منتديات العلم والعلماء والمخترعين والمبتكرين ....

ثورات السوبر حداثة العربية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ثورات السوبر حداثة العربية

مُساهمة من طرف حسن عجمي في الأربعاء مارس 16, 2011 3:35 pm

ثورات السوبر حداثة العربية

حسن عجمي
كان من المستحيل أن نتنبأ بالثورات العربية الحالية لأننا كنا منشغلين بعرض أفكارنا وأنفسنا للبيع من دون جدوى. و اقتنعنا و رضينا بأن نحيا في عصر السوبر تخلف و أن نكون أسياده وعبيده في آن. لكن فاجأتنا ثورات السوبر حداثة العربية وما تتضمنه من معانٍ لنا وعلينا. إنها ثورات جديدة لم تعهدها الشعوب من قبل و لذا تحتاج إلى مناهج جديدة لكي نفسّرها ونفهمها. تهدف هذه المقالة إلى إيضاح هذه الثورات و وضعها في سياق فكري وفلسفي خاص.

السوبر ثوار الجدد

من غير الممكن فصل الثورة في تونس عن الثورة في مصر والبلدان العربية الأخرى لأنها حدثت وتحدث في الوقت عينه تقريباً وتحمل الشعارات نفسها كشعار " الشعب يريد تغيير النظام ". من هنا , الثورات العربية الحالية الممتدة من تونس إلى مصر و ليبيا واليمن والبحرين وصولاً إلى بدايات الثورة في العراق وتوقع انتشارها إلى دول عربية أخرى كسوريا والأردن ليست سوى ثورة عربية واحدة إنطلقت باسم الحرية و رغبة في تحقيق الديموقراطية في العالم العربي. تختلف هذه الثورات عن الثورات التقليدية التي شهدها التاريخ الإنساني. فمثلاً , بينما الثورات التقليدية يقوم بها زعيم وطني ما أو حزب سياسي معين , نجد أن ثوراتنا العربية الحالية ليست من صنع قائد ما أو من صنع حزب أيديولوجي ما. وبينما كانت الثورات التقليدية تقلب النظام القائم وتستبدل الحاكم أو الرئيس بآخر , نجد أن ثوراتنا الحالية لا تقوم بذلك. هذا لأنها فاقدة للزعيم التقليدي و للنخبة التقليدية التي كانت مسؤولة في الماضي عن قيام الثورات التقليدية. هكذا تفتقر هذه الثورات إلى نخبة تتحكم فيها وتوجّهها كما تفتقر إلى دساتير و أيديولوجيات مسبقة تحركها. وهذا ما لم تشهده الثورات في التاريخ. من هنا , هذه الثورات غير محدّدة المعالم والصفات وبذلك هي ثورات سوبر حداثية بامتياز. فبالنسبة إلى السوبر حداثة , اللامحدّد يحكم العالم. تعتبر السوبر حداثة أنه من غير المحدّد ما هو الكون وما هي ظواهره كافة. فمثلاً , من غير المحدّد من هو الإنسان ولذا يتمكن من التكيف والتأقلم مع الظروف المتغيرة ما يضمن نجاحه في البقاء والاستمرار ؛ فلو كان الإنسان محدّداً في صفاته ما كان لتمكن من تعديل صفاته وتغييرها لتلائم الظروف المتغيرة في محيطه وبذلك لفشل في الاستمرار و البقاء. وكما تنجح السوبر حداثة في تفسير الوضع الإنساني بشكل عام , تنجح أيضاً في وصف وتفسير الثورات العربية الحالية. فهذه الثورات غير محدّدة تماماً كما تقول السوبر حداثة لأنها ثورات خالية من نخبة و دساتير وأيديولوجيات مسبقة تحددها. وبما أنها ثورات غير محدّدة , إذن من الطبيعي أن لا تكون هذه الثورات ثورات حزبية أو معتمدة على أيديولوجيات معينة أو على قائد أو زعيم. هكذا تفسّر السوبر حداثة الثورات العربية اليوم , وعلى ضوء قدرتها التفسيرية هذه تكتسب السوبر حداثة هنا مقبوليتها. فلو كانت هذه الثورات محدّدة لكانت محدّدة بنخبة ما أو بأيديولوجيا أو زعيم ما , وهذا ما لم يحدث. السوبر ثوار الجدد هم ثوار السوبر حداثة.



انتصار الديموقراطية و انهيار الديكتاتورية

ثورات السوبر حداثة هي ثورات من غير المحدّدة أين و متى تولد و من يقوم بها وما نتائجها. وهذا ما يصدق على ثورات العالم العربي اليوم ولذا هي ثورات سوبر حداثية. لكن رغم لامحدديتها من المتوقع حدوثها لأنه من الطبيعي أن تنهار الديكتاتوريات وتنتصر الديموقراطية كما تؤكد السوبر حداثة بالضبط . الديموقراطية نظام ناجح؛ فكلما أعاقتها مصيبة كالانهيارالاقتصادي ترمم ذاتها و تستعيد نشاطها. فلا نجد انهيارا ً للأنظمة الديموقراطية بل فقط عملية تصحيح مستمرة لها و لقوانينها و أهدافها ، بينما انهارت أنظمة أخرى كالفاشية و الديكتاتورية و الاتحاد السوفياتي. لذا لا بد أن نسأل : لماذا تنجح الديموقراطية و تستمر ؟ تجيب السوبر حداثة على هذا السؤال على النحو التالي : الديموقراطية ناجحة لأنها نظام غير محدَّد . ففي الأنظمة الديموقراطية من غير المحدَّد من سيحكم و كيف لأن فيها يتم انتخاب الحاكم و الحكومة لمدة زمنية قصيرة و من ثم يتم استبدالهما بحاكم آخر و حكومة أخرى مختلفة. من هنا ، من غير المحدَّد من الحاكم في النظام الديموقراطي . و لامحددية النظام الديموقراطي تجعله قادرا ً على التغير و التكيف مع الظروف المختلفة كونه نظاما ً غير محدَّد . أما إذا كان النظام محدَّدا ً سلفا ً فلن يتمكن من التغير و التأقلم مع الظروف المتغيرة. على هذا الأساس تكتسب الديموقراطية نجاحها ؛ فبفضل لامحدديتها تمسي الديموقراطية عملية تصحيح دائمة لذاتها ما يكفل استمرارها و تفوقها على الأنظمة الأخرى. فمثلا ً ، في النظام الديكتاتوري من المحدَّد من الحاكم و ما مشروعه ، لذا تفشل الديكتاتورية في التغير و التكيف مع الظروف المستجدة ما يحتم فشلها و انهيارها. هكذا تتمكن السوبر حداثة من تفسير نجاح الديموقراطية وفشل الديكتاتورية ما يتضمن توقع السوبر حداثة بأن الديموقراطية ستنتصر وستنهار الديكتاتوريات وتنشأ الثورات الهادفة إلى تحقيق إنسانية الإنسان المتمثلة في ضمان الحريات وحقوق الإنسان المختلفة. فلا محددية الديموقراطية تضمن نجاحها بينما محددية الديكتاتورية تضمن فشلها.

للديموقراطية مبادئ عدة تعرّفها منها : ضمان الحريات كحرية التصرف و التعبير و التفكير و حرية اختيار الفرد لعمله و حرية التملك إلخ، و الفصل ما بين العام و الخاص بحيث العام يُسأل الفرد عنه كعقود الفرد مع الآخر بينما الخاص لا يُسأل الفرد عنه كاعتقاده الديني أو إلحاده أو اعتقاده السياسي، و الفصل ما بين السلطات القضائية و التنفيذية و التشريعية للحد من تفرد بالسلطة و الاستبداد بها. و من مبادئ الديموقراطية أيضا ً محدودية وقصر المدة الزمنية لحكم الرئيس و الحكومة، و انتخاب الشعب لرئيس البلاد و حكومته بشكل أو بآخر ، و استبدال الرئيس بآخر بحيث لا يجوز أن يبقى في الحكم لمدة طويلة تماما ً كما لا يجوز ذلك للحكومة ما يحد من إمكانية استبداد الحاكم أو استغلاله لمنصبه. لكن رغم هذه المبادئ المتفق عليها تتنوع الديموقراطية و تنقسم إلى ديموقراطيات مختلفة منها ديموقراطية الفقراء و ديموقراطية الأغنياء. الديموقراطية حكم الحقوق الإنسانية , لكن الحقوق قد تختلف وتتصارع كحق أن يستفيد الفقير من إعادة توزيع بعض الثروة في مجتمعه و حق الفرد في التصرف بحرية فيما يملك. وبذلك من المتوقع أن تتقلب الديموقراطية بين مجموعة حقوق و مجموعة حقوق أخرى ما يجعلها غير محدّدة بامتياز. ترتكز ديموقراطية الفقراء على إعادة توزيع الثروة لكي يستفيد منها الأفقر والأضعف في المجتمع , بينما ديموقراطية الأغنياء تحافظ على حرية السوق الاقتصادي بشكل كامل فلا تعيد توزيع الثروة في المجتمع. لكن أي نظام ديموقراطي يتقلب بين ديموقراطية الفقراء و ديموقراطية الأغنياء أي ينتقل من عدم توزيع أية ثروة إلى توزيعها والعكس أيضاً و ذلك من جراء تغير من يصل إلى الحكم بفضل هذه الانتخابات أو تلك. من هنا , تكتسب الديموقراطية لامحددية إضافية من خلال تقلبها بين ديموقراطية الفقراء و ديموقراطية الأغنياء ما يجعلها أقوى في التكيف مع الظروف المتغيرة و ما يضمن نجاحها المستمر. أما الديكتاتورية ففاشلة في التكيف مع المتغيرات لأنها خالية من تبادل السلطة بين فرقاء مختلفين. هكذا لا مفر من نجاح الديموقراطية وانتصارها بفضل لامحدديتها وفشل الديكتاتورية وانهيارها بفضل محدديتها ما يجعل ثورات السوبر حداثة واقعة لا محالة لكونها رغبة في الانتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية رغم لا محددية صفاتها الأخرى.


حسن عجمي

عربي
عدد الرسائل : 4
العمر : 46
العمل : كاتب
تاريخ التسجيل : 16/03/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى