منتديات العلم والعلماء والمخترعين والمبتكرين ....

الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا :نقد اسلامى للمعيار الذاتي لتقييم العمل العام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا :نقد اسلامى للمعيار الذاتي لتقييم العمل العام

مُساهمة من طرف صبرى محمد خليل خيرى في السبت يناير 03, 2015 9:39 pm

الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا :نقد اسلامى للمعيار الذاتي لتقييم العمل العام
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
تمهيد: هذه الدراسة هي محاوله لتقديم نقد اسلامى لعمليه اتخاذ المعيار الذاتي " الممثل في الاعتقاد الذاتي بالهدايه، سواء لفرد معين أو جماعه معينه "، كمعيار وحيد لتقييم العمل العام (السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي...) في المجتمعات المسلمة .
أدله نقد المعيار الذاتي : ويستند هذا النقد الاسلامى إلى قوله تعالى ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)(الكهف :103 )، حيث تشير الايه إلى رفض القران الكريم لاتخاذ المعيار الذاتي " المتمثل في الاعتقاد الذاتي بالهدايه" كمعيار وحيد لتقييم الأعمال ، وهو ما يترتب عليه استبعاد المعيار الموضوعي لتقييمها، المتمثل في الالتزام بشروط الهدايه الموضوعية (ألتكليفيه والتكوينية )، وهو ما يلزم منه "موضوعيا " الضلال ، بصرف النظر عن الاعتقاد" الذاتي" لصاحبه، وقد عبر المفسرين عن ذلك بعبارات مختلفة في اللفظ ، لكنها متحدة في المعنى، هي : ورد في تفسير ابن كثير (....وَإِنَّمَا هِيَ عَامَّة فِي كُلّ مَنْ عَبَدَ اللَّه عَلَى غَيْر طَرِيقَة مَرْضِيَّة بِحَسَبِ أَنَّهُ مُصِيب فِيهَا وَأَنَّ عَمَله مَقْبُول وَهُوَ مُخْطِئ وَعَمَله مَرْدُود ... فَقَالَ " الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيهمْ " فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا " أَيْ عَمِلُوا أَعْمَالًا بَاطِلَة عَلَى غَيْر شَرِيعَة مَشْرُوعَة مَرْضِيَّة مَقْبُولَة " وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا " أَيْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء وَأَنَّهُمْ مَقْبُولُونَ مَحْبُوبُونَ .) . وورد في تفسير الطبري( .. وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنَى بِقَوْلِهِ " هَلْ نُنَبِّئكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا " كُلّ عَامِل عَمَلًا يَحْسَبهُ فِيهِ مُصِيبًا , وَأَنَّهُ لِلَّهِ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ مُطِيع مَرَض , وَهُوَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ لِلَّهِ مُسْخِط , وَعَنْ طَرِيق أَهْل الْإِيمَان بِهِ جَائِر كَالرَّهَابِنَةِ وَالشَّمَامِسَة وَأَمْثَالهمْ مِنْ أَهْل الِاجْتِهَاد فِي ضَلَالَتهمْ , وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ وَاجْتِهَادهمْ بِاَللَّهِ كَفَرَة , مِنْ أَهْل أَيّ دِين كَانُوا . .. وَقَوْله " الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا " يَقُول : هُمْ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ عَمَلهمْ الَّذِي عَمِلُوهُ فِي حَيَاتهمْ الدُّنْيَا عَلَى هُدًى وَاسْتِقَامَة , بَلْ كَانَ عَلَى جَوْر وَضَلَالَة , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِغَيْرِ مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ بَلْ عَلَى كُفْر مِنْهُمْ بِهِ , " وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا " يَقُول : وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ لِلَّهِ مُطِيعُونَ , وَفِيمَا نَدَبَ عِبَاده إِلَيْهِ مُجْتَهِدُونَ ). وورد في تفسير القرطبى ( فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ مِنْ النَّاس مَنْ يَعْمَل الْعَمَل وَهُوَ يَظُنّ أَنَّهُ مُحْسِن وَقَدْ حَبَطَ سَعْيه , وَاَلَّذِي يُوجِب إِحْبَاط السَّعْي إِمَّا فَسَاد الِاعْتِقَاد أَوْ الْمُرَاءَاة , وَالْمُرَاد هُنَا الْكُفْر . .)
الجمع بين الذاتية والموضوعية كأساس لرفض المعيار الذاتي : أن رفض المنظور القيمى الاسلامى للمعيار الذاتي في تقييم العمل العام ، يستند إلى أن هذا المنظور القيمى يتجاوز الموقفين القائمين إما على التأكيد على الذاتية وإلغاء الموضوعية " الذاتية المطلقة " ، أو التأكيد على الموضوعية مع إلغاء الذاتية " الموضوعية المطلقة "، إلى موقف يقوم- استنادا إلى مفهوم الوسطية- على الجمع بين الذاتية والموضوعية ، من خلال التزام المنظور القيمى الاسلامى بموضوعية ذات أبعاد تكليفيه(ممثله في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية التي جاء بها الوحي)،وتكوينيه(ممثله في السنن الالهيه"الكلية والنوعية " التي تحكم الوجود الشامل للطبيعة المسخرة والإنسان المستخلف )تحدد ولا تلغى الذاتية، فتكون لها بمثابة الكل للجزء يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه .


مظاهر المعيار الذاتي لتقييم العمل العام: وللمعيار الذاتي لتقييم العمل العام العديد من المظاهر التي أشارت إليها النصوص ، ونبه إليها العلماء:
عدم الالتزام بشروط الاهتداء ألتكليفيه" الوحي" و التكوينية" الفطرة" : من هذه المظاهر عدم الالتزام بشروط الاهتداء ألتكليفيه والتكوينية، وهو ما يخالف التصور الاسلامى الصحيح لمفهوم الهدايه، حيث يقرر القران الكريم - استنادا إلى مفهوم التوحيد - أن الهداية صفة ربوبية وبالتالي ينفرد بها الله تعالي قال تعالى (كلا إن معي ربي سيهدين ) (الشعراء:162) ، وان لهذه الصفة من صفات الربوبية شكلين من أشكال الظهور في عالم الشهادة :الشكل الأول: تكليفي: ويتمثل في الوحي من حيث تضمنه للشرائع المتضمنة للأصول" المفاهيم والقيم والقواعد الكلية " اللازمة لهداية الناس في كل زمان ومكان، قال تعالى( يريد الله ليبين لكم سنن الذين من قبلكم)(النساء: 26 )،وقال تعالى (وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون)( البقرة: 53). الشكل الثاني : تكويني: ويتمثل في الفطرة من حيث هي إمكانية التزام السنن الإلهية ، التي تضبط حركه الوجود الشهادي، المتضمن للطبيعة المسخرة والإنسان المستخلف، والتي يجب علي الإنسان الخضوع لها ليهتدي إلي ما فيه صلاحه ، قال تعالى (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في الظلمات والبر والبحر )(الإنعام 97) ، وقال تعالى (والقي في الأرض رواسي ان تميد بكم وانهارا وسبلا لعلكم تهتدون) (النحل : 15).كما يقرر القران الكريم- استنادا إلى مفهوم الاستخلاف – ان إظهار الإنسان لصفه الهدايه " وغيرها من صفات الربوبية" في الأرض ، إنما يتم من خلال الاهتداء ، الذي أشار إليه القران الكريم في العديد من المواضع كقوله تعالى(من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه) ( يونس: 108)،وهذا الاهتداء يتحقق من خلال : أولا: توحيد الربوبية: بإفراد الهداية لله تعالى، قال تعالى( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (القصص: 56). ثانيا: العبودية (التكوينية والتكلفية):وذلك بالالتزام بشروط الهداية التكوينية والتكليفيه قال تعالى (من يهد الله فهو المهتدي)( الأعراف: 178)وقال تعالى (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون). يترتب على ما سبق أن من مظاهر المعيار الذاتى لتقييم العمل العام – المرفوض إسلاميا – والتى تتصل بعدم الالتزام بشروط الاهتداء ألتكليفيه والتكوينية
أولا: مخالفه المفاهيم والقيم والقواعد الكلية التي جاء بها الوحي.
ثانيا:مخالفه الاعتقاد أو السلوك للفطرة السليمة ، وهو ما يتعارض مع كون الإسلام هو دين ألفطره ، قال تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )( الروم : 30) ، وفى حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء، )( صحيح البخاري (2 / 119) ط دار الشعب – القاهرة 1407 هـ، صحيح مسلم (8 / 52) ط دار الجيل – بيروت)
ثالثا: مخالفه السنن الالهيه (الكلية أو النوعية ) التى تضبط حركه الوجود الشهادى الشامل للوجود الطبيعي "المسخر" والوجود الانسانى" المستخلف "
رابعا: الإضرار بمصالح الناس الدنيوية والاخرويه ،وتهديد الوجود الانسانى بأبعاده الروحية (الدين) والجسدية (النفس) والعقلية (العقل)والذرية(النسل) والاقتصادية (المال): وهو ما يتعارض مع ما قرره العلماء من أن مقاصد الشرع هي تحقيق مصالح الناس الدنيوية والاخرويه يقول ألشاطبي( إن أحكام الشريعة ما شرعت إلا مصالح الناس ، وحيثما وجدت العمل به فيه ،حق لله من جهة وجوب العمل به، وفية حق للعبد من جهة انه ما شرع إلا
المصلحة)(الاعتصام) ، ويقول العز بن عبد السلام (التكاليف راجعه إلى مصالح الناس في دنياهم وأخراهم ، والله غني عن عباده الكل ،و لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين) ، وتتضمن هذه المقاصد حفظ الوجود الانسانى بأبعاده الروحية (الدين) والجسدية (النفس) والعقلية (العقل)والذرية(النسل) والاقتصادية (المال) ،يقول الإمام الغزالي( ومقصود الشرع من الخلق خمسة : وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة) ( المستصفى31/287).
الضلال و الإطلاق البدعى للمفاهيم: ومن مظاهر المعيار الذاتى لتقييم العمل العام الضلال الناتج عن عدم الالتزام بشروط الاهتداء ،وقد ربط الرسول (صلى الله عليه وسلم) بين مفهومي الضلالة والبدعة( فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد –صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة)( رواه مسلم ومعناه عند البخاري من حديث ابن مسعود ). وطبقا لهذا الارتباط بين المفهومين ، فان من مظاهر المعيار الذاتى لتقييم العمل العام - المتصله بالضلال - الإطلاق البدعى للمفاهيم والقيم والقواعد ، من خلال عدم الالتزام بضوابطها الشرعية، ،وفيما يلى نعرض لنماذج لهذا الإطلاق البدعى الذي ظهر في الامه في الماضى والحاضر :
أولا:الإطلاق البدعى للقتال : فهناك الإطلاق البدعى لمفهوم القتال ، من خلال عدم الالتزام بالضبط الشرعي لهذا المفهوم:
ا/ في ماضي الامه (الخوارج): ويتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم القتال في ماضي الامه فى مذهب الخوارج .
ب/ في حاضر الامه ( أهل الغلو و مذهب الإطلاق البدعى للقتال ومخالفه الضبط الشرعي للقتال ) : كما يتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم القتال ، في حاضر الامه ، في أهل الغلو من أنصار مذهب الإطلاق البدعى للقتال، فهم يتفقون مع الخوارج في الإطلاق البدعى للقتال، ويخالفون أهل السنة في الضبط الشرعى له ، والمتمثل في إقرارهم للعديد من الضوابط الشرعية للقتال ، والتي أشارت إليها الكثير من النصوص ومنها: أولا: ان الجهاد يكون مع جماعة المسلمين وامامهم، وليس مع آحاد الناس أو جماعه من المسلمين، لقوله تعالى(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا ) ( التوبة : 38) وقول الرسول(صلى الله عليه وسلم)(إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَعَدَلَ، كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ) ، يقول الإمام أحمد بن حنبل (والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة – البر والفاجر – لا يترك)، ثانيا: لا قتال لمن يقيم الصلاة ويؤذن لها: فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ النَّبِيَّ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِم ، ثالثا : حرمه قتل المعاهدين والمستأمنين: لقول الرسول(صلى الله عليه وسلم)(مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)(رواه البخاري في صحيحة) ، خامسا :عدم جواز نقض العهود والمواثيق لقوله تعالى (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاق)،رابعا :عدم جواز قتل المدنيين: فقد روى عن أنس بن مالك ( رضي الله عنه ): أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان إذا بعث جيشاً قال : ( انطلقوا باسم الله لا تقتلوا شيخاً فانياً و لا طفلاً صغيراً ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)( رواه أبو داود في السنن ) قال الله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)( النساء : 93 ). والإطلاق البدعى للقتال ، بعدم الالتزام بضوابطه الشرعية ، يخرجه من دائرة الجهاد ، ويدخله في دائرة الهرج ، الذي تنبأت العديد من النصوص بأنه سيكثر آخر الزمان ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي (صلى الله عليه وسلم ) ( لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج - وهو القتل القتل - حتى يكثر فيكم المال فيفيض) (صحيح البخاري - كتاب الجمعة- أبواب الاستسقاء - باب ما قيل في الزلازل والآيات- حديث‏1002‏).
ثانيا:الإطلاق البدعى للسلطة"الامامه": وهناك الإطلاق البدعى لمفهوم الامامه "السلطة" ، من خلال تحويل الامامه " بمعنى السلطة " من فرع من فروع الدين إلى أصل من أصوله، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ، والقائم على أن الامامه " بمعنى السلطة" هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، يقول الإيجي ( وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا )(المواقف : ص 395) ، ويقول الإمام الغزالي ( اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات ، وليس أيضاً من فنّ المعقولات ، بل من الفقهيات ) (الاقتصاد في الاعتقاد : ص 234) . أما الأقوال التي تفيد تقرير علماء أهل السنة وجوب نصب الإمام ، فهي لا تتحدث عن الامامه بمعنى السلطة ، وإنما تتحدث عن الامامه بمعنى الدولة وباعتبار أنها ضرورة اجتماعيه، لذا فانهم قرروا في ذات الوقت أن الوجوب هنا هو وجوب كفائي وليس عيني، يقول الماوردي ( فإذا ثبت وجوبها ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم...) ( الأحكام السلطانية: ص 5) ، ويقول الإمام النووي: (تولي الإمامة فرض كفاية ، ...) (روضة الطالبين :10/43).
ا/ في ماضي الامه (الاماميه "الشيعة") : ويتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم الامامه " السلطة" ، من خلال تحويل الامامه " بمعنى السلطة " من فرع من فروع الدين إلى أصل من أصوله ، في ماضي الامه فى مذهب الشيعة ، حيث ينقل الشيعة عن أبي جعفر انه قال( بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، قال زرارة: فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال:" الولاية أفضل " … " أما لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان )( الكافي ، 2/16، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام).
ب/ في حاضر الامه(مذهب التفسير السياسي للدين ومخالفه الضبط الشرعى لمفهوم السلطة- السياسة الشرعية) :كما يتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم الامامه " السلطة" ، من خلال تحويل الامامه " بمعنى السلطة " من فرع من فروع الدين إلى أصل من أصوله ، في حاضر الامه في مذهب التفسير السياسي للدين ، وهو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة ، يقوم على إثبات العلاقة بينهما، ولكنه يتطرف في هذا الإثبات ، إلى درجه تجعل العلاقة بينهما علاقة خلط، وليست علاقة ارتباط ، وبالتالي يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة ، وقد يتطرف فيجعل السياسة اعلي درجه من الدين حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة، والوسيلة هي الدين، ومرجع هذا التطرف في الإثبات أن هذا المذهب إنما ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة، كرد فعل على الليبرالية ،والتي باستنادها إلى العلمانية نفت وألغت اى علاقة للدين بالسياسة، ويستند هذا المذهب إلى افتراض أن الامامه - بمعنى السلطة- هي أصل من أصول الدين، وليست فرع من فروعه ، فهو هنا يتفق مع المذهب الشيعي ويخالف مذهب أهل السنة ، فضلا ان هذا المذهب يلزم منه ، جمله من المفاهيم البدعيه التي تتناقض مع مقاصد الشرع وضوابطه ، ومن هذه المفاهيم: أولا: التفرق في الدين: اى اباحه الاختلاف " التعدد "على مستوى أصول الدين، وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف،على مستوى أصول الدين ، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة كما في قوله تعالى ( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية (104). ثانيا: تكفير المخالف في المذهب ،وهو ما يتعارض مع ورود الكثير من النصوص التي تفيد النهى عن تكفير المسلمين: قال تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبغون عرض الحياة الدنيا). ثالثا: التعصب المذهبي: وهو ما ذمه علماء أهل السنة، يقول ابن القيِّم( وأما المتعصِّب الذي جعل قولَ متبوعة عيارًا على الكتاب والسُّنة وأقوالِ الصحابة، يزِنُها به ، فما وافق قول متبوعة منها قبِلَه، وما خالفه ردَّه، فهذا إلى الذمِّ والعقاب أقرب منه إلى الأجر والصَّواب؛ وإن قال - وهو الواقع -: اتَّبعته وقلَّدته، ولا أدري أعلى صوابٍ هو أم لا؟ فالعُهْدة على القائل، وأنا حاكٍ لأقواله، قيل له: فهل تتخلَّص بهذا من الله عند السُّؤال لك عمَّا حكمت به بين عباد الله، وأفتيتهم به ؟ فو الله إن للحُكَّام والمفتين لموقفًا للسؤال لا يتخلص فيه إلاَّ مَن عرف الحق، وحكم به ، وأفتى به ، وأما من عداهما فسيَعلم عند انكشاف الحال أنه لم يكن على شيء )(إعلام الموقِّعين" 2/ 232).
ثالثا:الإطلاق البدعى للإرجاء: وهناك الإطلاق البدعى لمفهوم الإرجاء ، من خلال عدم الالتزام بالضبط الشرعي لهذا المفهوم ، حيث أن الإرجاء في اللغة هو التأخير، وطبقا لهذا المعنى اللغوي، فان هذا المفهوم هو مفهوم شرعي ، أشارت إليه النصوص كما فى قوله تعالى(إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ)( إبراهيم :42)، ورد في تفسير الطبري ( يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّمَا يُؤَخِّر رَبّك يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَك وَيَجْحَدُونَ نُبُوَّتك , لِيَوْمٍ تَشْخَص فِيهِ الْأَبْصَار . يَقُول : إِنَّمَا يُؤَخِّر عِقَابهمْ وَإِنْزَال الْعَذَاب بِهِمْ , إِلَى يَوْم تَشْخَص فِيهِ أَبْصَار الْخَلْق ; وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة ) ، لكنه اكتسب في مراحل تاليه معنى اصطلاحي بدعي ، مخالف للمعنى الذي فهمه السلف الصالح من المفهوم.
ا/ في ماضي الامه (المرجئة) : ويتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم الإرجاء ، في ماضي الامه في مذهب المرجئة ، والذي يفصل الإيمان عن العمل ، حيث يقول ( لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة)،أي أن المؤمن يظل مؤمناً مهما ارتكب من المعاصي كما يظل الكافر كافراً مهما قام بأعمال صالحة، ويقول (ان الإيمان اعتقاد، وان من أعلن الكفر بلسانه وعبد الأوثان أو لزم اليهودية والنصرانية في دار الإسلام وعبد الصليب وأعلن التثليث في دار الإسلام ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله عز وجل ومن أهل الجنة(.
ب/ فى حاضر الامه (مذهب الطاعة المطلقة ومخالفه الضبط الشرعى للطاعه " مذهب الطاعه المقيده") : كما يتمثل هذا الإطلاق البدعى لمفهوم الإرجاء ، في حاضر الامه - في المجال السياسى - فى مذهب الطاعة المطلقة الذي مضمونه افتراض أن الإسلام اوجب طاعة الحاكم طاعة مطلقه استنادا إلى العديد من الادله كقوله تعالى (وأطيعوا الله ورسوله وأولى الأمر منكم)،غير أن طاعة أولى الأمر في الايه وغيرها من النصوص ليست مطلقه كما يتصور أنصار هذا الموقف ، بل هي مشروطة بعدم معصية الله تعالى، كما في الحديث( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ،يقول الطوفي الحنبلي في كتابه (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية2/28) فـ( الأمر في هذه الآية عام مخصوص بما إذا دعوا الناس إلى معصية أو بدعة لا تجوز طاعتهم للحديث: ” إنما الطاعة في المعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”. وقد امتنع كثير من أئمة السلف من إجابة الخلفاء إلى المناكر والمفاسد والبدع. وهم في ذلك قدوة، والآية المذكورة حجة لهم ) . ويقول ابن تيمية ان أهل السنة : (لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به ، بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة ، فلا يُجوّزون طاعته في معصية الله وإن كان إماماً عادلاً ... فأهل السنة لا يُطيعون ولاة الأمور مطلقاً ، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، كما قال (تعالى) : " أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ " [النساء : 59] ،فأمر بطاعة الله مطلقاً ، وأمر بطاعة الرسول لأنه لا يأمر إلا بطاعة الله : ” مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ” [النساء : 80] ، وجعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك ، فقال : ] وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [ ، ولم يذكر لهم طاعة ثالثة ، لأن ولي الأمر لا يُطاع طاعة مطلقة ، إنما يُطاع في المعروف) (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية :3/387).
الانفصال بين القول والفعل : ومن مظاهر المعيار الذاتي لتقييم العمل العام –المرفوض إسلاميا – الانفصال بين القول والعمل، وهو ما يتعارض مع ذم الكثير من النصوص لهذا الانفصال كما فى قوله تعالى (يا أيُها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون. كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) (الصف:2-3 ) وقوله تعالى (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (البقرة:44).
. .
من الدعوة إلى الدعاية: ومن مظاهر المعيار الذاتي لتقييم العمل العام – المرفوض إسلاميا -والتي تتصل بالانفصال بين القول والعمل- تحول الموقف من قضايا العمل العام في المجتمع المسلم "كالالتزام الاجتماعي بمفاهيم وقيم وقواعد الدين وتطبيق الشريعة الاسلاميه ..." من دعوه دينيه وحضاريه إلى دعاية سياسيه. فمضمون الموقف الصحيح من هذه القضايا ، انه دعوة دينية وحضارية،تطرح هذه القضايا كمبدأ ، وتبحث في كيفيه تطبيقها، وتقوم على الحوار بين المذاهب الاسلاميه حول أنجع السبل لحلها ، كما تقوم على الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد، كما أن تناولها لهذه القضايا، لا يحول دون تناولها للقضايا الأخرى التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة ، كما تربط بين حل هذه القضايا وتحقيق ما يصلح الحياة من قيم ومبادئ، كما ان فهمها لهذه القضايا يتسق مع ضوابط ومقاصد الشرع من الناحية الدينية ، ومع القيم الحضارية الاسلاميه للمجتمعات ألمسلمه من الناحية الحضارية.
أما مضمون الموقف الخاطئ من هذه القضايا – الذي يستند إلى المعيار الذاتي لتقييم العمل العام - ، فهو دعاية سياسيه ، تطرح هذه القضايا كشعار ، دون التطرق إلى كيفيه حلها، ودون الدعوة إلى الحوار بين المذاهب الاسلاميه حول سبل حلها، ودون قيامها باى اجتهاد ديني أو فكرى، وتقوم على الحصر الثنائي بين شعار(كتطبيق الشريعة الاسلاميه مثلا) وضده (العلمانية مثلا) دون الالتفات إلى القضايا الأخرى، التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة ، وهى تهدف إلى إغلاق عقول المسلمين دون إدراك واقع الحياة ، لتبقى مفتوحة لما تدسه فيها دعاية سياسيه تحقق أهدافها، كما أن فهمها لهذه القضايا يتناقض في حالات عديدة مع ضوابط ومقاصد الشرع من الناحية الدينية ، كما يتناقض في حالات عديدة مع القيم الحضارية الاسلاميه للمجتمعات المسلمة من الناحية الحضارية.

للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة المواقع التالية:
د.صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
د صبري محمد خليل Google Sites
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]



صبرى محمد خليل خيرى

لا يوجد
عدد الرسائل : 15
العمر : 51
العمل : استاذ جامعى
تاريخ التسجيل : 12/07/2014

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى