منتديات العلم والعلماء والمخترعين والمبتكرين ....

الإنتاج الفكري العربي: رفض العلم و المنطق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الإنتاج الفكري العربي: رفض العلم و المنطق

مُساهمة من طرف حسن عجمي في الإثنين أبريل 11, 2011 10:21 am


الإنتاج الفكري العربي: رفض العلم و المنطق

حسن عجمي

ثمة انتاج متنوّع للكتب الفكرية في العالم العربي اليوم، لكن ضرر هذه الكتب أكبر من فائدتها، لأنها ترفض مبادئ المنطق ولا أسس علمية لها. سنتحدث هنا عن بعض المؤلفات العربية الحديثة ونشير إلى بعض ضررها من باب تجنّب الوقوع في أخطائنا في المستقبل الذي لم نسع إلى تحقيقه بعد.
إذا قرأنا كتاب أدونيس الأخير «الكتاب الخطاب الحجاب» فسنجد أنه يرفض المنطق والعلم. يذكرنا ادونيس بما نعلم حين يؤكد على أن المشكلة الكبرى في ثقافتنا العربية ـ الإسلامية الحالية هي أن النص الديني هو نص ثقافي واجتماعي وسياسي في الوقت نفسه. فبالنسبة إلى الرؤية الدينية يقول: النص الديني مكان الحقيقة وبيتها. لكنه ينفي أن تكون الحقيقة خصوصية النص غير الديني. يقول: «لكن، ما «الحقيقة» في النص غير الديني؟ لا تكمن خصوصية هذا النص بدلالتها العالية في كونه «حقيقة» بل في كونه «إبداعاً». لا تكمن في كونه «واقعاً»، بل في كونه تخيلاً» (ادونيس: الكتاب الخطاب الحجاب، 2009، دار الآداب، ص 10ـ11). لكن إذا كانت خصوصية النص غير الديني لا تكمن في كونة حقيقة وواقعاً بل في كونه إبداعاً وتخيلاً، وبما أن العلم نص غير ديني، تكون خصوصية العلم إذن كامنة في كونة إبداعاً وتخيلاً بدل أن تكون كامنة في كونه حقيقة وواقعاً. هذا رفض صريح للعلم. لكنه يضيف في الكتاب ذاته: «لا يُعرف الواقع ولا يُغير إلا بالعلم، وبالمعرفة التحليلية، وبالتقنية» (المرجع السابق، ص 181). هذا قبول للعلم. هكذا يقع نص ادونيس في التناقض، ولا ينسى الوقوع في الدور وهو تعريف المفهوم بالمفهوم نفسه أو تفسير الظاهرة من خلال الظاهرة نفسها كتعريف أو تفسير الماء بالماء. يقول ادونيس «لا يُعرف الواقع إلا بالعلم والمعرفة التحليلية والتقنية»، لكن العلم معرفة، وبذلك لا يُعرف الواقع إلا بالمعرفة أي أن المعرفة تتحقق بالمعرفة. هذا دور مرفوض منطقياً.
يسيطر الدور على كتاب ادونيس، فمثل آخر على ذلك قوله: «أن يجدد الشاعر، هو أن يأتي بجديد، أي بما لم يكن معروفاً قبله، في القديم» (المرجع السابق، ص39). هنا يعرّف ادونيس التجديد من خلال المفهوم نفسه أي التجديد، وبذلك يقع تعريفه في الدور المرفوض. ويصرّ على الوقوع في الدور أيضاً عندما يحلل التجديد في الدين إذ يقول: «فهو (أي التجديد في الدين) تجديد في التفسير» (المرجع السابق، ص40). وهذا يعني أن التجديد في الدين تجديد في التفسير الديني لأنه إذا كان تجديداً في التفسير العلمي مثلاً لتم الخلط بين الدين والعلم. لكن إذا كان التجديد في الدين تجديداً في التفسير الديني، إذن لتم تحليل التجديد الديني من خلال التجديد الديني، وهذا دور. كما لا يتأخر عن الوقوع في الدور حين يعرّف الحقيقة: «فأن يعرف الإنسان هو أن يكون له رأي قائم على التعقل والاستقصاء» (المرجع السابق، ص 12ـ13). هنا تم تعريف المعرفة من خلال التعقل، لكن إن تعقل الشيء يعني أن تعرفه، وبذلك تم هنا تحليل المعرفة من خلال المعرفة، وهذا دور مرفوض منطقياً. وعلى أساس رفضه للمنطق ليس من المستغرب أن يدعونا أدونيس إلى قبول الوثنية لكي نتخلص من الرسالات الوحدانية أي الإسلام والمسيحية واليهودية (المرجع السابق، ص 17ـ18، ص 27ـ28)، وهو بذلك يدعونا إلى الخلاص من ماضينا من خلال أن نعود إلى ما قبل ماضينا بدلاً من أن يدعونا إلى قبول العلم المعاصر وإنتاج علوم المستقبل. هكذا يريدنا أدونيس أن نستبدل يقينياتنا المخادعة بيقينيات مخادعة أخرى، وهذا رفض واضح للمنطق والعلم.
أما الكاتب الجزائري مونيس بخضرة فيبدأ كتابه «تاريخ الوعي» قائلاً: «لا بد أن نفهم، بالطبع، على نحو ما حدث في تاريخ الفلسفة الغربية، على أن الفلسفة هي التي تصنع الكيان الحضاري والثقافي للمجتمعات، سواء في المجتمعات الشرقية أو الغربية، بما يتماشى مع منطق وعيها الداخلي، وهي بذلك قادرة على تأسيس مقوّمات الفعل الفلسفي في المجتمعات العربية» (مونيس بخضرة: تاريخ الوعي، 2009، الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، ص9). لا شك أن الفلسفة تشارك بقوة في صناعة الحضارة الإنسانية كما العلم تماماً. لكن نجد ان بخضرة يعتبر أيضاً أن الفلسفة «قادرة على تأسيس مقومات الفعل الفلسفي في المجتمعات العربية»، أي بالنسبة إليه، الفلسفة تؤسس الفلسفة، وهذا دور مرفوض منطقياً. فهنا تم اعتبار أن الشيء يؤسس ذاته أي سبب وجود ذاته، ما يدل على تفسير الشيء بالشيء نفسه، وهذا دور قاتل للعقل كتفسير الماء بالماء. فالأشياء تتفسر من خلال أشياء أخرى، والشيء ليس سبباً لذاته.
من جهة أخرى، يجّد بخضرة في نقد عقولنا المعتقلة في سجون الحواس والماضي. لكن رغم ذلك تنتشر معارضة المنطق السليم في كتابه ما يضرّ القارئ العربي ويدفعنا إلى تطوير سوبر تخلفنا. فمثلاً في سياق نقده للمفكرين العرب المعاصرين يقول إنهم «يوظفون الفكر في عكس ما وجد من أجله، الأمر الذي جعلهم يعملون ضدّ كل ما هو فكري في الباطن من دون أن يشعروا بذلك» (المرجع نفسه، ص11). هنا تم تفسير العمل ضدّ كل ما هو فكري في الباطن من خلال توظيف الفكر في عكس ما وجد من أجله. لكن توظيف الفكر في عكس ما وجد من أجله ليس سوى العمل ضدّ كل ما هو فكري في الباطن. وبذلك تم هنا تفسير الظاهرة من خلال الظاهرة ذاتها، وهذا دور في التفسير مرفوض منطقياً من قِبَل كل إنسان عاقل يؤمن بالمنطق والعلم. وهكذا تستمر عمليات الوقوع في الدور. مثل آخر على ذلك قوة بخضرة: «فالعالم العقلي هو الذي يفرز تصورات متطابقة مع مبادئ العقل ومع آلياته» (المرجع نفسه، ص17). هنا تم تحليل العالم العقلي من خلال مفهوم مبادئ العقل وآلياته، أي تعريف العالم العقلي أي العقل من خلال العقل، وهذا دور مرفوض لأنه تعريف للمفهوم من خلال المفهوم نفسه كتعريف الماء بالماء. رغم كل ذلك توجد معلومات غنية في كتاب مونيس بخضرة تتمحور حول أفكار وفلسفات الحضارات المختلفة. لكن الحضارة لا تتأسس على ضوء المعلومات فقط بل أساسها التفكير المنطقي والعلمي، وهذا ما نفتقده نحن اليوم. فالكومبيوتر يتكوّن من معلومات وتدفقها لكنه ليس أساس بناء الحضارة الإنسانية. نحن سجناء معلوماتنا.
تنتقل عدوى رفض المنطق إلى معظم «المثقفين» في عالمنا العربي والإسلامي اليوم. لننظر مثلاً إلى كتاب «أسئلة الحداثة ورهاناتها» للكاتب المغربي عزالدين الخطابي. يشير الكاتب إلى المواقف المختلفة من الحداثة والتحليلات المتنوّعة لها منها تحليل المفكر المغربي عبدالله العروي لمفهوم الحداثة ألا وهو: «الحداثة هي عملية غير مكتملة... وبأنها تتضمن مجموعة من الخصائص التي تميّز المجتمعات الحداثية عن غيرها (المجتمعات التقليدية أو ما قبل الحداثية)» (عزالدين الخطابي: أسئلة الحداثة ورهاناتها، 2009، الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، ص11). هنا تم تعريف الحداثة من خلال الخصائص التي تميّز المجتمعات الحداثية. لكن مفهوم «المجتمعات الحداثية» يتضمن مفهوم الحداثة، وبذلك عرّف العروي الحداثة من خلال الحداثة، وهذا دور يعارض مبدأ أساسياً في المنطق ألا وهو أن من الخطأ تعريف المفهوم من خلال المفهوم نفسه لأن هذا لا يفيدنا أبداً فهو مجرد تعريف الماء بالماء. المشكلة ذاتها يقع فيها المفكر الفلسطيني هشام شرابي حين يقول: «الحداثة.. من الزاوية البنيوية مجموعة من العناصر والعلاقات التي يتألف منها الكيان الحضاري والمدعو حديثاً، والنزعة الحداثية.. تعني الوعي بالحداثة وتحمل في طياتها فكرة تغيير الذات والعالم» (المرجع نفسه، ص17). هنا تم تحليل الحداثة من خلال العناصر والعلاقات البانية للكيان الحضاري المدعو حديثاً، وبذلك تم تحليل مفهوم الحداثة من خلال مفهوم الحداثة وهذا دور مرفوض. كما أن النزعة الحداثية تم تحليلها من خلال الوعي بالحداثة، لكن الوعي بالحداثة نزعة حداثية، وبذلك تم تحليل النزعة الحداثية على ضوء النزعة الحداثية وهذا دور.
نواجه مشكلة ذاتها مع تحليل المفكر الفلسطيني فيصل دراج لمفهوم الحداثة حين يقول إن مكونات الحداثة التي نبتغيها هي: «أولها ضرورة تملك المعرفة الكونية أو محاولة تملكها ولو بشكل نسبي. وثانيها تأمل العلاقة بين الحداثة الأوروبية والحداثة العربية المحتملة. والعنصر الأخير يفتح إشكالية الحداثة المحتملة على مقولات الشعب وتحرير الإرادة الشعبية وترهين الموروث الوطني الممتد من الثورة العرابية إلى الانتفاضة الفلسطينية» (المرجع نفسه، ص138). هنا يقع تحليل دراج في الدور إذ يعرّف الحداثة من خلال استخدام مفهوم الحداثة. أما إذا اعتبرنا أن الحداثة المطلوبة هي ضرورة تملك المعرفة الكونية الحداثية لأنه إذا لم تكن كذلك لكانت الحداثة تملك المعرفة الكونية غير الحداثية وهذا تناقض. لكن إذا كانت الحداثة المطلوبة هي تملك المعرفة الكونية الحداثية، إذن تم هنا تعريف الحداثة من خلال الحداثة وهذا دور مرفوض. هكذا التحليل السابق للحداثة كما جاء لدى دراج إما أن يقع في التناقض، وإما أن يقع في الدور وهما، أي التناقض والدور، مرفوضان منطقياً. هكذا لم نسلم من معاداة المنطق. ومعاداة المنطق ليست سوى معاداة للإنسانية، فلا إنسان بلا منطق.
من جهة أخرى، يقدّم عزالدين الخطابي خطاباً مقبولاً في شرح أهمية الفلسفة وعلاقتها بالديموقراطية، لكنه لا ينسى الوقوع في الدور حين يعرّف الفلسفة والحداثة. يعتبر الخطابي أن الفلسفة خطاب حداثي يكتسب قيمته بجعله العقل متحكماً في كل شيء. فالحداثة مرتبطة بالفلسفة علماً بأنها نقد وتفكيك للبديهيات وللحقائق المطلقة. لذا مكوّنات الفلسفة هي حرية التفكير والإبداع والمساءلة والنقد والحوار والنقاش. لكن الديموقراطية تتضمن الحرية والمساءلة والنقد والتحاور والنقاش. من هنا ترتبط الفلسفة بالديموقراطية بارتباط ضروري (المرجع نفسه، ص 135ـ137، ص231ـ233). لكن إذا كانت الفلسفة مساءلة ونقداً وحواراً ونقاشاً وتفكيكاً للبديهيات وللحقائق المطلقة، لا بد إذن أن تكون الفلسفة مساءلة فلسفية ونقداً وحواراً ونقاشاً وتفكيكاً فلسفياً للبديهيات وللحقائق المطلقة وإلا كانت نقداً وتفكيكاً علمياً لها ما يوقعنا في الخلط بين الفلسفة والعلم. لكن إذا كانت الفلسفة بالفلسفة مساءلة ونقداً فلسفياً، حينها يقع هذا التحليل في الدور من خلال تعريف الفلسفة بالفلسفة. هكذا إما أن يقع تحليل الخطابي في الخلط بين الميادين المعرفية كالخلط بين الفلسفة والعلم وإما أن يقع في الدور.
أما عندما يعرّف الخطابي الحداثة على ضوء قيمها وتجلياتها فيقع أيضاً في الدور. يقول إن الحداثة هي مجموع قيم الحرية والذاتية والحق والعدالة والعقل والعقلانية والعلم والقطيعة والتحوّل والتغير داخل المجتمع (المرجع نفسه، ص37ـ42، ص56ـ57). لكن إذا كانت الحداثة مجموع قيم وتجليات الحرية والذاتية والعقل والعلم والتغير إلخ، فلا بد أنها قيم وتجليات الحرية الحداثية والذاتية الحداثية والعقل والعلم والتغير كما تتحقق في الحداثة وإلا لكانت الحداثة هي مجموع قيم وتجليات الحرية غير الحداثية والذاتية غير الحداثية كما كانت لدى الأغريق مثلاً زمن سقراط، ولكانت الحداثة هي العقل والعلم والتغير، كما تحققت هذه الأمور في زمن افلاطون وارسطو مثلاً. لكن متى كانت الحداثة هي مجموع قيم وتجليات الحرية الحداثية والذاتية الحداثية والعقل والعلم والتغير الحداثي، حينها نقع في الدور من خلال تعريف الحداثة على ضوء الحداثة. كل هذا يدلنا على رفضنا المطلق للمنطق. لكن رفض المنطق رفض للعلم فلا علم بلا منطق.

حسن عجمي

عربي
عدد الرسائل : 4
العمر : 46
العمل : كاتب
تاريخ التسجيل : 16/03/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى