرت في تجربتها الديمقراطية أن تكون مركز إشعاع للحريات المدنية والتغيير السياسي، لكن النظام المصري أغلق نوافذ التغيير بسياسات تعبر عن دولة رخوة بامتياز؛ ففقدت مصر مصدرًا مهمًا للمكانة والتأثير. وترتب على ذلك -كما ذكرنا- تردي مقومات القوة الداخلية على كافة الأصعدة الأخرى لغياب الحريات، وتجمد النظام، وانسداد الأفق عبر ثلاثة عقود.

والمثال الذي يمكن أن نضربه والذي لا نجد له ذكرا في تحليل القوة الناعمة المصرية هو مثال الإغاثة والعون الإنساني؛ فقد أضحى هذا القطاع في ظل تنامي الأزمات على المستوى العالمي من المجالات المهمة في التعاون الدولي وممارسة الدور ، وهو يقوم على تعبئة موارد مجتمعية بالأساس، ولمصر باع في هذا المضمار تاريخيًا عبر جمعياتها الأهلية، فضلاً عن زخم القطاع التطوعي وعاطفية الشعب المصري التي جعلته يتبرع لدعم نضالات التحرر، ومساندة الدول العربية والإسلامية في لحظات الكوارث، مقدما العون الإغاثي بسخاء لا يعوقه إلا هاجس الأمن وقلق أجهزة المخابرات قبل الحادي عشر من سبتمبر، ثم التخوف من تهمة تمويل الإرهاب بعدها.

ويمكن لمصر لو فتحت الباب للعمل الإغاثي والإنساني ووجهته بحكمة وحنكة أن تكسب بالقوة الناعمة نفوذًا وتأثيرا لا تريد قيادتها أن تكسبه بالقوة الصلبة التي تخلت عنها لأسباب عديدة وفق تقديرها؛ وذلك خيار لن يكلف الدولة موارد لأن الموارد ستأتي من الناس لدعم غزة وإغاثة المضارين من سيول باكستان وإندونيسيا أو في الصومال، وهو ما تقوم به لجان الإغاثة المصرية في النقابات والجمعيات الإسلامية المصرية التي تسهم بجهد لكن المعوقات التي تواجهها في جمع التبرعات، وتحويل الموارد، وشحن المساعدات، وتسهيل السفر لا تتناسب والإمكانية التي يمكن أن ترفع هذا الدور ليكون دورًا أساسيًا، وذراعًا للقوة الناعمة، وعونًا للدبلوماسية المصرية التي لا ترعى تلك الجهود بل تتقاعس عن دعمها وتوفير الغطاء السياسي اللازم لها؛ ففي كل مرة تتغلب الحسابات الضيقة خاصة المتعلقة بعداء النظام للتيار الإسلامي، وتخوفه من نشاط الجمعيات الإسلامية وانتشارها على قدرته على التمييز بين الضبط الداخلي لأسباب التنازع السياسي –بحدود- وبين التوظيف الذكي لتلك القوة في كسب نقاط في مجال العلاقات الخارجية، وتحسين صورة مصر وتأكيد دورها الإقليمي، وهو ما نجحت فيه تركيا بامتياز رغم ضريبة الدم الغالية التي دفعها المدنيون الأتراك الشهداء في موقعة قافلة الحرية.

الثمن: دورة الأزمات والعجز
"
خيار القوة الناعمة يظل خيارًا صعبًا ومركبًا؛ فالقوة الناعمة ترتكز على قوة مدنية تشترط مساحة من الحرية والديمقراطية والمشاركة في صنع القرار الإستراتيجي، وتشترط حنكة سياسية وكلها عناصر فقدتها مصر عبر العقود وتحتاج لأن تعيد ترتيب أوراقها وتشحذ همتها من أجل استعادة ما تم إهداره واسترداد ما تم تبديده

"
تدفع مصر الآن ثمن إهدار قوتها الناعمة، وأزمتها مع دول حوض النيل من ناحية وإدارة موقفها من غزة من ناحية أخرى دليل على ذلك، نتطرق لهما كمثالين في الختام، ولكن نؤكد قبلها على ملاحظتين:
أولاً: أن القوة الناعمة في حالة الدول المركزية الكبرى مثل مصر لا تنفصل بالكلية عن القوة الصلبة؛ فهي تنبني عليها في كثير من الأحيان، ومن هنا فإن تراجع القوة الصلبة – خاصة التاريخي منها كتوازن القوة العسكرية- يؤدي لفقدان القوة الناعمة لمقوماتها الأساسية ووقوفها في فراغ وبالتالي فإن القدرة على الردع تمنح للقوة الناعمة مساحة للحركة، فتكون خيارا موَظفًا لدعم قوة الدولة وليست محاولة عاجزة يائسة لملء فراغ القوة. صحيح أن هناك دولاً توظف القوة الناعمة دون أن تملك قوة صلبة بالمعنى التقليدي خاصة العسكري، لكن يخطيء من يظن أن هناك قوة ناعمة بدون أي نوع من القوة الصلبة، فحتى حالة القوة الإعلامية لدول الخليج كما في مثال قناة الجزيرة ذاتها كقوة ناعمة توظفها دولة قطر في كسب دور متنامٍ على الساحة العربية، حتى هذه تستند لقوة صلبة هي القوة الاقتصادية (الغاز والنفط بالأساس) التي مكنتها من بناء صرح إعلامي ينافس دوليًا، وهي القوة الصلبة ذاتها التي مكنتها من الاستفادة من القوة العسكرية الصلبة لدولة أخرى -هي الولايات المتحدة- بالسماح بوجود قاعدة عسكرية للأخيرة توفر لقطر غطاء الحماية في ظل وضع إقليمي متوتر (بغض النظر عن تقويمنا لذلك الخيار من منظور الأمن القومي العربي).

ثانيًا: أن إدارة القوة الناعمة ليست مهمة سهلة، فهي أقرب للثروة القابلة للتناقص، وإهدار الفرص وسوء الإدراة قد تهددان رصيد القوة الناعمة بالتآكل، وهو ما لا يدركه صانع القرار حين يفاخر بالتاريخ ولا يصنع من ذلك الماضي -عبر مواصلة استخدام الموارد المعنوية- رصيدًا متجددًا للمستقبل. هذا ما فعله النظام المصري في رصيده التاريخي من القوة الصلبة في حالتين واضحتين:

1- في موقفه حيال القضية الفلسطينية غير مدرك أن القوة الناعمة لن تستمر إذا لم يحافظ على هذا الرصيد، والذي أهدره منذ أن عقد معاهدة السلام مع إسرائيل، رغم أن المعاهدة في ذاتها لم تكن لتهدد الرصيد لأسباب كان يمكن تفهمها تكتيكيًا، لكن ما أهدره هو انسحاب مصر من دورها الإقليمي تباعًا ثم بشكل حازم مؤخرًا (رغم استمرار التصريحات الإعلامية بعكس ذلك)، وتراجع دورها الفعال في نصرة قضايا الشعب الفلسطيني، وهو ما تبين بشكل متراكم وصولاً للذروة في حرب غزة ، وأيضًا في التصعيد مع حماس، وحرصه على الكشف عن قضية حزب الله (والذي كان يمكن أن يتم في سياق مختلف للدور الإقليمي المصري بأن يتم تناولها على المستوى المخابراتي وليس بشكل سياسي تصعيدي من إعلان ومحاكمة)، وهو ما جعل أطرافًا أخرى تدخل على خط الوساطة بين الفصائل الفلسطينية، وزاد من قوة العلاقة بين حماس وحزب الله، ورفع من أسهم الدور السوري الذي تراجع في بعض اللحظات التاريخية، بل وسمح لإيران بممارسة بعض النفوذ الناعم (أو الصلب أحيانًا) عبر العقود الماضية فضلا عن بروز الدور التركي الصاعد.

التراوح غير الحكيم بين الصلابة والنعومة، وسوء التوقيت، وعدم التوفيق في اختيار رد الفعل الملائم للموقف في التعامل مع غزة خاصة بعد فوز حماس، وعدم القدرة على التمييز السياسي المحنك بين الخلاف الأيديولوجي مع إسلاموية حماس والدور المصري المرتبط بأمن مصر القومي أفسد صورة النظام المصري؛ فبدت سياسته صلبة حين وجبت النعومة وناعمة حين وجبت الشدة، خاصة في التعامل مع القصف والاعتداءات الصهيونية المتكررة على الشريط الحدودي في رفح من جهة فلسطين، وتحليق الطيران الإسرائيلي حرًا فوق الأراضي الفلسطينية، والقصف المتكرر شبه اليومي الذي صار يمر مرورا عابرًا لا يلفت النظر بل لا يغطيه الإعلام المصري أحيانًا، فقط تحمله رواية الشهود القادمين من غزة والعالقين طويلاً على المعبر على الحدود المصرية. وظهر هذا أيضًا جليًا في غياب مصر بل تعنتها تجاه الحضور المدني الإنساني الدولي في المشهد الإغاثي لدعم غزة (من ضرب المتظاهرين الأجانب في حملة الحرية الذي شهدته كاتبة هذه السطور في قلب القاهرة، مرورا بتراخي الإدانة لاقتحام سفينة الحرية وقتل النشطاء المدنيين، بل وجدنا ذلك سابقًا في الموقف من حرب تموز 2006 بين حزب الله والعدو الصهيوني، وهو مجال الإغاثة كمجال من أهم مجالات القوة الناعمة كما ذكرنا.

2- الأزمة الثانية التي تجلَّى فيها تآكل القوة الناعمة لمصر هي أزمة توزيع مياه حوض النيل وحصة مصر منها؛ حيث اكتشف النظام أن دول حوض النيل قادرة على التفاهم بينها وتوقيع اتفاقيات برغم اعتراض مصر، وظن أن بعض الزيارات الدبلوماسية المتبادلة ستنقذ ما أهدرته عقود طويلة من تبديد رأس مال مصر من القوة الناعمة مع دول حوض النيل خاصة والدول الإفريقية بشكل عام عبر القرون، خاصة في القرنين الماضيين، سواء بالتعاون الاقتصادي والسياسي المباشر في القرن التاسع عشر والذي انطلق من اعتبار السودان مجالاً حيويًا لمصر، واستمرار ذلك رغم الاحتلال البريطاني عبر تواصل القوى السياسية، أو بعد الاستقلال حيث كان للرئيس جمال عبد الناصر فلسفته واعتبر أفريقيا إحد الدوائر المركزية لمصر، وطور علاقاته الدبلوماسية ومكانته الإفريقية بقوة، وكان من أدواته ووسائله في ذلك: الوزارات المصرية، والدبلوماسية المصرية، وشركة النصر للتصدير والاستيراد في أفريقيا جنوب الصحراء . كما كان من مظاهر ذلك أيضا استقبال الدارسين الأفارقة في الجامعات المصرية بمصروفات رمزية، ودعم الجمعيات العلمية كالجمعية العلمية الإفريقية، وتحفيز الدراسات الإفريقية من خلال دعم معهد الدراسات الإفريقية.

لكن جاء بعد عبد الناصر الرئيس أنور السادات بسياسة مختلفة توجهت بالأساس لصداقة الولايات المتحدة الأميركية والغرب والصلح مع إسرائيل؛ فقطعت الدول العربية علاقاتها مع مصر وابتعدت الدول الاسلامية، فتجاهلت الدول الافريقية مصر وتجاهلتها مصر، وانكفأت مصر على نفسها في السبعينيات بزعم بناء الاقتصاد الحر، وبناء التجربة الديمقراطية التي آلت في نهاية عصر السادات لنهاية مؤلمة باعتقال كافة أطياف المعارضة، ثم جاء مبارك بسياسة ثالثة مخالفة كل الاختلاف تتبنى مبدأ عدم تخطي حدود مصر ولا مجال أبدا للصدامات مهما تكن نتائجها إيجابية أو سلبية . وأصبح الحضور المصري في الدوائر الافريقية رمزيا واحتفاليا، وحدث الفراغ في قيادة القارة الذي ملأته فورًا دولة جنوب إفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري، ومن يشهد المؤتمرات الدولية سيرى على الفور إلى أين يتجه الدبلوماسي المصري الذي يحرص على التواصل مع نظرائه من الدول الغربية، وإلى أين يقصد الدبلوماسي الأفريقي الذي يحرص على التعرف والتواصل مع نظرائه من القارة الإفريقية، وقد يكون من اللافت أن الدولة التي حرصت على بناء سياسة خارجية مع الدول الإفريقية بشكل متواصل وقوي هي ليبيا (لكن لهذا سياق ومنطلق آخر ولا مجال لتحليله هنا).‏
لقد كان لمصر رصيد في دعم قوى الت

حرر في مرحلة الاستقلال في كثير من الدول الإفريقية، لكن هذا الرصيد تبدد، والجهد الذي بذلته مصر في شجب تحرك دول المنبع بدعوى الحق التاريخي في مياه النيل كان الأولى أن يتجه لمراجعة أسباب تقصير الدبلوماسية المصرية عبر عقود في البناء على إرث تاريخي قوي للدور المصري في افريقيا، وكيفية تخصيص اهتمام أعمق وموارد أكبر لاستدراك ما فات. ورغم أن الخبير د.عمرو الحمزاوي يظن أن القوة المصرية الناعمة في إفريقيا قد انتهت ، إلا أن الخبير الإستراتيجي ورئيس شركة النصر سابقا محمد غانم يعتقد أن الوقت لم يفت بعد لاستدراك الأمر لو تحققت الإرادة السياسية وتمت مراجعة الإستراتيجيات والتوجهات.

نؤكد في النهاية أن خيار القوة الناعمة يظل خيارًا صعبًا ومركبًا على عكس ما قد يظن البعض؛ فالقوة الناعمة -كما ذكرنا- ترتكز على قوة مدنية تشترط مساحة من الحرية والديمقراطية والمشاركة في صنع القرار الإستراتيجي، وتستند لخيارات في تخصيص الموارد بما يحفظ للقطاعات المختلفة في الدولة قوة تستطيع أن تستثمر بعضها في المجال الخارجي-الإقليمي والدولي، وتشترط حنكة سياسية تميز بين الخصومة السياسية والإمكانية والمكانة الوطنية للخصوم، وكلها عناصر فقدتها مصر عبر العقود وتحتاج لأن تعيد ترتيب أوراقها وتشحذ همتها من أجل استعادة ما تم إهداره واسترداد ما تم تبديده.

______________

هبة رؤوف عزت، مدرس العلوم السياسية بجامعة القاهرة.




ثورة أم لا ؟




المدير العام
عضو ممتاز
عضو ممتاز



.....
الباحث عن الحقيقة

.....


****************************


---------------------------------------


----------------------------------------
عدد الرسائل: 4201
العمر: 55
العمل: باحث وكاتب في العلوم ومقارنة الآديان
تاريخ التسجيل: 12/08/2008

http://science.creaforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى